بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تهديدات أمنية

لندن تُصعّد المواجهة مع طهران: “الحرس الثوري” تهديد لأمن بريطانيا القومي ودعمه جريمة يعاقب عليها القانون

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

دخلت العلاقات البريطانية-الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، في أعقاب قرار لندن تصنيف “الحرس الثوري” الإيراني “تهديداً للأمن القومي”، وتفعيل الصلاحيات الجديدة التي يتيحها القانون لحظر دعمه. وهي خطوة طال انتظارها سياسياً، وتنقل الحكومة البريطانية من مربع الإدانة اللفظية إلى تجريم ومعاقبة أي شكل من أشكال التأييد للجهاز العسكري الأكثر نفوذاً في إيران.

يأتي القرار وسط تصاعد المخاوف الغربية من الأنشطة الإيرانية خارج حدودها، وتزايد الاتهامات الموجهة لطهران بالضلوع في عمليات اغتيال وتجسس وهجمات سيبرانية على الأراضي البريطانية، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً غير مسبوق عقب المواجهة العسكرية المستمرة بين إيران والولايات المتحدة.

تحول في السياسة

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية استخدام الصلاحيات الجديدة التي يتيحها قانون الأمن القومي الخاص بتهديدات الدول لتصنيف “الحرس الثوري” كياناً محظوراً، معتبرة أن الأدلة المتوافرة تؤكد انخراطه في أنشطة تهدد أمن المملكة المتحدة ومصالحها.

ويمثل القرار تحولاً واضحاً في السياسة البريطانية، بعدما امتنعت الحكومات المحافظة السابقة عن اتخاذ هذه الخطوة رغم الضغوط السياسية والبرلمانية المتكررة، خشية انعكاساتها الدبلوماسية والأمنية، ولا سيما على العلاقات مع طهران وعلى أمن البعثات البريطانية في المنطقة.

وأكدت وزارة الداخلية أن القرار جاء بعد مراجعة شاملة للأدلة، خلصت إلى وجود أساس قانوني كافٍ للاعتقاد بأن “الحرس الثوري” يمارس أنشطة مرتبطة بتهديدات مصدرها دولة أجنبية، وأن تصنيفه بات ضرورياً لحماية أمن المملكة المتحدة ومصالحها.

كيانات أخرى

لم يقتصر القرار على “الحرس الثوري”، إذ أعلنت لندن أيضاً إدراج “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” (IMCR)، وهي جماعة مرتبطة بإيران، ضمن الكيانات المحظورة، بعدما حمّلتها السلطات مسؤولية سلسلة من الهجمات التي استهدفت أهدافاً يهودية داخل بريطانيا.

وشمل كذلك “فيلق المتطوعين” التابع للاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، في إطار سياسة بريطانية أوسع تستهدف الكيانات المتهمة بتنفيذ عمليات تخريب أو أنشطة استخباراتية تستهدف المملكة المتحدة وحلفاءها الأوروبيين.

ويعكس الجمع بين كيانات مرتبطة بإيران وروسيا في القرار نفسه اتجاهاً بريطانياً نحو التعامل مع التهديدات الصادرة عن الدول المنافسة ضمن إطار قانوني موحد، بدلاً من الاقتصار على أدوات مكافحة الإرهاب التقليدية.

عقوبات مشددة

يفرض القرار قيوداً غير مسبوقة على أي تعامل مع “الحرس الثوري”، إذ يصبح تأييده أو الدعوة إلى دعمه أو التعبير عن آراء مؤيدة له أو تقديم أي شكل من أشكال المساندة المادية أو اللوجستية، أو حتى قبول منافع مقدمة منه أو نيابة عنه، جرائم يعاقب عليها القانون البريطاني بالسجن لمدة قد تصل إلى 14 عاماً.

يعني ذلك أن السلطات البريطانية باتت تمتلك أدوات قانونية أوسع لملاحقة الأفراد أو المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري داخل المملكة المتحدة، سواء عبر التمويل أو النشاط الإعلامي أو التنظيمي أو أي نشاط تعتبره السلطات دعماً لمصالح الكيان المصنف.

ورغم أن الحكومة أوضحت أن الإجراء يعادل عملياً إدراج “الحرس الثوري” ضمن المنظمات المحظورة، فإنه يستند إلى آلية قانونية مختلفة عن نظام الحظر التقليدي المنصوص عليه في قانون الإرهاب لعام 2000، بعدما استحدثت لندن إطاراً خاصاً لمواجهة التهديدات المرتبطة بالدول الأجنبية.

