القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

السينما والأدب

لماذا تسقط السينما والتلفزيون في امتحان الأعمال الأدبية الكبرى؟

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

قبل أيام، أُعلن إنتاج معالجة سينمائية جديدة لرواية “البؤساء”، رائعة الكاتب الفرنسي الأشهر فيكتور هوغو. معالجةٌ تشارك في إنتاجها منصة “نتفليكس”، والمتوقع بدء عرضها في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

الرواية التي قُدمت مراراً في أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وبلغات متعددة، لم تحظ سوى نسخة واحدة منها بقبول جماهيري ونقدي يليق بموقعها على خريطة الأدب العالمي. وهي النسخة التي أنتجتها شركة “يونيفرسال” في العام 2012، وأخرجها البريطاني توم هوبر، ومن بطولة النجوم هيو جاكمان وراسل كرو وآن هاثواي، واعتمدت تقديم القصة في صورة غنائية أقرب للاستعراض منها إلى تقديم حكاية ذات حبكة تقليدية كما حدث في النسخ الكثيرة السابقة لها.

وهو ما تكرر في العام ذاته مع رائعة الروسي ليو تولستوي، “آنا كارنينا”، في الفيلم الذي أخرجه البريطاني جو رايت، ومن بطولة النجوم جود لو وكييرا نايتلي وآرون تايلور جونسون، وما أعاد إلى الأذهان ما حدث مع رائعة الكولومبي الأشهر غابرييل غارثيا ماركيز، “مائة عام من العزلة”، عند تقديمها في مسلسل بدأ بثه في ديسمبر/كانون الأول 2024، ولم يحظ بأي مقاربات نقدية، ولا معدلات مشاهدة تتناسب مع شهرة الرواية، وما تكرر بعدها بأقل من عام حين أعلنت منصة “برايم فيديو” عن تقديمها لرائعة التشيلية إيزابيل الليندي، “بيت الأرواح”، في مسلسل تليفزيوني من ثماني حلقات بدأ بثه باللغة الإسبانية في أبريل/نيسان الماضي.

فيلم باهت ومسلسل بطيئ 

“بيت الأرواح”، لمن لا يعرف، هي الرواية الأولى لإيزابيل الليندي، والتي فتحت لها أبواب عالم الأدب والشهرة حول العالم كعمل استثنائي غير مسبوق، تُرجم إلى كافة لغات العالم، مع مبيعات ناهزت الـ70 مليون نسخة.

أما المسلسل فهذه هي المرة الثانية التي يتم فيها تقديم الرواية في عمل فني كبير، كانت الأولى في العام 1993، بفيلم هوليوودي لم تفلح قدرات نجومه في إنقاذه من الفشل، برغم وجود نجوم كبار من نوعية ميريل ستريب وجيريمي آيرونز وأنطونيو بانديراس ووينونا رايدر. 

وُصف الفيلم بالباهت، ولم يتمكن صناعه من الوصول إلى جوهر القصة، وكان تعليق الليندي وقتها، وهي التي شاركت في تقديم المسلسل كمنتج منفذ، أنه “نتاج لعصره”. مع ذلك، لم تضمن له النجاح في القبض على روح النص الذي كتبته، ويبدو أنها اكتفت بالملامح الخارجية للأبطال والأجواء والمناظر الطبيعية. فقد نقلت عنها الصحف المحلية، أنه عندما شاهدت الحلقات الثماني كاملةً، تحدثت عن مدى تطابق الممثلين مع الصورة التي تخيلتها لهم، موضحة أن “هذا يتناقض تمامًا مع الفيلم”، ودون أن تلتفت إلى أن إيقاع الحلقات بطيء للغاية. يسود الصمت غير المبرر الكثير من المشاهد، مع تكرار لبعض القصص. 

فتشعر أن المسلسل مهووس بشكل أساسي بشخصية الجدة “كلارا”، دون اهتمام بتطوير أي شخصية أخرى، والتخلص من شخصيات ثرية وأساسية في الرواية، ما أدى إلى شعور عام بالتشتت بين المشاهد والشخصيات الجديدة، وكثير منها تفتقر إلى العمق والتشويق، ودون أن تنتبه إلى أن افتقار المسلسل إلى شخصياتٍ متكاملة وبطء وتيرته، يقللان من جاذبيته.

وقائع كثيرة واختلافات جذرية

وقائع فشل الدراما في امتحان الأدب كثيرة ومتباينة، ومنها عندما حاولت هوليوود تقديم رائعة ميلان كونديرا، “كائن لا تحتمل خفته”، ورغم استعانتها بممثلين من النوعية الثقيلة، مثل دانيال دي لويس وجولييت بينوش، إلا أن المشاهد لا يستطيع إكمال الفيلم إلا على أمل احتمال أن يحتوي على مشهد أو اثنين يقتربان من روح الرواية التي لا تنتهي دهشته في حضورها.

