الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

مهرجان

لم يتوقف عن الإصغاء منذ ألفي عام.. “تيمقاد”: المسرح الذي هزم الزمن

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في كل صيف، تتجه الأنظار إلى مدينة تيمقاد بولاية باتنة شرق الجزائر، وإلى مهرجانها الثقافي الدولي، الذي تختتم فعاليات دورته لهذا العام اليوم 13 يوليو. غير أن ما يستحق التوقف عنده، ليس ما يحدث فوق مسرحها الروماني، بل خلفه. المسرح الذي ما زال منذ ألفي عام، يؤدي في هدوء، الوظيفة نفسها التي شُيّد من أجلها ذات يوم، أي أن يجمع الناس حول الفن.

إنتاج المعنى في الحاضر

لم تكن قيمة تيمقاد الفعلية مرتبطة يوماً بأطلالها الرومانية المحفوظة على نحو استثنائي فحسب، ولا في تصنيفها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بل في قدرتها على مقاومة المصير الذي انتهت إليه مواقع أثرية كثيرة حول العالم؛ أي مجرد ذاكرة صامتة يزورها السائح لساعات ثم يغادرها. لقد نجت تيمقاد من هذا المصير لأنها لم تكتفِ بأن تكون شاهدًا على الماضي، بل واصلت إنتاج المعنى في الحاضر، وهنا بالذات تكمن خصوصية المدينة. 

كما أن المسرح الروماني لم يعد مجرد أثر يروي قصة حضارة غابرة، بل أصبح فضاءً تستعيد فيه الجزائر كل صيف قدرتها على وصل الماضي بالحاضر، والتراث بالإبداع، والذاكرة بالفعل الثقافي. 

فاعل ثقافي معاصر

لا تتحول المدن التاريخية إلى فاعل ثقافي لأنها قديمة، ولا لأن حجارتها نجت من تقلبات الزمن، وإنما لأنها تنجح في الانتقال من وظيفة الحفظ إلى وظيفة الإلهام. فثمة فرق بين موقع أثري يُزار بوصفه صفحة من الماضي، وآخر يواصل إنتاج المعنى في الحاضر. وهذا هو الفارق الذي يميز تيمقاد. هنا تتجلى فلسفة “التراث الحي” التي لم تعد تقيس قيمة المواقع التاريخية بعمرها أو بعدد زوارها فحسب، وإنما بقدرتها على الاندماج في الحياة المعاصرة دون أن تفقد أصالتها. 

ولعل هذا هو الدرس الذي تقدمه تيمقاد؛ فهي لم تنتصر على الزمن لأنها قاومت عوامل الطبيعة، بل لأنها قاومت النسيان. فالثقافة هنا أضفت إلى الموقع قيمة جديدة، وأنقذته من أن يتحول إلى أثر صامت. وفي المقابل، منح المكان للفن ما لا تستطيع أي قاعة حديثة أن تمنحه، أي تجربة إنسانية تتجاوز حدود العرض الفني إلى حوار متصل بين التاريخ والحاضر.

الأثر أبلغ من الخطاب

لعل قيمة مهرجان تيمقاد الأهم تتجلى في رمزية المكان، الذي يجمع جنسيات مختلفة من المشاركين والفنانين الذين يعتلون من ضفاف المتوسط، ومن المشرق العربي، ومن العمق الإفريقي خشبة مسرح يعود إلى ألفي عام. هم بذلك لا يقدمون حفلات غنائية فحسب، بل ينسجون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، حوارًا بين حضارات وثقافات وأزمنة مختلفة. وهنا يغدو المكان نفسه طرفًا في هذا الحوار، لا مجرد فضاء يحتضنه.

ومن هذا المنظور، يتحول مهرجان تيمقاد إلى إحدى أدوات الدبلوماسية الثقافية التي تقدم بها الجزائر نفسها إلى العالم. لقد بات واضحًا اليوم، أن صورة الدول لم تعد تُبنى بالخطابات الرسمية وحدها، بل بما تملكه أيضًا من قدرة على تحويل ثقافتها وتراثها إلى جسور للتواصل. وتيمقاد تقدم نموذجًا لهذا المسار؛ فهي تثبت أن الأثر يمكن أن يكون أبلغ من الخطاب، وأن أمسية فنية في مدينة عمرها ألفا عام قد تنجح، في ترسيخ صورة الجزائر الحضارية، أكثر مما تفعله عشرات الرسائل الرسمية. 

رسالة أعمق

قد تنتهي سهرات مهرجان تيمقاد مع انقضاء كل صيف، وتُطوى برامج دوراته، وتتغير أسماء الفنانين الذين يعتلون خشبة مسرحه من عام إلى آخر، لكن المدينة تبقى، شاهدة على أن الزمن لا يقاس بما يمر من قرون، بل بما يتركه من أثر في الوجدان. وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق التي تقدمها تيمقاد للجزائر، ولغيرها من الأمم التي تملك رصيدًا حضاريًا استثنائيًا، وهي أن حماية التراث لا تبدأ عند ترميم الحجر وتنتهي عند تصنيفه، بل تكتمل حين يتحول إلى فضاء للمعرفة والإبداع واللقاء الإنساني. عندها فقط، لا يعود الماضي عبئًا نحمله على أكتافنا، بل يصبح قوة تدفعنا إلى الأمام.