بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تحقيق سياسي

كيف قاد التحالف بين الإخوان المسلمين والجيش إلى انهيار السودان؟.. ثلاثة عقود من التمكين والعنف والعزلة الدولية

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

عاش السودان على مدى العقود الثلاثة الأخيرة التي تلت سيطرة تنظيم الإخوان المسلمين على السلطة في 30 يونيو/حزيران 1989، أزمات مُركّبة برزت ملامحها في الانهيار الاقتصادي والسياسي والأمني الذي أدى إلى إفقار البلاد وتقسيمها وعزلها عن محيطها الإقليمي والدولي، فكيف أسهمت عقيدة الإخوان في ذلك الانهيار؟ وما دور الجيش في تمكين آلة التنظيم المدمرة؟

بفعل الحماية التي وجدها من الجيش، عمل التنظيم خلال فترة حكمه التي استمرت حتى 2019، على تمكين عناصره في كافة مفاصل الدولة، ما أدى إلى تفشٍّ واسع للفساد، قُدّر حجمه بنحو تريليون دولار، ودمار شمل لكافة القطاعات الاقتصادية والخدمية.

نفوذ كبير

سمح النفوذ الكبير لعناصر التنظيم داخل الجيش بالتحكم في القرار العسكري، وهو ما أسهم في اتساع رقعة الحروب وتحويلها إلى إثنية ودينية، وزاد من حجم الخسائر البشرية إلى نحو 2.5 مليون قتيل، قضَوا في حروب الجنوب خلال التسعينيات، ودارفور وكردفان في العقد الأول من القرن الحالي، والحرب المستمرة حالياً.

أما المظلة الأمنية التي حصل عليها من ارتباطه الوثيق مع الجيش، فقد مكنت تنظيم الإخوان من تحويل السودان إلى بؤرة للإرهاب، وهو ما أدخل البلاد لاحقاً في عزلة دولية طويلة كانت سبباً مباشراً في الانهيار الاقتصادي والخدمي الذي تعيشه البلاد حالياً.

كما تُشكل الحرب الحالية المستمرة منذ منتصف إبريل/نيسان 2023، مثالاً حياً على الضرر الكبير الذي طال السودان من الارتباط العضوي بين الجيش وتنظيم الإخوان، المتهم باشعال الحرب التي أدت الى مقتل أكثر من 150 ألف شخص حتى الآن، وأحدثت خسائر بمئات المليارات من الدولارات، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

نسف الاستقرار

طوال فترة حكم التنظيم التي استمرت نحو ثلاثين عاماً، لم ينعم السودان بأي استقرار، فبعد حرب الجنوب التي استمرت حتى انفصال دولة جنوب السودان وفقاً لاتفاقية 2005، اشتعلت حروب أخرى في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، بشعارات غلب عليها الفكر الجهادي الإخواني، الأمر الذي أحدث دماراً هائلاً في البنية الاقتصادية والأمنية، وتهتّكاً خطيراً في النسيج الاجتماعي، دفع الملايين إلى معسكرات النزوح واللجوء.

وفقاً لخالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف صمود، فإن واحدة من أبرز أسباب دوامة الحروب، وحالة عدم الاستقرار المستمرة في البلاد لعقود من الزمان هي حكم العسكر ونفوذ تنظيم الإخوان داخل الجيش. ويوضح: “يؤثر نفوذ تنظيم الإخوان بشكل كبير على قومية المؤسسة العسكرية، كما تسبب في تفشي ظاهرة تعدد المليشيات التي أضرت كثيراً بالأمن القومي”.

ويشير يوسف إلى أن أي جهود لجلب الاستقرار للسودان لا بد أن تمر عبر تفكيك سيطرة تنظيم الإخوان على مفاصل الدولة، ويقول: “عزل جماعة الإخوان وتجريدها من أدواتها التخريبية شرط أساسي لاستقرار السودان”.

عقيدة مدمرة

يرى مراقبون، أن عقيدة الإخوان التي تُرسّخ العنف والإخلال بالعدالة، شكّلت خطراً مفاهيمياً هدّد جيلاً بأكمله. وبفعل السلوك الدموي للجماعة، والاحتفاء بالحروب، تربّى هؤلاء على رؤية الجثث والانتهاكات.

دَأب التنظيم، عبر برامج تبث في التلفزيون القومي، على الترويج للحرب وإشاعة ثقافة القتل تحت شعارات “جهادية”. ويُعبّر عن هذا الواقع البرلماني والوزير الأسبق مهدي خليفة، بالقول: “حين تُصوَّر وتُعرَض الجرائم على الشاشات، ويتم تداول فيديوهات القتل بشكل واسع، تُصاب المجتمعات بالخدر”. ويردف: “عندما تُمجِّد القنوات الرسمية الأغاني التي تدعو للعنف والقتل، فإنها تجعل من القاتل، لا الطبيب أو المعلم أو المفكر، بطلاً وقدوةً للأجيال الناشئة”.

