دخلت الأزمة الليبية مرحلة جديدة من الحراك السياسي المتزامن، مع بروز ثلاثة مسارات تتقاطع عند هدف معلن: إنهاء الانقسام وفتح الطريق أمام استحقاق انتخابي، لكنها تختلف في الوسائل والمرجعيات والضمانات.
المسار الأول تقوده الولايات المتحدة عبر تحرك مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، ويقوم على فكرة توحيد السلطات والمؤسسات القائمة في الشرق والغرب ضمن ترتيب سياسي جديد. والمسار الثاني تدفع به الأمم المتحدة من خلال مخرجات الحوار المهيكل الذي طرح تصوراً لمرحلة انتقالية محددة زمنياً تنتهي بانتخابات. في المقابل، تسعى الرئاسات الليبية الثلاث (المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) إلى تثبيت مسار محلي ثالث يحدد موعداً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل فبراير/شباط 2027.
لكن جوهر ما يجري على الأرض يتجاوز تعدد المبادرات. فليبيا تبدو أمام محاولة لإعادة هندسة السلطة قبل الانتخابات، لا مجرد الذهاب السريع إلى صناديق الاقتراع. والسؤال المركزي لم يعد “متى تُجرى الانتخابات؟” بل “من يدير المرحلة السابقة لها؟” و”بأي توازنات بين الشرق والغرب؟” و”من يضمن نتائجها؟”.
المبادرة الأميركية.. توحيد أم تقاسم؟
تعكس المبادرة الأميركية عودة واشنطن بقوة إلى الملف الليبي، بعد سنوات ظل فيها المسار الأممي هو الإطار الأبرز للتسوية السياسية. وتقوم المقاربة الأميركية، وفق ما تسرب من تفاصيلها، على توحيد المؤسسات التنفيذية والاقتصادية والعسكرية تدريجياً، مع الحفاظ على مراكز القوة القائمة في الشرق والغرب ضمن صيغة انتقالية واحدة.
تستند هذه المقاربة إلى واقعية سياسية واضحة: لا يمكن تجاوز القوى المسيطرة فعلياً على الأرض. فالشرق الليبي يخضع لنفوذ القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر، بينما تظل طرابلس ومحيطها رهينة توازنات معقدة بين حكومة الوحدة الوطنية ومجموعات مسلحة ومراكز نفوذ اقتصادية وأمنية.
وتلقى المبادرة الأميركية زخماً إضافياً بعد ترحيب القيادة العامة في شرق ليبيا بها واستعدادها للمشاركة في المفاوضات. وهذا الترحيب ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس رغبة شرق ليبيا في انتزاع اعتراف سياسي أوسع بدوره في أي تسوية مقبلة.
لكن نقطة القوة في المبادرة هي نفسها نقطة ضعفها. فهي قد تمنح الأطراف الكبرى حافزاً للدخول في تفاهمات عملية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى صيغة لتقاسم السلطة بين القائمين عليها، بدلاً من أن تكون جسراً إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.
المسار الأممي.. شرعية أوسع وضمانات أصعب
في المقابل، تحاول الأمم المتحدة الحفاظ على موقعها كمرجعية أساسية للتسوية من خلال مخرجات الحوار المهيكل، الذي طرح مرحلة انتقالية تتراوح بين 18 و24 شهراً تنتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية.
يمتلك المسار الأممي ميزة مهمة، وهي أنه يمنح أي تسوية غطاءً دولياً أوسع، ويضع العملية السياسية ضمن إطار أكثر توازناً من حيث التمثيل والمساءلة. كما أن فكرة تحديد مرحلة انتقالية زمنياً تبدو استجابة مباشرة لتجربة ليبية طويلة من المراحل المؤقتة التي تحولت إلى أوضاع دائمة.
غير أن عوائق هذا المسار كبيرة. فالتجارب السابقة أظهرت أن أي خارطة طريق أممية تصطدم عند التنفيذ بغياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المتحكمة في المؤسسات والسلاح والمال. كما أن التوصيات الأممية، مهما كانت متماسكة، تبقى بحاجة إلى قبول القوى الفعلية على الأرض، لا سيما في الشرق وطرابلس ومصراتة والجنوب.
