القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

مسلسل

“مئة عام من العزلة” يستعيد سحر ماركيز.. موسم ثان يقود ماكوندو إلى نهايتها الأكثر سينمائية

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

يعود مسلسل “مئة عام من العزلة” في موسمه الثاني أكثر ثقة بعالم غابرييل غارثيا ماركيز، بعدما اختار صنّاعه الاقتراب بدرجة أكبر من الإيقاع الشعري والسياسي للرواية، ومنح ماكوندو صورة أكثر نضجاً وتعقيداً على الشاشة.

كان الجزء الأول قد عُرض في ديسمبر/كانون الأول 2024 وسط اهتمام واسع، وحمل منذ البداية عبئاً استثنائياً: تحويل واحدة من أشهر روايات القرن العشرين، وعالمها القائم على تداخل الواقع بالأسطورة والذاكرة، إلى عمل درامي يستطيع الاحتفاظ بروح النص من دون أن يتحول إلى ترجمة حرفية له.

من الواقعية السحرية إلى الشاشة

في الموسم الجديد تبدو المحاولة أكثر وضوحاً. تغيّرت إيقاعات التصوير والإخراج، واتسعت المساحة الممنوحة للتاريخ والسياسة، فيما استعان السيناريو والتعليق الصوتي بظلال أوضح من لغة ماركيز، مع بناء حلقات تحمل شخصياتها الدرامية الخاصة من دون الانفصال عن المسار الطويل لعائلة بوينديا.

المهمة تظل شديدة الصعوبة. فماركيز نفسه ظل لسنوات متحفظاً على تحويل الرواية إلى الشاشة، ورأى أن عالمها لا يمكن اختزاله بسهولة داخل فيلم واحد. ومع انتقال الحكاية في جزئها الثاني إلى سنوات أكثر قتامة في تاريخ ماكوندو، يصبح التحدي أكبر: كيف يمكن الحفاظ على الواقعية السحرية، من دون أن تحجب ما تخفيه الرواية تحت جمالها من عنف سياسي وصراع طبقي وذاكرة تاريخية؟

قال ماركيز في مقابلة منشورة في ثمانينيات القرن الماضي إن “هذه الرواية غير قابلة للتحويل إلى فيلم، فالرواية تترك للقارئ مساحة للإبداع والتخيل، بما يسمح له بتخيل الشخصيات والأماكن والمواقف كما يراها، على عكس الفيلم أو المسلسل”، وهو ما قد يبدو كلامًا عامًا يقبل التطبيق على أي رواية أدبية، واقعية أو رومانسية أو خيالية، غير أنه يتحول إلى حديث محدد وملزم وحاسم عند الحديث عن الواقعية السحرية التي كتب غالبية أعماله داخل إطارها، والتي تحتاج بالضرورة إلى جهد إبداعي إضافي، يستطيع جمهور الدراما المصورة التعامل معه، ويُسهل له رحلة الدخول إلى حيث تتلاشى الحدود بين السحر والخيال والواقع، وإلى حيث الحياة التي تسير وفق إيقاع مغاير لقوانين الفيزياء والعادات اليومية البسيطة، المتكررة والمعتادة.

ملامسة ما لا يمس

المخرجة الكولومبية لورا مورا التي أخرجت ثلاث حلقات من الموسم الأول، وتتولى منصب المنتج المنفذ في الموسم الثاني، إضافة إلى إخراجها لخمس حلقات، بما فيها الحلقة الأخيرة، قالت إنها أمضت السنوات الأربع الماضية في “ملامسة ما لا يُمس”، حيث قادت إنتاج المسلسل المقتبس من رواية ماركيز الملحمية التي أسست لأدب الواقعية السحرية منذ صدورها عام 1967، وتروي قصة سبعة أجيال من عائلة واحدة، هي عائلة بوينديا، وحياتهم الغريبة في بلدة ماكوندو الخيالية على ساحل البحر الكاريبي الكولومبي، وهي الحياة المليئة بالغرائب، المبهجة والحزينة في آنٍ واحد.

