تقرير اقتصادي

لندن تعيد رسم خريطة الضرائب: ميزانية ريفز.. توسّع ضريبي يستهدف الثروة ويضغط على الطبقات المتوسطة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تقدّم وزيرة الخزانة البريطانية، ريتشل ريفز، ميزانية 2025 بوصفها تحوّلاً “عادلاً” يعيد توزيع العبء الضريبي باتجاه الشرائح الأكثر قدرة. لكن خلف خطاب “الخيارات الصعبة” تقف حزمة تعتبرها المعارضة أكبر توسّع ضريبي منذ عقد، فيما تشير تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة (OBR) إلى أن مجمل الإجراءات قد تولّد نحو 26 مليار جنيه إسترليني سنوياً بحلول 2029/2030—وهو الرقم الأكثر تداولاً وموثوقية بين المصادر الرسمية والإعلامية.

المشهد الإقتصادي لا يساعد الحكومة كثيراً: تضخم ضاغط، تكاليف معيشة مرتفعة، دين عام ثقيل، وخدمات عامة تبحث عن مصادر تمويل. وهكذا توجّهت ريفز إلى سياسات ضريبية لا ترفع المعدلات مباشرة، لكنها توسّع قاعدة المكلّفين عبر ما يُعرف بـ الانزلاق المالي (Fiscal Drag): تجميد حدود الشرائح الضريبية بحيث ينتقل عدد متزايد من أصحاب الدخل إلى شرائح أعلى مع أي زيادة في الأجور. وفيما يلي أبرز بنود ميزانية 2025:

  • تجميد ضريبتي الدخل والتأمين الوطني

لم ترفع ريفز معدلات ضريبة الدخل أو التأمين الوطني، لكنها أعلنت  تمديد تجميد العتبات الضريبية لست سنوات إضافية اعتباراً من عام 2028٫ ومن المتوقع أن تجمع هذه الخطوة 7.6 مليار جنيه إسترليني للفترة المذكورة. هذا التجميد يعني أنه مع ارتفاع الأجور، ويتوقع في ظل التضخم أو زيادات الرواتب، دخول عدد أكبر من العاملين نطاق الضريبة أو ينتقلون إلى شرائح أعلى. 

  • “ضريبة القصور” على العقارات الفاخرة

استهدفت الميزانية الجديدة العقارات التي تفوق قيمتها 2 مليون جنيه إسترليني، برسوم سنوية قدرها 2500 جنيه إسترليني على أصحاب المنازل الفاخرة التي يزيد سعرها على مليوني جنيه إسترليني، وترتفع إلى 7500 جنيهاً للعقارات التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين جنيه. والهدف المعلن، تحميل الأثرياء جزءاً أكبر من العبء الضريبي، في إطار “الدفع العادل” لإعادة التوازن إلى المالية العامة.

  • خفض الحوافز الضريبية على المدخرات

خفّضت الميزانية سقف الحد السنوي المُعفى على الضرائب في “صناديق الاستثمار النقدية الفردية” من 20 ألفاً إلى 12 ألف جنيه إسترليني لمن تقل أعمارهم عن 65 عاماً، ما يقلّل الحوافز على الادخار النقدي. حالياً، يمكن للبريطانيين استثمار 20 ألف جنيه إسترليني سنوياً عبر مجموعة متنوعة من حسابات التوفير الفردية (النقدية، والأسهم والسندات) دون دفع ضريبة الدخل أو ضريبة أرباح رأس المال.

  • المعاشات التقاعدية

تخضع المعاشات التقاعدية الخاصة أيضاً لزيادات ضريبية، حيث من المقرر تخفيض الإعفاءات على مساهمات المعاش التقاعدي المُقتطعة من الراتب ابتداءً من عام 2029. وعند تطبيق هذه التغييرات، ستُفرض ضريبة على التأمين الوطني على أي مساهمات في المعاش التقاعدي المُقتطعة من الراتب تزيد عن 2000 جنيه إسترليني سنوياً.

