تعود ليبيا إلى الحسابات الدولية من بوابة تتجاوز الصراع على السلطة، مع تقاطع محاولة إنهاء الانقسام الداخلي مع تنافس إقليمي ودولي على موقعها الممتد من المتوسط إلى عمق أفريقيا. وبعد أكثر من عقد من الانقسام المؤسسي، لم تعد الأزمة مسألة تشكيل حكومة أو تنظيم انتخابات، بل اختباراً لقدرة الدولة على توحيد مؤسساتها وإدارة مواردها بعيداً عن مراكز النفوذ المتنافسة.
يعكس الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويونيو/حزيران 2026 هذا التحول، إذ انتهى إلى أكثر من 525 توصية تناولت الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة. وتؤكد هذه المخرجات أن الانتخابات ليست حلاً منفرداً، بل نتيجة لمسار أوسع يفترض معالجة أسباب الانقسام التي عطلت قيام مؤسسات وطنية مستقرة.
تكمن المعضلة الليبية في انقسام المؤسسات التي يفترض أن تنتج سلطة شرعية وقابلة للاستمرار. فوجود مراكز سياسية متنافسة، وتشتت الأجهزة الأمنية، وغياب إطار مالي موحد، والخلاف على توزيع الموارد، تجعل أي انتخابات عرضة لإعادة إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه.
من هنا تكتسب الوساطة الباكستانية، بدعم أمريكي وسعودي، أهميتها، لأنها تتعامل مع الأزمة باعتبارها إعادة ترتيب لمراكز القرار، لا مجرد البحث عن حكومة انتقالية. كما تعكس اتساع التنافس الدولي على ليبيا؛ فواشنطن تريد منع خصومها من ترسيخ نفوذهم، وأوروبا تربط الاستقرار بالطاقة والهجرة وأمن المتوسط، وتركيا تحمي مصالحها، بينما ترى روسيا في ليبيا نقطة ارتكاز تصل المتوسط بالساحل الإفريقي. لذلك، ستبقى أي تسوية هشة إذا اقتصرت على التوازنات الداخلية ولم تعالج المصالح الخارجية المتشابكة.
تركيا وروسيا تتنافسان
تحاول تركيا توسيع نفوذها من غرب ليبيا إلى الشرق، عبر فتح قنوات مع مختلف الأطراف لحماية مصالحها في أي تسوية مقبلة. ويشير هذا التحول إلى أن أنقرة لم تعد تراهن على طرف واحد، بل تسعى إلى تثبيت موقعها داخل النظام السياسي المقبل.
أما روسيا، فتتجاوز حساباتها البعد العسكري. فموقع ليبيا يمنح موسكو إمكانية الربط بين نفوذها في المتوسط وتحركاتها في أفريقيا، ما يجعل أي تغيير في ترتيبات الأمن والسياسة مؤثراً في قدرتها على الاحتفاظ بهذا الموقع.
تمتد أهمية ليبيا جنوباً نحو منطقة الساحل، حيث تتقاطع ملفات الهجرة والتهريب والجريمة المنظمة وحركة الجماعات المسلحة، كما يجعل ضعف حضور الدولة في الجنوب المنطقة مساحة مفتوحة أمام القوى غير الرسمية، ما يحولها إلى تحدٍ أمني يتجاوز الحدود الليبية.
إن إعادة دمج الجنوب في الاقتصاد الوطني ليست مسألة تنموية فقط، بل جزء من استعادة السيادة؛ فالاستثمار في البنية التحتية والخدمات وربط المنطقة بمراكز الإنتاج والتصدير يمكن أن يقلص اقتصاد الظل ويمنح الدولة حضوراً أكبر.
كما أن السيطرة على هذه المساحة تمنح ليبيا أهمية إضافية في التنافس المتصاعد على النفوذ في الساحل وإفريقيا، ما يفسر اهتمام القوى الخارجية بمستقبلها.
المال يسبق صناديق الاقتراع
أقرت ليبيا في أبريل/نيسان الماضي أول موازنة موحدة منذ 2013 بقيمة 190 مليار دينار، في خطوة تتجاوز بعدها المالي، لأنها أعادت الإنفاق العام إلى إطار واحد بعد سنوات من الانقسام.
لكن استمرار الخلافات حول المؤسسات المالية يوضح أن التوحيد لم يصبح بعد قاعدة مستقرة. ويأتي طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه في أغسطس/آب ليؤكد أن التوافق المؤسسي لا يزال هشاً.
