مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

الإخوان وإعادة التموضع (1-2)

لماذا اختارت حركة “ميدان” فتح مكتبها في هولندا؟

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

لم تعد تحركات جماعة “الإخوان المسلمين” في الداخل الأوروبي مقتصرة على البحث عن ملاذات آمنة لعناصرها الفارّة، أو الحفاظ على بنيتها التنظيمية، التي تشكلت منذ ستينيات القرن الماضي، وإنما دخلت مرحلة جديدة من إعادة هندسة حضورها داخل القارة الأوروبية، وإعادة توزيع مراكز نفوذها، وتطوير استخدام الواجهات السياسية والحقوقية والأكاديمية، بما يتلاءم مع حالة الاستفاقة والتحولات الأمنية والقانونية التي تشهدها الدول الأوروبية ضد التنظيم خلال السنوات الأخيرة.

وتبرز هولندا بوصفها إحدى أهم ساحات إعادة التموضع الجغرافي الجديدة لـ”الإخوان”، ليس فقط بسبب البيئة القانونية التي تسمح بهامش واسع من العمل الأهلي والمدني، وإنما أيضًا لوجود بنية تنظيمية داعمة للجماعة، شكلتها على مدار سنوات طويلة من خلال شبكة من المؤسسات الدعوية، والمراكز الثقافية، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات الاقتصادية، فضلاً عن العلاقات الممتدة داخل بعض الدوائر والأوساط السياسية والمجتمعية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة في ضوء إعلان حركة “ميدان” فتح مكتب لها في مدينة لاهاي الهولندية، وذلك وفق ما صرح به الإخواني الفارّ عمرو طلعت، المتحدث الرسمي للحركة التي تمثل ذراعاً لجبهة المكتب العام وحركة “حسم” الإخوانية المسلحة، وذلك لنقل جزء من أنشطتها إلى هولندا بعد الضربات الأمنية التي تعرضت لها الجماعة، وما ترتب عليها من انكشاف عدد من شبكاتها التنظيمية، وتصاعد الانقسامات داخل الحركة نفسها عقب اعترافات القيادي في حركة “حسم” علي عبد الونيس، الذي تم تسليمه للقاهرة خلال الأشهر الأخيرة.

لماذا اختارت “ميدان” هولندا؟

تأتي المعلومات المتداولة بشأن اتجاه حركة “ميدان” إلى نقل جانب من أنشطتها إلى هولندا في سياق أوسع يتعلق بإعادة هيكلة شبكات “الإخوان” في أوروبا، والتي يديرها الإخواني الفارّ يحيى موسى، وذلك بعد سقوط قيادات الحركة في قبضة الأجهزة الأمنية المصرية والعربية، ومن ثم أصبح من الضروري البحث عن بيئة أكثر قدرة على استيعاب النشاط الجديد، دون الارتباط المباشر بالهياكل التقليدية للجماعة المنتشرة في الدول العربية والشرق الأوسط، وفق ما صرح به الإخواني الفارّ أيضاً رضا فهمي، رئيس المكتب السياسي للحركة، من أن الضغوط التي واجهتها الحركة لم تكن السبب الوحيد وراء تدشين مكتبها الجديد في لاهاي، وإنما الأمر مبني على رؤية استشرافية للعقل الاستراتيجي القائم على الحركة ومشروعها، تتمثل في ضرورة التمدد والتوسع والانتشار.

توفر هولندا في هذا الإطار عدة مزايا، منها أنها تضم بنية مؤسسية للجماعة قائمة ونشطة، بالإضافة إلى شبكات اجتماعية ودعوية ممتدة، فضلًا عن المؤسسات القانونية التي يمكن من خلالها خلق بيئة حماية للحركة ومشروعها، وإعادة إنتاج نشاطها بصورة أكثر مرونة، ومن أبرز هذه المؤسسات “جاستس ماتر” (Justice Matters)، العاملة في مجال حقوق الإنسان، وتمثل ذراعًا مهمة لـ”جماعة الإخوان” في هولندا، فضلا عن تمركز كل من طارق حبيب، وأنس حبيب، أحد عناصر “الإخوان”، وقد خرج الأخير من مصر هارباً، بعد قضاء عقوبة السجن، نظراً لتورطه في قضايا متعلقة بتحركات الجناح المسلح لـ”جماعة الإخوان” متمثلاً في حركة “مولوتوف”، و”إعدام”، كما كان ضمن المخططين لمحاصرة السفارات والبعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

