في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع تصاعد غير مسبوق لوتيرة العنف في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، انعقد في العاصمة الموريتانية نواكشوط مؤتمر السلم الإفريقي السادس، بوصفه استجابة فكرية ومجتمعية لمحاصرة تمدد الإرهاب، ومنع انزلاق دول هشة أصلاً نحو سيناريوهات الانهيار الشامل.
المؤتمر، الذي حظي برعاية رسمية موريتانية ومشاركة واسعة من العلماء ودعاة السلام والفعاليات الاجتماعية الإفريقية، استند في رؤيته العامة إلى مقاربة يقودها العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى أبوظبي للسّلم، تقوم على تحصين المجتمعات من الداخل، وتجفيف منابع التطرف عبر الأمل والعدل والخطاب الديني الرشيد، بدل الاكتفاء بالمعالجات الأمنية التي أثبتت محدوديتها في بيئة اجتماعية مضطربة.
سياق ملتهب: الإرهاب يتمدد في الساحل
تأتي أهمية مؤتمر نواكشوط في توقيت تتقاطع فيه عدة أزمات. فبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومراكز أبحاث دولية، باتت منطقة الساحل الإفريقي تمثل إحدى أخطر بؤر الإرهاب عالمياً، مع تسجيل آلاف الضحايا سنوياً، وتركّز الهجمات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وامتداد تداعياتها إلى تشاد ودول الجوار.
لا يقتصر الخطر على العمليات المسلحة، بل يتجاوزها إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتراجع سلطة الدولة، وارتفاع معدلات الفقر والنزوح، وهي عوامل وفّرت بيئة خصبة لتجنيد الشباب ونشر خطاب العنف والكراهية. وفي هذا السياق، يبرز المؤتمر كمحاولة لقطع الطريق أمام تحوّل الأزمة الأمنية إلى أزمة وجودية تطال المجتمعات ذاتها.
من الأمن إلى المجتمع: فلسفة المقاربة
في كلمته الافتتاحية، شدد الشيخ بن بيه على أن اليأس يشكل الوقود الحقيقي للتطرف، وأن المجتمعات التي تُغلق أمام أبنائها آفاق الأمل تُترك فريسة سهلة لدعاة العنف. من هنا جاء شعار المؤتمر: “إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله”، بوصفه رداً مباشراً على الخطاب العدمي الذي تتغذى عليه التنظيمات المتطرفة.
المقاربة المطروحة لا تكتفي بالوعظ الديني، بل تسعى إلى بناء إطار عملي يربط بين:
– ترسيخ الخطاب الديني الوسطي.
– تعزيز العدالة الاجتماعية.
– تمكين الشباب.
– إعادة الاعتبار لدور العلماء والقيادات المحلية في فض النزاعات ومنع تحولها إلى صراعات مسلحة.
حضور إفريقي ورسائل سياسية
تميّز المؤتمر بمشاركة لافتة لعلماء ومفكرين وقيادات دينية ومدنية من مختلف دول القارة، لا سيما من منطقة الساحل المشتعلة. هذا الحضور الواسع منح المؤتمر بعداً إفريقياً جامعاً، وكرّس فكرة أن مواجهة الإرهاب لم تعد شأناً أمنياً محلياً، بل معركة مشتركة تمس مستقبل القارة بأكملها.
كما حمل تكريم جمهورية تشاد دلالة سياسية وأخلاقية، عكست تقديراً لدورها في احتواء تداعيات النزاعات الإقليمية، واستقبال اللاجئين، واعتماد مقاربات إنسانية وقائية في بيئة إقليمية تعاني من هشاشة متزايدة.
لماذا نواكشوط؟ لماذا الآن؟
اختيار نواكشوط كمقر للمؤتمر لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً. فموريتانيا تُقدَّم في تقارير دولية عدة كنموذج نسبي للاستقرار في محيط مضطرب، بفضل سياسة دينية قائمة على الوسطية، وضبط المجال الديني، وإشراك العلماء في الشأن العام.
وفي وقت تتراجع فيه الأولويات الدولية عن ملفات الساحل، وتتآكل فيه فعالية المقاربات العسكرية، يطرح مؤتمر نواكشوط نفسه كرسالة مفادها أن المعركة ضد الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بإعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وترميم المعنى، وإغلاق المساحات التي يتسلل منها التطرف.
بين الأمل والانهيار
الرسالة الجوهرية التي خرج بها المؤتمر واضحة: الاستثمار في الأمل لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية. فاليأس، حين يتحول إلى شعور جمعي، يصبح مدخلاً مباشراً للعنف والانقسام والانهيار.
في منطقة الساحل، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع الفقر والهجرة والصراعات الهوياتية، تبدو مبادرات من هذا النوع بمثابة خط الدفاع الأخير قبل أن يتحول العنف إلى قدر دائم لا يمكن احتواؤه.