يضيف خليفة، بأن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الحالية، بما في ذلك إبادة الآلاف من سكان الجزيرة ودارفور، ليست مجرّد أحداث عابرة، بل هي عرض عميق لمرض وطني مُستفحل يتمثل في الاحتفاء بالقاتل”.

لقد شجع غياب العدالة الناجم عن تمكين عناصر الإخوان في الأجهزة العدلية على ارتكاب المزيد من الجرائم، كتلك التي ارتُكبت بعد سقوط نظام الإخوان بثورة شعبية في إبريل/نيسان 2019.

في هذا الجانب، يُوضح خليفة، بأن التنظيم سمح لعناصره في المؤسسات العدلية والعسكرية بحماية قيادات الإخوان المطلوبة للمحكمة الجنائية، بمن فيهم البشير ومساعديه، لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب دارفور التي اندلعت في 2003، كما سمح بإفلات قتلة مئات الثوار في ميدان الاعتصام من المحاسبة”.

عزلة دولية

تُجسد العزلة الدولية التي دخل فيها السودان لأكثر من 27 عاماً، والتي خسر اقتصاد البلاد خلالها ما يقدر بـ 700 مليار دولار، واحدة من أبرز إفرازات الارتباط العضوي بين تنظيم الإخوان والجيش.

وبغطاء كامل من المؤسسة العسكرية، فتح التنظيم أراضي السودان على مصراعيها أمام عناصر مجموعات متطرفة، بدءاً من استضافة مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في العام 1991، وفتح معسكرات تدريب له شكلت الأساس لإطلاق أنشطته الإرهابية حول العالم لاحقاً، ومروراً بإيواء عناصر متطرفة من عدد من البلدان العربية، ومنحها جوازات سفر سودانية مكنتها من التحرك بحرية وتنفيذ أعمال إرهابية كبيرة استهدفت الأمن والاستقرار الدولي، مثل تفجير سفارات الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في العام 1998، والبارجة “يو اس كول” قرب شواطئ اليمن في العام 2000، إضافة الى محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في العام 1995.

على الرغم من نجاح الحكومة المدنية بقيادة عبدالله حمدوك في إقناع أمريكا بازالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد تسلمها السلطة في الربع الأخير من 2019، إلا أن العزلة على السودان عادت مجدداً بسبب عودة التحالف بين العسكر وتنظيم الإخوان، بعد انقلاب عبد الفتاح البرهان على حكومة حمدوك في أكتوبر/تشرين الأول 2021.

تأزيم المشهد

بحسب محللين، تتسبب العلاقة الترابطية بين الجيش وتنظيم الإخوان في تأزيم المشهد الحالي في البلاد بشكل كبير، وتُفاقم من الخسائر الكبيرة التي تحملتها البلاد على مدى العقود السابقة.

يُتهم تنظيم الإخوان بإشعال الحرب الحالية صبيحة الخامس عشر من إبريل/نيسان 2023، مستغلاً نفوذه القوي داخل الجيش، كما تُتهم قيادات التنظيم بالضغط على قادة الجيش لمنعهم من القبول بأي حلول سلمية، ما أدى إلى إفشال 10 مبادرات دولية واقليمية، وتعثّر خطة المجموعة الرباعية الحالية.

من وجهة نظر الباحث والمحلل السياسي إبراهيم برسي، فإن الارتباط العضوي الكبير بين الجيش والإخوان عقّد المشهد الحالي بشكل كبير. ويشرح وجهة نظره هذه بالقول: “يعيش الجيش المختطف من تنظيم الإخوان تحت ضغوط متناقضة… خلال الحرب الحالية يقف قائده عبدالفتاح البرهان، لا بوصفه قائداً جامعاً، بل مراوغاً يحاول النجاة من الضغوط، ويسعى لأن يحكم بأي ثمن، ولو بتحويل الحرب إلى ورقة مساومة. فيقدم نفسه للعالم كضامن للاستقرار، وللتنظيم كدرع يحمي مشروعها من الانهيار”.

كما يشير برسي إلى التداعيات الخطيرة الناجمة عن العلاقة الترابطية التاريخية المستمرة لأكثر من 35 عاماً، ويوضح: “حوَّل تنظيم الإخوان الحرب، من شأن عسكري إلى حرب أيديولوجية تعبوية، استدعت أدوات التعبئة الدينية والقبلية لتغطية عجز المؤسسة العسكرية”.