وتكمن أهمية الموازنة في قدرتها على ربط المؤسسات والمناطق بمسار مالي مشترك. الاقتصاد الليبي ليس ملفاً منفصلاً عن السياسة؛ إذ إن غياب قواعد واضحة لإدارة الإيرادات يتيح استخدام المال العام كأداة للضغط السياسي، بينما يمكن لنظام مالي موحد أن يقلص دوافع الصراع.
النفط مفتاح التوازن
يبقى النفط مركز القوة في ليبيا، بعدما تحولت السيطرة على الحقول والموانئ منذ 2011 إلى أداة للضغط على مؤسسات الدولة والتحكم في الإيرادات.
وتسعى ليبيا إلى رفع إنتاجها من نحو 1.4 إلى 1.5 مليون برميل يومياً إلى مليوني برميل، لكن زيادة الإنتاج لا تكفي ما لم تترافق مع ضمان إدارة موحدة للعائدات. وهنا تكمن القيمة السياسية للموازنة الموحدة: إذا ارتبط نمو الإنتاج بإطار مالي مستقر، يمكن للنفط أن يتحول من مصدر للتنافس إلى حافز للتعاون. أما استمرار النزاع على الإيرادات، فيعني أن زيادة الموارد قد ترفع قيمة الصراع بدلاً من تخفيفه.
تنظر أوروبا إلى ليبيا باعتبارها مصدراً قريباً من أسواقها، في وقت تبحث فيه عن تنويع إمدادات الطاقة. وتبرز إيطاليا بصورة خاصة بفعل حضور “إيني” واستثماراتها في القطاع.
وأعلنت الشركة الإيطالية اكتشاف أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز في بئرين بمنطقة بحر السلام الجنوبي قبالة ليبيا، فيما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط اكتشافات جديدة بالتعاون مع “إيني” و”ريپسول” الإسبانية و”سوناطراك” الجزائرية.
ولا تعني هذه التطورات مجرّد زيادة الاحتياطيات، بل تؤكد استمرار جاذبية القطاع الليبي للاستثمار. وكلما ارتفعت الاستثمارات، أصبحت الحاجة إلى استقرار سياسي ومؤسسي أكثر إلحاحاً، خصوصاً بالنسبة إلى أوروبا التي تربط ليبيا بالطاقة والهجرة وأمن المتوسط في آن واحد.
سوق الطاقة تتغير
يتغير موقع روسيا في سوق الطاقة الليبية بالتوازي مع إعادة تشكيل السوق الأوروبية. فقد توسعت شركات غربية مثل “فيتول” و”ترافيغورا” و”توتال إنيرجيز” في تجارة الوقود الليبي، بالتزامن مع تراجع واردات الوقود الروسي من نحو 56 ألف برميل يومياً إلى قرابة 5 آلاف.
لكن تراجع الحصة الروسية في التجارة لا يعني خروج موسكو من المشهد. فاهتمامها بليبيا يرتبط أيضاً بالموقع العسكري والاستراتيجي وإمكانية استخدام البلاد كنقطة اتصال مع إفريقيا. لذلك، أصبحت الطاقة إحدى ساحات إعادة توزيع النفوذ، إلى جانب الأمن والموانئ والاستثمار.
اختبار الدولة المقبلة
تدخل ليبيا مرحلة يتجاوز فيها الصراع موعد الانتخابات إلى طبيعة الدولة التي ستنشأ بعدها؛ فالموازنة الموحدة، وخطط رفع الإنتاج، والاكتشافات الجديدة والاستثمارات الأجنبية تمنح البلاد فرصة لإعادة بناء مؤسساتها، لكنها قد تتحول إلى مصادر جديدة للصراع إذا بقيت قواعد إدارة الموارد غامضة.
المعركة المقبلة ستدور حول من يدير المال، ومن يسيطر على الأمن، ومن يحدد قواعد الاستثمار، ومن يمتلك القدرة على تمثيل ليبيا خارجياً. وبعدما تحول النفط منذ 2011 إلى أداة للصراع على الدولة، يكمن التحدي الآن في تحويله إلى أداة لبنائها.
إذا نجحت ليبيا في توحيد مؤسساتها وإدارة مواردها وفق قواعد مشتركة، يمكنها التعامل مع تركيا وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة من موقع صاحب المصلحة، لا كساحة تتنافس عليها القوى الأخرى. أما استمرار الانقسام، فسيجعل ارتفاع القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للبلاد سبباً لمزيد من التنافس.
المعادلة المقبلة لن يحسمها عدد البراميل ولا موعد الانتخابات وحدهما، بل قدرة الدولة على تحويل ثروتها وموقعها من وقود للانقسام إلى أساس لاستعادة السيادة وبناء مؤسسات موحدة.