الرئاسات الثلاث.. محاولة ليبية لمنع تجاوز الداخل
يمكن قراءة اتفاق المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على خارطة طريق للانتخابات قبل فبراير 2027، كمحاولة ليبية لاستباق التحركات الخارجية وعدم ترك الملف بالكامل بيد واشنطن أو الأمم المتحدة.
هذا المسار يمنح الانطباع بوجود توافق مؤسسي ليبي نادر، لكنه يواجه سؤالاً جوهرياً: هل تملك هذه الرئاسات القدرة الفعلية على فرض ما اتفقت عليه؟ فمجلس النواب يملك ثقلاً سياسياً وقانونياً في الشرق، والمجلس الأعلى للدولة حاضر في معادلات الغرب، والمجلس الرئاسي يمثل رمزياً السلطة السيادية، لكن أياً من هذه المؤسسات لا يملك وحده القدرة على ضبط السلاح أو فرض نتائج الانتخابات.
ولهذا يبدو اتفاق الرئاسات مهماً سياسياً، لكنه غير كافٍ تنفيذياً ما لم يندمج مع المسار الأممي ويحصل على قبول القوى العسكرية والأمنية والمالية الكبرى.
الفسيفساء الليبية.. أكثر من شرق وغرب
تُخطئ القراءات التي تختزل ليبيا في معادلة شرق وغرب فقط. فالبلاد اليوم فسيفساء معقدة تتداخل فيها الأقاليم والقبائل والمدن والمجموعات المسلحة والتيارات السياسية والدينية وشبكات الاقتصاد الموازي.
في الشرق، تمسك القيادة العامة بالقرار العسكري والأمني، وتملك نفوذاً واسعاً في برقة وأجزاء من الجنوب. لكنها ليست مجرد مؤسسة عسكرية، بل منظومة حكم محلية تتداخل فيها العائلة والقبيلة والجيش والاقتصاد ومشاريع إعادة الإعمار.
وفي الغرب، تبدو طرابلس مركز السلطة المعترف بها دولياً، لكنها ليست سلطة موحدة بالمعنى الكامل. فالحكومة تعمل وسط شبكة من القوى المسلحة والأجهزة الأمنية والكتائب التي تملك نفوذاً فعلياً داخل العاصمة ومحيطها. وتظل مصراتة لاعباً أساسياً في أي توازن غربي، سواء من خلال وزنها العسكري أو حضورها الاقتصادي والسياسي.
أما الجنوب، فيحضر غالباً كملف مؤجل، رغم أهميته في الطاقة والهجرة والحدود والتهريب والتوازنات القبلية. ويشمل الجنوب مكونات عربية وتبو وطوارق، ولكل منها امتدادات عابرة للحدود ومصالح محلية تجعل أي تسوية وطنية ناقصة إذا لم تمنحه موقعاً واضحاً.
التيارات الإسلامية.. تراجع لا اختفاء
ضمن هذه الفسيفساء، لا يمكن تجاهل التيارات الإسلامية، رغم أن وزنها السياسي والعسكري تراجع مقارنة بسنوات ما بعد 2011.
يمثل حزب العدالة والبناء، القريب من “جماعة الإخوان المسلمين”، أبرز التعبيرات السياسية الإسلامية المنظمة في ليبيا. وقد لعب دوراً مهماً في المرحلة الانتقالية الأولى، لكنه واجه تراجعاً كبيراً في الشعبية والنفوذ، خصوصاً بعد تصاعد الاستقطاب بين معسكرات الإسلاميين وخصومهم، وارتباط جزء من صورته السياسية بتحالفات طرابلس ومصراتة.
إلى جانب هذا التيار، توجد بقايا وشخصيات مرتبطة بخلفيات إسلامية مختلفة، بعضها منبثق من تجارب جهادية سابقة مثل الجماعة الليبية المقاتلة، وبعضها اندمج في العمل السياسي أو العسكري أو البلدي بعد 2011. غير أن حضور هذه الشخصيات لم يعد موحداً تحت مظلة واحدة، بل توزع بين تحالفات محلية ومؤسسات أمنية ومسارات سياسية متغيرة.
