“أي شخص يعرف أكثر من اللازم لا يستطيع التكيف، ولا يستطيع أن يجد مكاناً له في أي مكان… وهذه هي لعنة الوعي”. عبارة متداولة تُنسب إلى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، قد لا تبدو اقتباساً موثقاً عنه، لكنها تقترب من إحدى الأفكار التي حضرت بقوة في فلسفته، وهي أن الإنسان الذي يبدأ في التفكير خارج المسلّمات السائدة في حياتنا قد يجد نفسه، في مرحلة ما، غريباً عن “القطيع” الذي كان ينتمي إليه.
المفارقة أن المعرفة التي نعتقد أنها طريق إلى الحرية، قد تصبح أحياناً سبباً وجيهاً في فقدان شيء آخر لا يقل أهمية، وهو “القدرة على التكيف”.
نحن نربط المعرفة عادة بالقوة. كلما عرف الإنسان أكثر، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأقل قابلية للخداع، وأكثر فهماً لنفسه وللعالم من حوله. لكن المعرفة لها وجه آخر؛ فهي لا تضيف إلى الإنسان معلومات فقط، وإنما تنتزع منه أحياناً القدرة على رؤية الأشياء ببساطة.
فما أن تعرف أن بعض الشعارات تُخفي مصالح، وأن بعض العلاقات تقوم على المنفعة أكثر من المحبة، وأن بعض المؤسسات لا تعمل دائماً وفق الصورة التي تقدمها عن نفسها، وأن كثيراً من الناس لا يقولون ما يفكرون فيه فعلاً، حتى يصبح من الصعب عليك أن تعود إلى براءتك الأولى. “لكنك لا تزال تراقب”..
هناك أشياء، بمجرد أن تراها، يستحيل عليك ألا تراها مرة أخرى، وهنا تبدأ مشكلة الوعي.
الوعي ليس أن تعرف أكثر فحسب، وإنما أن ترى الطبقات الموجودة خلف الأشياء، أن تسمع الكلام وتفكر في ما لم يُقل، أن ترى السلوك وتبحث عن الدافع الذي يقف وراءه، أن تشاهد حدثاً عادياً وتسأل عن المصالح التي أنتجته والنتائج التي قد تترتب عليه.
لكن الإنسان الذي يعيش بهذه الطريقة غالباً ما يدفع الثمن.
المجتمعات تقوم إلى حد كبير على قدر من التوافق. هناك أفكار نتشاركها، وعادات نقبلها، وقواعد اجتماعية لا نسأل كثيراً عن أسبابها. وهذا التوافق هو الذي يجعل الحياة المشتركة ممكنة. لكن الشخص الذي يبدأ في مساءلة كل شيء يجد نفسه أحياناً أمام خيار صعب؛ إما أن يتجاهل ما أصبح يعرفه حتى يستمر في الانسجام مع الآخرين، أو يتمسك بما يراه ويقبل ثمن الاختلاف.
ومن هنا تأتي “العزلة”.
ليست “العزلة” دائماً أن تجلس وحيداً في غرفة، قد تكون وسط عشرات الأشخاص وتشعر أنك وحيد. قد تشارك الآخرين أحاديثهم وضحكاتهم، لكنك تعرف في داخلك أنك لم تعد ترى الأشياء بالطريقة نفسها التي يرونها بها. وهذه واحدة من أكثر صور الاغتراب قسوة؛ أن تكون حاضراً جسدياً وغائباً فكرياً.
ليس كل شخص يشعر بأنه مختلف أكثر وعياً من الآخرين، وليس كل من يرفض أفكار الجماعة أكثر حكمة منها. أحياناً تكون العزلة نتيجة للوعي، وأحياناً نتيجة للغرور. وأحياناً أخرى يعتقد الإنسان أنه اكتشف الحقيقة، بينما يكون قد استبدل وهماً جماعياً بوهم شخصي. وهنا علينا أن نكون حذرين من تحويل هذه الفكرة إلى تمجيد للذات.
ولهذا فإن الوعي الحقيقي يبدأ من نقطة أكثر صعوبة؛ أن تشك في نفسك أيضاً.