D.R

وكشفت في حديث لمجلة “Monocle” البريطانية أن الموسم الثاني من المسلسل يغطي الخمسين عامًا الأخيرة من القرن الذي تناولته تحفة أديب نوبل، ويبدأ مباشرةً من حيث انتهى الموسم الأول، وقالت: “أعتقد أن ماركيز نجح في روايته في تصوير ما يحدث في نهاية المطاف لجميع المدن الفاضلة على مدى مئة عام، أو هكذا تأمل”، مضيفة أنها تعمدت تخفيف حدة الواقعية السحرية في الرواية، وزيادة التركيز على الجانب السياسي، غير أن الحلقات السبع التي أطلقتها “نتفليكس” في الخامس من أغسطس/ آب الجاري، قالت غير ذلك، إذ اقتربت المشاهد بصورة أكبر من روح الرواية، حتى أن أحدًا لم يتوقف أمام كثير من المشاهد الغرائبية التي تم تصويرها بنعومة يقبلها منطق الفن، ويمكن للمشاهد التعامل معها.

كانت “نتفليكس” قد أطلقت الحلقات السبع الأولى من هذه الملحمة العائلية بداية الشهر، فيما قررت، في خطوة غير مألوفة، تأجيل عرض الحلقة الختامية إلى السادس والعشرين من الشهر ذاته، وهي الحلقة الاستثنائية التي تقترب من ساعتين، وقالت إن الاحتفال لن يقتصر على إطلاق الحلقة على منصتها، بل ستكون هناك عروض سينمائية خاصة تشبه العروض الأولى في مدن مختارة في جميع أنحاء كولومبيا، وتصاحبها فعاليات احتفالية مسرحية بمشاركة “برويماخنيس” الكولومبية (Proimágenes Colombia).

موسم ثانٍ ببنية سينمائية أكثر تعقيدًا

شارك المخرج كارلوس مورينو في الموسم الثاني بثلاث حلقات، حيث قسم المخرجان الموسم وفقًا لتحولاته السردية الرئيسة. أخرجت مورا الحلقتين الأولى والثانية لربط أحداث الموسم الأول، وتقديم الجيل الجديد من عائلة بوينديا ومدينة ماكوندو المتغيرة، ثم تولى مورينو الحلقتين الثالثة والرابعة، مُضيفًا لمسته الفكاهية على شخصية “فرناندا ديل كاربيو”، الخصم الرئيس، لتعود مورا لإخراج الحلقتين الخامسة والسادسة، واللتين تصوران وصول شركة “يونايتد فروت” والأمريكيين إلى ماكوندو، وهي نقطة تحول محورية لطالما رغبت في تجسيدها. وأخرج مورينو الحلقة السابعة التي تتمحور حول سنوات الأمطار الغزيرة التي شهدتها ماكوندو. 

D.R

وقال: “أعتقد أن أحد إنجازاتنا هذا الموسم هو منح كل حلقة بنية فيلمية متكاملة، فبينما تتكامل الحلقات لسرد القصة الرئيسة، تنفرد كل حلقة منها بأنها تُشكّل سردًا قائمًا بذاته، له هدفه وهويته الخاصة، وأعتقد أن هذا يمنح المشاهد تجربة ثرية للغاية، فكل حلقة تبدو مكتملة في حد ذاتها، مع مساهمتها في الوقت نفسه في القصة الكاملة.. إنها تحترم ذكاء المشاهد من خلال اتباع منطقها السردي الخاص، بدلاً من أن تكون مجرد فصل آخر في قصة أوسع”، بينما قالت مورا: “أردنا الارتقاء بالمسلسل من حيث السرد والجماليات، ورؤية كيف يمكن أن يتطور إلى شيء أعمق وأكثر تعقيدًا وجاذبية درامية”.

