بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

لا توجد مقالات

حقوق الطفل

مؤشر حقوق الطفل 2026: جيل تحت ضغط الحروب والسُمنة وتراجع الحماية الدولية

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في عالمٍ تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية، لم تعد الطفولة بمنأى عن تداعيات التحولات الكبرى، بل أصبحت في قلبها تتحمل تكلفة صراعات لم تكن طرفاً فيها، وتواجه تحدياتٍ مركبة تمتد من ساحات الحروب إلى أنماط الحياة الحديثة. وبينما تتراجع قدرة الأنظمة الدولية على حماية الفئات الأكثر هشاشة، تتكشف صورةٌ أكثر قتامةً لوضع الأطفال عالمياً، حيث تتداخل عوامل العنف والفقر وسوء التغذية لتشكّل تهديداً شاملاً لحقوقهم الأساسية ولمستقبلهم.

في هذا السياق، يرصد تقرير “حقوق الطفل 2026” الصادر عن مؤسسة “كيدز رايتس” (KidsRights)، بالتعاون مع جامعة إيراسموس روتردام، هذا التراجع العالمي المقلق في حماية الأطفال وصون حقوقهم، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة، واتساع نطاق العنف الجنسي المرتبط بالحروب، وتحوّل السُمنة بين الأطفال واليافعين إلى أزمة صحية وحقوقية عابرة للحدود. 

يُعد “مؤشر حقوق الطفل” أول تصنيف عالمي يقيس بصورة سنوية مدى احترام الدول لحقوق الطفل والتزامها بتحسينها، ويستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، ويغطي 194 دولة. ويرتكز على خمسة محاور رئيسة تشمل الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والحماية، إضافة إلى البيئة التمكينية لحقوق الطفل، التي تقيس مدى قدرة الدول على توفير التشريعات والسياسات والموارد اللازمة لتطبيق الاتفاقية الدولية.

ويستند إعداد المؤشر إلى بيانات صادرة عن منظمات دولية، أبرزها “اليونيسف”، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، فضلاً عن ملاحظات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

لم تتمكن سوى خمس دول فقط من تحسين موقعها على سلم التصنيف هذا العام، مقابل تراجع 31 دولة، فيما انخفض عدد تلك المصنفة ضمن الفئة الأعلى أداءً بنسبة 30% مقارنة بالعام 2025، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين الالتزامات الدولية والواقع الذي يعيشه ملايين الأطفال.

وقال مؤسس ورئيس مؤسسة “كيدز رايتس”، مارك دولارت، إن الأطفال أصبحوا يواجهون مخاطر لم يتسببوا فيها ولا يملكون القدرة على التحكم بها، سواء كانوا ينشؤون في ظل الحروب أو داخل بيئات تضر بصحتهم، مؤكداً أن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي تهديد حقوقهم ورفاههم وفرصهم المستقبلية، مع إخفاق العالم في توفير الحماية التي يكفلها القانون الدولي للأطفال.

أوروبا في الصدارة

على صعيد النتائج، حافظت الدول الأوروبية على هيمنتها على المراتب الأولى، إذ تصدرت لوكسمبورغ المؤشر بعد صعودها مركزين، تلتها آيسلندا ثم موناكو، وجاءت ألمانيا في المركز الرابع، والنرويج خامسة، فيما أكملت كل من الدنمارك واليونان وبلجيكا وسلوفينيا والنمسا الترتيب ضمن قائمة أفضل عشر دول أداءً.

في المقابل، تذيلت أفغانستان التصنيف في المركز 194، تلتها تشاد وغينيا ونيجيريا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والسلفادور ومدغشقر وسيراليون والإكوادور، وهي دول تعاني في معظمها نزاعات مسلحة، أو أزمات إنسانية، أو ضعفاً في المؤسسات والخدمات الأساسية.

ضحايا الحروب

يعد تصاعد النزاعات المسلحة أكثر المؤشرات إثارة للقلق في تقرير هذا العام، إذ لم تعد الحروب تهدد الأطفال بصورة غير مباشرة، بل أصبحوا هدفاً مباشراً للعنف والاستغلال والانتهاكات الجسيمة، بما يشمل التجنيد القسري، والاعتداءات الجنسية، والقتل، والتشويه، والاستهداف المتعمّد للمرافق التي يعتمدون عليها.

ويشير التقرير إلى ارتفاع حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات ضد الأطفال بنسبة 35% منذ العام 2024، في مؤشر يعكس تنامي استخدام هذا النوع من الجرائم كسلاح حرب، وسط تأكيدات بأن الأرقام المعلنة لا تمثل سوى جزء من الواقع بسبب الخوف من الإبلاغ، والوصمة الاجتماعية، وضعف آليات الرصد في مناطق الصراع.