فكما ينبغي للإنسان أن يسأل المجتمع، عليه أن يسأل نفسه. وكما ينبغي أن يشكك في المسلّمات التي ورثها، عليه أن يشكك في قناعاته الجديدة أيضاً. وإلا تحولت المعرفة إلى أيديولوجيا أخرى، وتحول التفكير الحر إلى شكل جديد من التعصب.
ربما لهذا لا تكون المشكلة الحقيقية في “أن تعرف أكثر من اللازم”، وإنما في ألا تعرف كيف تعيش بما تعرفه. أن تعرف أن العالم غير عادل، ثم تظل قادراً على أن تكون عادلاً، وأن تدرك أن الناس يمكن أن يخيبوا ظنك أيضاً.
ربما كان هذا هو الاختبار الأصعب للوعي: هل يجعلك أكثر إنسانية أم أكثر “عزلة”؟
في عصرنا الحديث، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. نحن نعيش في عالم يغمرنا بالمعلومات على مدار الساعة. الأخبار لا تتوقف، والآراء لا تنتهي، والخوارزميات تقدم لنا آلاف التفسيرات للأحداث نفسها. أصبح الوصول إلى المعلومات سهلاً إلى درجة أننا لم نعد نعاني من نقص المعرفة، بل من فائضها.
لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الفهم.
قد يعرف الإنسان ما يحدث في عشرات الدول، ويتابع مئات الآراء، ويقرأ آلاف التعليقات، ومع ذلك يظل عاجزاً عن فهم نفسه. وقد يصبح الإفراط في المعرفة مصدراً للقلق والشك والتردد بدلاً من أن يكون طريقاً إلى الحكمة.
لهذا ربما نحتاج اليوم إلى شيء يتجاوز المعرفة، نحتاج إلى القدرة على الاحتمال النفسي لما نعرفه. أن نتقبل أن العالم لن يصبح مثالياً لمجرد أننا فهمنا مشكلاته، وأن تناقض البشر مستمر حتى لو اكتشفنا ذلك، وأن الحقيقة لا تمنح صاحبها بالضرورة مكانة اجتماعية أو قبولاً أو راحة.
الوعي قد يجعلك أكثر وحدة، لكنه يمكن أن يجعلك أيضاً أكثر صدقاً مع نفسك. قد يسلبك بعض الأوهام المريحة، لكنه يمنحك في المقابل فرصة لبناء حياة لا تقوم على الوهم.
عسى أن نحتفظ بعقولنا مفتوحة دون أن نفقد قلوبنا، وأن نرى عيوب العالم دون أن نفقد إيماننا بإمكان تغييره، وأن نختلف مع الآخرين دون أن نعتبر اختلافنا دليلاً على تفوقنا عليهم.
الحكمة في النهاية لا أن نعرف أقل حتى نستطيع التكيف، ولا أن نعرف أكثر حتى ننعزل عن الآخرين، وإنما أن نعرف كيف نعيش بين الاثنين… فالمعرفة قد تكون عبئاً، والوعي قد يكون مؤلماً، والحقيقة قد تكون أكثر قسوة من الوهم.
لكن اللعنة الحقيقية ليست أن ترى أكثر من الآخرين، بل أن ترى كل شيء بوضوح، ثم تفقد القدرة على أن تحب الحياة. أما الانتصار الحقيقي للوعي، فهو أن تعرف ما يكفي لتدرك تعقيد العالم، ثم تختار، رغم كل ما عرفت، أن تبقى إنساناً.
المشكلة في الوعي أنك لا تستطيع التراجع عنه. في البداية، تبحث عن الحقيقة، ثم تكتشف أن الحقيقة ليست دائماً جميلة، وأن وراء كثير من الكلمات دوافع، وخلف كثير من العلاقات مصالح، ووراء كثير من القناعات خوفاً أو حاجة أو وهماً. وحين تحاول أن تتحدث عما رأيت، يخبرك الآخرون أنك تبالغ. فتتوقف عن الشرح، لكنك لا تتوقف عن الملاحظة.
مع مرور الوقت، ربما تدرك أنك لم تعد ترى العالم بالطريقة التي يراه بها معظم الناس. لا تصبح أفضل منهم، فقط تصبح أقل قدرة على تصديق بعض الأشياء التي كنت تصدقها من قبل. وربما كان ذلك هو الثمن الصامت للوعي: أن يبتعد عنك “القطيع”، لكي تقترب أنت من نفسك.



