في المشهد السياسي البريطاني المزدحم بأسئلة الهوية والأمن والاندماج، تبرز ليلى كانينغهام بوصفها حالة استثنائية ومثيرة للجدل. فهي مسلمة من أصول مصرية، ووجه عربي داخل حزب يميني شعبوي هو Reform UK، تخوض معركة سياسية مبكرة على كرسي عمدة لندن في انتخابات 2028، رافعةً شعاراً مركزياً يقوم على محاربة الإرهاب والتطرف بوصفهما الخطر الأكبر على التعايش والأمن في العاصمة البريطانية.
حضور كانينغهام لا يمرّ باعتباره تمثيلاً رمزياً للمسلمين في العاصمة البريطانية، بل كصوت صدامي يربط بين الهوية، والقانون، ورفض الإسلام السياسي بكل أشكاله.
خطاب “السياسات التوفيقية”
ينتمي حزب Reform UK إلى تيار اليمين الشعبوي البريطاني، وهو الوريث السياسي لحزب “بريكست” الذي قاده نايجل فاراج قبل إعادة إطلاقه باسمه الحالي. هذا السياق يفسّر طبيعة الخطاب الذي تتحرك فيه ليلى كانينغهام، حيث تتقدّم قضايا السيادة، والهجرة، والأمن، ورفض “السياسات التوفيقية” على ما عداها.
على المستوى الشخصي، لا تأتي كانينغهام من خلفية حزبية صِرفة. فقد عملت لسنوات في النيابة الملكية البريطانية (Crown Prosecution Service)، وتعاملت مع ملفات جنائية معقّدة، قبل أن تُنتخب مستشارة في مجلس وستمنستر عام 2022. وفي 2025 انشقت عن حزب المحافظين، لتلتحق بـReform UK، الذي رشّحها رسمياً مطلع 2026 لسباق بلدية لندن. منذ تلك اللحظة، تحوّلت إلى واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للنقاش في الإعلام البريطاني، ليس بسبب برنامجها الأمني فحسب، بل بسبب موقعها الهويّاتي كـ”مسلمة تنتقد الإسلاموية من الداخل”.
الأصول والخلفية الشخصية
تنتمي ليلى كانينغهام إلى عائلة مصرية مهاجرة استقرت في بريطانيا منذ عقود. وتُعرّف نفسها بوضوح على أنها مسلمة بالهوية، لكنها لا تقدّم نفسها نموذجاً للتدين الشعائري؛ إذ صرّحت في مقابلات صحفية بأنها لا تواظب على الصلاة ولا تصوم رمضان، مع احتفاظها بالاحتفال بالأعياد في إطار عائلي خاص. هذا التفصيل ليس عابراً في خطابها، بل جزء من بنائها السياسي؛ فهي تريد الفصل بين الإسلام كمرجعية أخلاقية عامة، والإسلام السياسي أو “التقاليد المتشددة” التي ترى أنها شوّهت الدين وأدخلته في صدام مع الدولة الحديثة.
تستشهد كانينغهام بقيم مثل الرحمة والصدقة باعتبارها جوهراً أخلاقياً في الإسلام، لكنها في المقابل تُحمّل الحركات المتطرفة مسؤولية تشويه صورة المسلمين في بريطانيا وأوروبا، وتعتبر أن التساهل معها غذّى موجات الخوف والتحيز ضد الجاليات المسلمة، وأسهم في صعود خطاب اليمين الراديكالي الذي تدّعي أنها تواجهه من الداخل.
البرنامج السياسي ومحاربة التطرف
يقوم برنامج كانينغهام السياسي على أولوية مطلقة للأمن والقانون. فهي ترى أن لندن تعيش أزمة جريمة فشلت الإدارات السابقة في احتوائها، وتتعهد بإعادة صياغة سياسة الشرطة والجريمة، ومنح شرطة العاصمة صلاحيات أوسع للتعامل مع ما تصفه بالتهديدات اليومية التي يواجهها السكان. كما تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع سياسات العمدة الحالي صادق خان، خصوصًا في ملفات الأمن والهوية الحضرية.
في ملف محاربة التطرف، تطرح كانينغهام رؤية حادّة تقوم على التفريق بين الإسلام كدين، و”الإسلاموية” بوصفها مشروعاً سياسياً ترى أنه يتناقض مع الدولة المدنية. ترفض أي تشريعات خاصة تحت عنوان “الإسلاموفوبيا” إذا كانت، برأيها، ستحدّ من حرية نقد الدين أو من قدرة الدولة على مواجهة التطرف.
كما تنتقد جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وتدعو إلى منع أي شكل من أشكال المحاكم الدينية أو القوانين الموازية، مؤكدة أن القانون البريطاني يجب أن يكون واحدًا للجميع دون استثناءات دينية أو ثقافية.
في السياق نفسه، ترفض فكرة “الاندماج الجزئي”، وتقول إنها “بريطانية فقط”، لا “بريطانية مسلمة”، معتبرة أن بعض المجتمعات المغلقة أسهمت في إنتاج العزلة والتطرف بدل الاندماج.
التمويل وقاعدة الدعم
لا تزال المعلومات التفصيلية حول تمويل حملة ليلى كانينغهام المحلية محدودة. غير أن المعطيات المتاحة عن حزب Reform UK على المستوى الوطني تشير إلى انتقاله نحو نمط تمويل يعتمد على مانحين كبار، بعد حصوله خلال 2025 على تبرعات كبيرة، من بينها تبرع واحد تجاوز عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية. هذا يعكس توسع قاعدة الحزب داخل أوساط اليمين الشعبوي، لكنه لا يسمح—حتى الآن—بالجزم بحجم أو طبيعة الدعم المالي المخصص مباشرة لحملة كانينغهام في سباق بلدية لندن، أو بالأجنحة التي تقف خلفها تحديداً.
نموذج سياسي صادم
تمثل ليلى كانينغهام نموذجاً صدامياً داخل السياسة البريطانية: مسلمة تنتقد الإسلاموية، وامرأة من أصول مهاجرة تتقدّم حزباً يمينياً يرفع لواء الأمن والهوية. بالنسبة لمناصريها، هي صوت شجاع في مواجهة الإرهاب والتطرف بلا مجاملات. وبالنسبة لمنتقديها، تمنح خطاب اليمين الشعبوي غطاءً هويّاتياً جديداً. لكن المؤكد أن حضورها يعكس تحوّلاً أعمق في النقاش البريطاني حول العلاقة بين الإسلام، والدولة، والأمن—تحوّل ستتضح ملامحه مع اقتراب انتخابات لندن المقبلة.