ومن اللافت أن حركة “ميدان” تحاول تقديم نفسها باعتبارها مشروعًا سياسيًا جديدًا منفصلاً عن جماعة “الإخوان”، رغم ما تحتويه الوثائق الفكرية والسياسية للحركة من مفاهيم ومفردات تكفيرية، وتوظيف العنف الممنهج، فضلًا عن ارتباط قياداتها بخطط التنظيم الدولي، ما يعني أن هولندا تحولت إلى بيئة نشطة للتحريض المسلح ضد الدولة المصرية.

مؤسسات الجماعة

بدأ الوجود المنظم لـ”الإخوان” في هولندا بصورة محدودة خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي، مع تأسيس “رابطة المجتمع المسلم” في لاهاي، قبل أن تتوسع الجماعة تدريجيًا في إنشاء مؤسسات ذات طابع ثقافي واجتماعي واقتصادي، تعمل في الظاهر لخدمة الجاليات المسلمة، بينما تؤدي عمليًا دورًا موازياً في بناء النفوذ المجتمعي واستقطاب العناصر الجديدة، وإدارة موارد التنظيم.

عملياً أسست “جماعة الإخوان” شبكة مؤسسية متشابكة ومعقدة تضم عدداً كبيراً من المراكز الإسلامية، والمساجد والمؤسسات التعليمية والخيرية، فتشير التقديرات إلى سيطرة “جماعة الإخوان” على 60% من المساجد في هولندا، والمقدّر عددها بنحو 453 مسجداً، مثل “مركز السلام الإسلامي الثقافي” في روتردام، و”مركز الوسطية”، و”المسجد الأزرق” في أمستردام.

يضاف إلى ذلك مؤسسة “المشرق” التي تنشط في لاهاي، والحاصلة على عضوية مؤسسة “فيميسو” المتهمة باختراق المنظمات الأوروبية، بالإضافة إلى النشاط الملحوظ لـ”منظمة الإغاثة الإسلامية”، فضلاً عن مؤسسات مرتبطة بالتمويل وإدارة الأصول العقارية، وفي مقدمتها فرع مؤسسة “أوروبا ترست”، التي تمثل إحدى أهم الأذرع الاقتصادية لشبكات الإخوان في أوروبا، وكذلك “الحزب الإسلامي الإقليمي” و”حزب دينك”، و”حزب نداء الإسلامي”، الذي استطاع خوض انتخابات المقاطعات شمال هولندا في مارس 2019. مع بروز دور قيادات إخوانية، أمثال محمد عكاري وإبراهيم عكاري ونور الدين العوالي وعلي أزوزي، وسيطرتهم على أحزاب وكيانات اقتصادية في مجال العقارات في أمستردام وروتردام ولاهاي، كبوابة لنشر نفوذهم داخل المؤسسة الحكومية والدينية.

وأشار البرلمان الهولندي، في يونيو 2020، إلى وجود عدد من المساجد والمنظمات الإسلامية المدعومة بمبالغ مالية ضخمة من بعض الدول الخارجية التي تمارس تأثيراً عليها، مؤكداً أن تلك الدول تنشر تعاليم دينية متشددة عبر تمويل وتأسيس مدارس ومؤسسات غير رسمية وإرسال دعاة لإدارة المساجد بهولندا.

ويكشف هذا المسار أن الجماعة اعتمدت على استراتيجية “التمكين المجتمعي”، التي تقوم على السيطرة التدريجية على المؤسسات الوسيطة بين الدولة والجاليات المسلمة، باعتبارها المدخل الأكثر أماناً لبناء النفوذ السياسي والفكري.