الفراشات الصفراء ومذابح العمال

عن التغييرات التي طرأت ورفعت من جاذبية الموسم الثاني، قالت مورا: “كان الموسم الأول جيدًا، لكن كان من الواضح أننا بحاجة إلى تطوير المسلسل ليأخذ منحى سينمائيًا وشعريًا وسياسيًا أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، يتذكر القراء الفراشات الصفراء، يتذكرون جمال هذه الصورة، لكنهم لا يتذكرون أن الفراشات ترمز إلى شخصية عامل أسود في شركة الموز، إنه رجل فقير يقع في حب الفتاة الخطأ لأنها من الطبقة الراقية، كان عليّ أن أمنح تلك الصورة البعد السياسي لتلك العلاقة، ربما لا يعرف الكثيرون أن علاقة الجمهور في أمريكا اللاتينية بالرواية، تختلف تماماً عن علاقة الجمهور الأوروبي أو الأنغلوسكسوني بها، فنحن نتمتع بعلاقة مميزة مع عالم الخيال، صحيح أن ماكوندو عالم خيالي، ولكنه ليس كذلك في الوقت نفسه، أردتُ هذه المرة الدفاع عن هذه الفكرة”. 

وتابعت: “الأمر أعمق من ذلك بكثير، فتلك الفراشات الصفراء ترمز إلى شخصية تمر بحدث اجتماعي مأساوي. لا يقتصر الأمر على عالم خيالي فحسب، بل هو أسلوب جميل وشاعري لسرد قصة قاسية تحدث لنا هنا.. وقد ركزتُ أكثر على الإشارات التاريخية، مثل مذبحة الجيش الكولومبي لعمال الموز عام 1928، والتي تجاهلتها كتب التاريخ، وساعد ماركيز في تسليط الضوء عليها. لماذا؟ لأننا نحن متعلقون جدًا بالواقعية السحرية، لدرجة أننا نتجاهل الجانب السياسي للرواية”.

الخيال يكشف ما حاول التاريخ إخفاءه

وأضافت: “أخبرتُ نتفليكس أنه إذا كنتُ سأشارك، فعليّ أن أُخرج مشهد وصول شركة الموز، والأمريكيين، ومذبحة العمال، أردتُ أيضًا أن أُظهر أن المطر الذي استمر لسنوات طويلة بعد ذلك كان يهدف إلى محو ذكرى ذلك العنف، كما فعلنا نحن الكولومبيين دائمًا، فلم نتحدث كثيرًا عن هذا الجزء من تاريخنا، كان هناك إنكار كبير لما هو حقيقي، وما هو جزء من الخيال الذي ابتكره ماركيز. في هذا الموسم، حرصتُ على أن نتلقى جميعًا دروسًا في التاريخ. درستُ المذبحة بتعمق، لذا كانت لديّ الخلفية الفكرية اللازمة للتعامل مع هذه الحلقات”. 

“أنا فخورة جدًا بها، كما أنني كنتُ محظوظة جدًا، عندما أخبرتُ نتفليكس أنني أريد تصوير مشاهد شركة الموز، والنادي الريفي، وأماكن سكن الأمريكيين في مواقعها الحقيقية، فوافقوا. وأعتقد نجحنا في تجسيد ثقل وجمال ما كان يقوله ماركيز في هذه الرواية، ومن الأمور التي ناقشناها كثيرًا خلال الأشهر القليلة الماضية، مدى روعة أن يعتقد العاملون في صناعة السينما الكولومبية، قبل أربع أو خمس أو ست سنوات فقط، أن مشروعًا كهذا مستحيل، لنثبت الآن عكس ذلك”.

في النهاية، لا يبدو الموسم الثاني من “مئة عام من العزلة” محاولة جديدة لترجمة عالم ماركيز إلى الشاشة فحسب، بل اختباراً لقدرة الدراما على إعادة اكتشاف الرواية من زاوية مختلفة. فبين الفراشات الصفراء وذاكرة المذابح، وبين سحر ماكوندو وقسوة تاريخها، ينجح العمل في الاقتراب من الفكرة الأعمق التي حملها النص: أن الخيال ليس نقيض الواقع، بل قد يكون طريقاً أكثر قدرة على كشفه. 

هكذا، تعود ماكوندو إلى الشاشة لا بوصفها مدينة أسطورية بعيدة، وإنما مرآةً للتاريخ والذاكرة والعنف والنسيان، وهي الثيمات التي جعلت رواية ماركيز قادرة، بعد عقود من صدورها، على مواصلة الحديث إلى أجيال جديدة.