كما توجد تيارات سلفية مختلفة الاتجاهات؛ بعضها قريب من المؤسسات الدينية والاجتماعية التقليدية، وبعضها الآخر لعب أدواراً أمنية أو اجتماعية في مناطق نفوذ مختلفة. وفي الشرق، اتخذت القيادة العامة موقفاً عدائياً واضحاً من الإسلام السياسي المسلح ومن جماعة الإخوان، بينما شهد الغرب علاقة أكثر تعقيداً بين بعض القوى الإسلامية ومراكز السلطة والمجموعات المسلحة.
وبذلك، لم تعد التيارات الإسلامية في ليبيا قادرة وحدها على قيادة المشهد كما كان يُخشى في بدايات المرحلة الانتقالية، لكنها ما زالت جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية، ويمكن أن تؤثر في التحالفات الانتخابية والبلدية والجهوية، خصوصاً إذا فتحت التسوية المقبلة الباب أمام ترتيبات انتخابية واسعة.
إمكانية التنفيذ.. أين تكمن الفرصة؟
تملك التسوية الحالية فرصة نسبية لعدة أسباب. أولها أن الانقسام أنهك معظم الأطراف، ولم يعد أي معسكر قادراً على الحسم الكامل. وثانيها أن هناك ضغوطاً دولية متزايدة لتوحيد المؤسسات، خصوصاً الاقتصادية والنفطية والمالية. وثالثها أن توحيد الميزانية والحديث عن تنسيق أكبر بين المؤسسات يشيران إلى وجود مصالح عملية تدفع الأطراف نحو تفاهمات جزئية.
كما أن واشنطن تملك أدوات ضغط وتأثير تختلف عن أدوات الأمم المتحدة، خصوصاً في ملفات النفط والاستثمار والعقوبات والعلاقات الإقليمية. وإذا نجح التحرك الأميركي في الاندماج مع المسار الأممي، فقد ينتج إطاراً سياسياً أكثر قابلية للتنفيذ.
العوائق.. لماذا قد تفشل التسوية؟
تبقى عوائق التنفيذ أعمق من المبادرات نفسها. أولها أزمة الثقة بين الأطراف، خصوصاً بين القوى العسكرية والسياسية في الشرق والغرب. وثانيها الخوف من الانتخابات، لأن صناديق الاقتراع قد تعيد ترتيب موازين القوة وتطيح بمواقع نفوذ راكمتها شخصيات ومؤسسات منذ سنوات.
العائق الثالث هو السلاح، إذ لا يمكن إجراء انتخابات ذات صدقية في بيئة لا تحتكر فيها الدولة القوة، ولا تملك فيها الحكومة المركزية سيطرة كاملة على الأجهزة الأمنية. أما العائق الرابع فهو المال، لأن المؤسسات المالية والنفطية تمثل جوهر الصراع الحقيقي، وأي تسوية لا تعالج توزيع الموارد ستظل هشة.
ويضاف إلى ذلك عامل خارجي لا يقل أهمية. فليبيا ليست ساحة داخلية فقط، بل ملف تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة وتركيا ومصر والإمارات وروسيا وإيطاليا وفرنسا ودول الجوار. وأي تضارب بين هذه المصالح قد يعطل المسار السياسي أو يحوله إلى تسوية شكلية.
ما يحدث في ليبيا اليوم ليس مجرد تزاحم مبادرات، بل محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة قبل الانتخابات. المبادرة الأميركية تسعى إلى ترتيب السلطة من فوق عبر القوى الفعلية، والمسار الأممي يحاول منح العملية شرعية أوسع، بينما تتحرك الرئاسات الثلاث لمنع تجاوز المؤسسات الليبية.
لكن نجاح أي مسار سيبقى مرهوناً بثلاثة شروط: دمج المبادرات في عملية واحدة، الاتفاق على سلطة انتقالية لا تتحول إلى مرحلة دائمة جديدة، وضمان قبول نتائج الانتخابات من القوى المسلحة والسياسية.