في الرواية، تجد أن عمق الحوار والوصف والخلفيات الاجتماعية والثقافية أكبر بكثير من مجرد قصة ذات بداية ومنتصف ونهاية كما تظهر في الفيلم، وهو ما تكرر مع فيلم “الحب في زمن الكوليرا” للكولمبي غابرييل غارثيا ماركيز، وقبلها “عشيق الليدي تشاترلي” للبريطاني دي اتش لورانس، و”منزل الجميلات النائمات” للياباني ياسوناري كواباتا، والكثير من معالجات رائعة ديستويفسكي “الجريمة والعقاب”، وغيرها الكثير والكثير من الأعمال الأدبية التي تحطمت على صخرة السينما والدراما التليفزيونية، ما يرفع من أهمية السؤال حول فشل الدراما في التعبير عن روح النص الأدبي، ويدفع بكثير من النقاد أقرب إلى الاعتقاد بأن الإبداع الأدبي والموسيقى يتطلب مستويات مختلفة من التلقي، نخبوية إن شئنا الدقة والتحديد، فيما تنطلق فنون التمثيل باتجاه كافة الطبقات والشرائح الاجتماعية العامة، ما يعني تباين واختلاف ليس بالهين في مستويات التلقي، وهذا يؤكد أهمية أن يبحث كاتب السيناريو والحوار عما يناسب روح العمل الأدبي الذي يريد العمل عليه، هل هي الموسيقى أم الصورة والأجواء المحيطة أم الحوار؟!

أغلب الظن أن المسألة هنا تتعلق باختلاف جوهري بين نخبوية منطق الأدب والإبداع الأدبي، وبين منطق الفنون الجماهيرية، السينما والمسرح والدراما التلفزيونية. ففي الكتابة الأدبية أو الموسيقية، يترك الكاتب أو المؤلف مساحات واسعة للخيال، ويبني نصه أحيانًا على وقائع أو افتراضات تخالف الحقيقة الواقعية المرتبطة بقوانين الطبيعة والفيزياء.

الشطحات هنا كبيرة، ومذهلة في بعض الأحيان، والمساحات التي يحصل عليها القارئ أو المتلقي غير محدودة، ويمكنه تأويل العمل بصور متباينة، والتفكير فيه من منطلقات شديدة الاختلاف، فيجعله جزءاً من واقعه الشخصي، لا الواقع العام المتشابه والمتكرر والمعتاد. 

يمكن تمثيل ذلك وتقديمه في الفنون الجماهيرية، بشرط الإبداع الموازي، مع سيناريو احترافي وقراءة متأنية، وكثير من التفكير والبحث والتأمل، وصولًا إلى منطقة توازن ما بين خيال الكاتب الروائي وخيال الجمهور العام، والبحث عن منطقة وسطى تجمع ما بين نخبوية الأدب وبين جماهيرية الفن، على أن تسحب الجمهور العام معها إلى حيث يدرك أنه لن يتلقى قصة معتادة، ولن يتعامل مع واقع عام مكرر ومعتاد.

هنا منطق نخبوي مختلف، خيال شديد الخصوبة والتطرف، عنيف في انفصاله عن الحياة اليومية المعتادة، يتطلب استعدادًا ذهنيًا مختلفاً.

منطق الفن

ربما يذكر كثيرون ما فعله المبدع محسن زايد مع رواية “حديث الصباح والمساء” للكبير نجيب محفوظ، والتي تحولت بفضله إلى ملحمة درامية موازية للنص الأصلي، استلهمت روح الرواية لتقديم مسلسل طويل ومشوق وجاذب. لم تنقله كما هو، ولم تستسلم للنص كما كتبه محفوظ، بل جمع بين منطق الأدب المكتوب النخبوي الباحث عن يقظة العقل النشط، وبين منطق الفن الجماهيري الأقرب للإمتاع والترفيه، والاسترخاء الذهني في لحظات ما بعد الإفطار الرمضاني الدسم.

ربما يفلح الأمر مع عمل أدبي متوسط القيمة الإبداعية، غير نخبوي الطابع، كما حدث في فيلم “عمارة يعقوبيان” المنقول عن رواية بنفس العنوان، وكما يحدث حاليًا مع بعض الأعمال الحديثة التي يكتبها مؤلفوها للسينما وينشرونها في كتب تحت عنوان “رواية”، ومعظمها مما تندرج تحت بند “الأكثر مبيعًا”، وتفسير ذلك أنها في الأصل أعمال مكتوبة بمنطق جماهيري تجاري خالص، يسهل تحويلها ونقلها من وسيط الكتابة إلى وسائط التمثيل.

الكتابات التي لا تجهد القارئ ولا تطلب منه أي خيال أو تفكير أو تحفيز ذهني، تحكي له عما يعرفه بلا حاجة إلى افتراض، أو خيال أو تفكير. يختلف الوسيط، وتختلف معه طبيعة الجمهور المستهدف، بينما يظل الجوهر أقرب إلى الإمتاع والترفيه كما هو، لم يتأثر، ولم ينقص منه شيء، فلم يكن بحاجة إلى أي إبداع موازٍ، أو تمهيد للأرض، أو تجهيز لجمهور في حالة استرخاء.