مبررات أمنية

ربطت الحكومة البريطانية القرار مباشرة بسلسلة من التهديدات الأمنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وقالت إن “الحرس الثوري” انخرط بأنشطة تضمنت تهديدات للحياة وأعمال ترهيب داخل الأراضي البريطانية.

وأشارت وزيرة الدولة لشؤون الأمن أنجيلا إيغل إلى أن “الحرس الثوري” لا يمثل مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل يشكل ركناً أساسياً في المنظومة الأمنية الإيرانية ويخضع مباشرة للمرشد الإيراني، ويتولى مهام تتجاوز العمل العسكري لتشمل النشاط الاستخباراتي، وإدارة الشبكات الوكيلة، وتوسيع النفوذ الإيراني في الخارج.

كما استند القرار إلى اتهامات بضلوع جهات مرتبطة بالحرس الثوري في التخطيط لاستهداف صحافيين يعملون في قناة “إيران إنترناشونال” داخل بريطانيا، إضافة إلى اتهامات بتنفيذ هجمات إلكترونية استهدفت مؤسسات بريطانية، وهي ملفات تصاعد حضورها في الخطاب الأمني البريطاني خلال الأعوام الأخيرة.

يُذكر أن أجهزة الأمن البريطانية أحبطت خلال السنوات الماضية عدداً متزايداً من المخططات المرتبطة بإيران، في ظل تحذيرات متكررة من تنامي أنشطة التجسس والاغتيالات العابرة للحدود التي تستهدف معارضين إيرانيين أو شخصيات تعتبرها طهران خصوماً.

قانون جديد

يستند القرار إلى قانون الأمن القومي الخاص بتهديدات الدولة، الذي سارعت الحكومة البريطانية إلى تمريره تنفيذاً لتعهدات سابقة بتعزيز أدوات مواجهة التدخلات الأجنبية داخل المملكة المتحدة.

يأتي ذلك بعد تقرير أصدره في مايو 2025 جوناثان هول، المراجع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب وتهديدات الدولة، خلص فيه إلى وجود أسباب قوية لاستحداث نظام قانوني يتيح تصنيف الكيانات المرتبطة بدول أجنبية، على غرار نظام حظر المنظمات الإرهابية، بما يوفر للحكومة أداة إضافية إلى جانب العقوبات الاقتصادية والإجراءات الأمنية التقليدية.

وترى الحكومة أن هذه الصلاحيات الجديدة ستعزز قدرتها على تعطيل أنشطة الأفراد أو الشبكات التي تعمل على الترويج لمصالح الكيانات المصنفة أو تسهيل أنشطتها داخل المملكة المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من تنامي عمليات النفوذ الأجنبية.

تداعيات دبلوماسية

من المتوقع أن يزيد القرار من حدة التوتر بين لندن وطهران على خلفية التطورات الإقليمية الأخيرة. وكان مسؤولون بريطانيون قد حذروا في مناسبات سابقة من أن المضي في تصنيف “الحرس الثوري” قد يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية مضادة، من بينها خفض مستوى العلاقات أو طرد السفير البريطاني في طهران، وهو ما يفسر تردد الحكومات السابقة في اتخاذ هذه الخطوة رغم تصاعد الضغوط الداخلية.

ويأتي القرار أيضاً في سياق تشدد غربي متزايد تجاه إيران، إذ سبق للولايات المتحدة أن صنفت “الحرس الثوري” منظمة إرهابية أجنبية عام 2019، بينما ناقش الاتحاد الأوروبي مراراً اتخاذ خطوة مماثلة، إلا أن اعتبارات قانونية ودبلوماسية حالت دون التوصل إلى إجماع داخل التكتل.

وفي ظل تصاعد المواجهة بين الغرب وإيران، يبدو أن بريطانيا اختارت توسيع أدواتها القانونية لمواجهة ما تعتبره تهديدات عابرة للحدود، وهو ما قد يؤسس لمرحلة أكثر تشدداً في التعامل مع الأنشطة المرتبطة بطهران داخل الأراضي البريطانية، حتى وإن جاء ذلك على حساب مزيد من التدهور في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.