حالياً، يمكن للعمال المسجلين في برامج المعاش التقاعدي دفع جزء من دخلهم إلى معاش تقاعدي خاص قبل خصم الضريبة من رواتبهم، ما يجعلها أقل خضوعاً للضريبة.

  • ضرائب على مراهنات الأونلاين

فرضت الحكومة رسوماً وضرائب إضافية على المراهنات والمقامرة عبر الإنترنت، حيث سترتفع الضريبة على الكازينوهات الإلكترونية من 21% إلى 40% في إبريل القادم، وعلى المراهنات العامة من 15% إلى 25% في 2027. ومن المتوقع أن تجمع هذه الخطوة 1.1 مليار جنيه إسترليني إضافية سنوياً بحلول عامي 2029 و2030.

  • السيارات الكهربائية والهجينة

لم تسلم السيارات الكهربائية والهجينة من قرار وزيرة الخزانة، إذ تضمّن بيان ريفز فرض ضريبة جديدة على استخدام هذه الفئة من المركبات وفق آلية “الأميال المقطوعة”، لتعويض جزء من خسائر الإيرادات الناجمة عن تراجع استخدام الوقود التقليدي خلال العقود المقبلة في ضوء تزايد استخدام المركبات الصديقة للبيئة.

واعتباراً من إبريل 2028، ستُفرض رسوم بمقدار 3 بنسات لكل ميل للسيارات الكهربائية، و1.5 بنس للميل بالنسبة للسيارات الهجينة. وتشير التقديرات إلى جني نحو 1.4 مليار جنيه إسترليني من هذا البند.

  • رسوم جمركية على جميع الطرود الواردة

ألغت الحكومة الإعفاء الضريبي السابق عن الطرود منخفضة القيمة، ما يرفع تكلفة الشراء من مواقع خارج بريطانيا، ويمنح المتاجر المحلية ميزة تنافسية نسبية. لكن هذا يعني أن الأسعار النهائية للمنتجات المستوردة عبر الإنترنت سترتفع على المستهلك البريطاني.

  • إلغاء حد رعاية الطفلين 

من أبرز الإجراءات الاجتماعية في الميزانية إلغاء ما يُعرف بـ”حد الطفلين”، ما يعني أن الأسر التي لديها أكثر من طفلين ستحصل على دعم اجتماعي إضافي. وتقدّر تكلفة هذا القرار بنحو 3 مليارات جنيه سنوياً. وعرضت ريفز ذلك كخطوة لمكافحة الفقر بين الأطفال ودعم الطبقات المتوسطة والمنخفضة، في إطار سياسة اجتماعية تهدف لتخفيف العبء المعيشي على العائلات. 

  • تجميد بعض المصاريف 

أعلنت الحكومة عن خصم 150 جنيهاً إسترلينياً سنوياً على فواتير الطاقة للأسر لمساعدتها على مواجهة ارتفاع التكاليف. وكذلك عن تجميد أسعار تذاكر القطارات، وتمديد العمل بتخفيض ضريبة الوقود حتى سبتمبر/أيلول 2026، ورسوم بعض الأدوية، في محاولة لتخفيف أثر الضرائب الجديدة على الاقتصاد المنزلي.

يُذكر أن ضريبة الوقود تُعد أحد أكبر مصادر الإيرادات الحكومية، مع نحو 25 مليار جنيه إسترليني سنوياً.

توقعات الاقتراض والدين العام

بحسب بيان الميزانية، من المتوقع أن يصل الاقتراض في الفترة ما بين 2025 و2026 إلى نحو 138.3 مليار جنيه إسترليني، ثم ينخفض تدريجياً في السنوات التالية إلى 67.2 ملياراً بنهاية 2031.