كما يعيش أكثر من طفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم على بُعدِ أقل من 50 كيلومتراً من نزاع مسلح، ما يجعلهم عرضة للنزوح، وفقدان التعليم، والانهيار النفسي، وحرمانهم من الخدمات الأساسية.

ويكشف التقرير أن الأسلحة المتفجرة تقف وراء 69% من ضحايا الأطفال في النزاعات المسلحة، فيما يؤدي استهداف المدارس والمستشفيات إلى حرمان ملايين الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، ويقوض فرصهم في بناء مستقبل مستقر.

الجوع امتداد آخر للحرب 

لا تتوقف تداعيات النزاعات عند ساحات القتال، إذ تتحمل الحروب مسؤولية نحو 70% من أزمة انعدام الأمن الغذائي عالمياً، نتيجة تعطيل الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

ويحذر التقرير من أن الصراع الدائر في الشرق الأوسط قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى مواجهة الجوع الحاد، ليرتفع عدد المتضررين إلى أكثر من 318 مليون شخص، في حين يواجه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، مع توقع تعرض نحو 825 ألف طفل دون الخامسة لسوء تغذية حاد خلال العام 2026، وهي حالة قد تصبح قاتلة في غياب التدخلات الإنسانية العاجلة.

وتجدر الإشارة إلى أن النزاعات لا تسلب الأطفال أمنهم فقط، بل تحرمهم أيضاً من الاستقرار والفرص والأمل، مع انهيار الأنظمة التعليمية والصحية وتشرد الأسر، بما يترك آثاراً تمتد لسنوات طويلة بعد توقف المعارك.

فاتورة العسكرة 

ارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 41% بين العامين 2016 و2025، مع انعكاس ذلك على موازنات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، خصوصاً في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

وبحسب التقرير، فإن كل زيادة بنسبة 1% في الإنفاق العسكري داخل هذه الدول تقابلها تقريباً خسارة مماثلة في الإنفاق على الصحة، فضلاً عن تراجع مخصصات التعليم، وهو ما يضعف قدرة الحكومات على الاستثمار في تنمية الأطفال وحمايتهم.

كما يلفت التقرير إلى أن الدول التي سجلت أعلى معدلات الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال خلال النزاعات، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، ونيجيريا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، جاءت أيضاً ضمن الدول الأسوأ أداءً في مؤشر حقوق الطفل، بما يعكس العلاقة الوثيقة بين النزاعات المسلحة والتراجع الشامل في مؤشرات حماية الأطفال.

السُمنة.. قضية حقوقية

بعيداً عن النزاعات المسلحة، يسلط التقرير الضوء على أزمة عالمية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في الارتفاع المتسارع لمعدلات السُمنة بين الأطفال، والتي أصبحت للمرة الأولى تتجاوز معدلات نقص الوزن على مستوى العالم، في تحول أثار قلق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

وفقاً للتقرير، يعيش نحو 5% من الأطفال دون الخامسة مع زيادة في الوزن، فيما ترتفع النسبة إلى 20% عند الأطفال واليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاماً، أي ما يعادل نحو 391 مليون طفل، وهو رقم تضاعف مقارنة بالعام 2000.

أما السُمنة، وهي المرحلة الأكثر خطورة من زيادة الوزن، فقد ارتفعت بين الفئة العمرية ذاتها من نحو 31 مليون طفل في العام 1990 إلى أكثر من 160 مليوناً في العام 2022، قبل أن تصل في العام 2025 إلى طفل واحد من كل عشرة أطفال في سن الدراسة، لتتحول رسمياً إلى وباء عالمي يهدد صحة الأجيال المقبلة.

ولا يقتصر أثر السُمنة على زيادة الوزن فحسب، بل ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن تداعيات نفسية واجتماعية تشمل التنمر والعزلة والتمييز، وهو ما دفع القائمين على المؤشر إلى اعتبارها قضية ترتبط بحقوق الطفل، وليس مجرد تحدٍ صحي.

لهذا السبب، أدرجت مؤسسة “كيدز رايتس” للمرة الأولى مؤشري “زيادة الوزن” و”السُمنة” ضمن قطاع الصحة، ليصبح المؤشر قائماً على 22 محوراً بدلاً من 20، في خطوة تعكس اتساع مفهوم الحقوق ليشمل الحق في بيئة غذائية وصحية واجتماعية سليمة تضمن للأطفال حياة آمنة وكريمة.

يطالب التقرير الحكومات والمؤسسات الدولية وجميع أطراف النزاعات بالوفاء بالتزاماتها القانونية، وتعزيز حماية الأطفال في مناطق الصراع، وضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وتأمين وصول الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية والتغذية، إلى جانب تبنّي سياسات أكثر فاعلية للحد من السمنة وسوء التغذية، باعتبارهما جزءاً أساسياً من الحق في الصحة والتنمية السليمة، وليس مجرد تحديات صحية عابرة.