ضرائب العقارات التجارية

صرحت ريفز بأن التغييرات على ضرائب العقارات التجارية، أو معدلات الأعمال، ستزيد معدلات الضريبة على العقارات عالية القيمة (500 ألف جنيه إسترليني فأكثر) بما في ذلك المستودعات التي تستخدمها شركات الإنترنت العملاقة، مع خفض دائم لمعدلات الضريبة على أكثر من 750 ألف عقار تجاري وفندقي وترفيهي. والهدف هو خلق توازن بين الشركات التقليدية ومنصّات البيع عبر الإنترنت.

برنامج تنقل ذوي الاحتياجات الخاصة

أعلنت الوزيرة نيتها إصلاح برنامج التنقل “موتابيليتي”، الذي يوفر سيارات لذوي الاحتياجات الخاصة بتمويل حكومي، معتبرة أن النظام الحالي يقدّم «دعماً سخياً» يتطلب إعادة ضبط لضمان كفاءته واستدامته.

ردود فعل المعارضة

هاجمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك الميزانية ووصفتها بأنها “إهانة كاملة”، مطالبة ريفز بالاستقالة، ومعتبرة أنها أخلّت بكل وعودها السابقة.

بدوره، قال زعيم الديمقراطيين الأحرار إد ديفي، إن الميزانية “فشلت في معالجة أزمة تكاليف المعيشة أو دعم النمو الاقتصادي”. فيما وصفها زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج، بأنها “هجوم على الادخار والطموح”. كما اعتبر الحزب الأخضر أن الميزانية الجديدة لم تفرض ضرائب عادلة على الأثرياء، وأكد الحزب القومي الإسكتلندي أنها “فشلت في دعم الوظائف”.

كما أعرب بعض نواب “المحافظين” عن قلقهم من أن هذه السياسة ستُقوّض القدرة التنافسية للاستثمار في العقارات الفاخرة، وقد تدفع بعض المستثمرين إلى إرجاء أو إلغاء خطط الشراء، وبالتالي تباطؤ سوق العقارات الفاخرة.

وشملت الانتقادات كذلك، أن الحكومة تلقي بثقل الأزمات على كاهل المواطنين العاديين، مشكّكين في وعود ريفز بأن الضرائب تستهدف الأثرياء فقط، خصوصاً مع أثر «الانزلاق المالي» الذي يُصيب الطبقات المتوسطة.

الرابحون والخاسرون في الميزانية

الرابحون:

  • الأسر ذات الدخل المنخفض التي تضم ثلاثة أطفال أو أكثر
  • العمال من ذوي الأجور المنخفضة
  • المدخرون فوق 65 عاماً
  • المتاجر التقليدية في الشوارع

الخاسرون:

  • المستأجرون والمستثمرون (بعد رفع ضريبة الأرباح والدخل الإيجاري)
  • مالكو العقارات التي تزيد قيمتها على 2 مليون جنيه إسترليني
  • مالكو السيارات الكهربائية والهجينة بدءاً من 2028
  • ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يستخدمون برنامج ” برنامج “موتابيليتي”
  • مستخدمو منصات الرهانات الإلكترونية والشركات المشغّلة لها

المسار التاريخي في السياسات البريطانية

ليس من قبيل المبالغة القول إن الميزانية الحالية تُمثل انقلاباً مقارنة بعقود من السياسات النيوليبرالية التي ركّزت، في بريطانيا كما في أماكن كثيرة أخرى، على تخفيض الضرائب على الممتلكات، وتخفيف العبء على أصحاب الأعمال، ودعم السوق عبر خ فض الرسوم. وتركيز ريفز على “ضرائب الثروات، والعقارات، والمدخرات، والترفيه..” يعكس عودة إلى فكرة أن الأثرياء يجب أن يساهموا في تمويل الخدمات العامة، ما يتقاطع مع خطاب “العدالة الاجتماعية” الذي لا يشيع كثيراً في السياسات البريطانية مؤخراً.