مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

الاختراق الناعم (1-6)

كيف توظف “جماعة الإخوان” الواجهات البحثية والفكرية لإحياء التنظيم الدولي؟

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

بجانب الاعتماد على الأذرع الحركية والسياسية والإعلامية والحقوقية في إعادة إنتاج نفوذها الإقليمي والدولي، اتجهت جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع حضورها داخل ما يمكن تسميته بـ”المجال الأكاديمي الموازي”، عبر إنشاء مراكز أبحاث، وأكاديميات تدريب، ومؤسسات فكرية وعلمية، ومجلات محكمة، ومؤتمرات دولية تحمل في ظاهرها الطابع الأكاديمي، بينما تمثل في كثير من الأحيان أدوات لإعادة بناء شبكات التنظيم الدولي وتوسيع دوائر التأثير الفكري والسياسي خارج الأطر التنظيمية التقليدية.

التحركات الإقليمية لـ”جماعة الإخوان” خلال الفترات الأخيرة تأتي في إطار حالة التراجع الذي شهدته منذ سقوط حكمها في مصر العام 2013، وما أعقب ذلك من حظر لأنشطتها التنظيمية في دول عربية عدة، الأمر الذي دفعها إلى تفعيل مجموعة من الاستراتيجيات التي تعيد من خلالها تموضعها التنظيمي، وفي مقدمة ذلك مسارات البحث العلمي والأكاديمي، في ظل أنه أقل إثارة للانتباه وأكثر قدرة على استقطاب النخب والباحثين.

في هذا السياق، اكتسب المؤتمر الذي عقد في مدينة إسطنبول خلال الفترة من 26 إلى 28 يونيو 2026، بعنوان “السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط” أهمية خاصة، ليس بسبب الإطار البحثي، وإنما بسبب طبيعة الجهات المنظمة والمشرفة على المؤتمر، والشبكات المشاركة فيه، والرسائل التي حملها، ما يثير تساؤلات حول محاولات توظيف المجال الأكاديمي كمنصة لإعادة تموضع شبكات مؤسسات التنظيم الدولي، وبناء دوائر نفوذ جديدة داخل البيئة البحثية العربية.

البديل التنظيمي

نُظِّم المؤتمر من خلال “أكاديمية العلاقات الدولية” ومقرها إسطنبول، و”مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية”، ومقره لندن، ويُعد المركز من أبرز الأبواق الأكاديمية والبحثية، حيث تتقاطع منصاته وفعالياته بشكل وثيق مع نشاط وأدبيات “جماعة الإخوان” وقياداتها المصريين الهاربين إلى الخارج، والمقيمين في أوروبا وتركيا، ويدير المركز القيادي عصام عبد الشافي، بجانب إدارته لـ”أكاديمية العلاقات الدولية”، ويعتبر المركز بوابة لكل الشخصيات المرتبطة بتوجهات الإسلام الحركي، ويطرح مختلف القضايا التي تعبر عن توجهات الجماعة وأهدافها الحركية والسياسية، ويدخل في شراكة مع عدد من المؤسسات الفاعلة في أوروبا والتابعة للتنظيم الدولي، مثل المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.

شارك في تنظيم المؤتمر عدد من المؤسسات الأخرى المرتبطة بشبكات الإسلام الحركي، مثل “مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية” في جامعة دمشق، و”جامعة إيبلا الخاصة” في إدلب بسوريا، و”مركز القرن الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات”، و”الأكاديمية الليبية للدراسات العليا” ومقرها غرب ليبيا، والتي لعبت دوراً في تدريب الكوادر في مناطق غرب ليبيا، كما وقعت عدداً من اتفاقات التعاون والتفاهم، من أبرزها اتفاقات مع جهاز التصنيع العسكري التابع لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب الليبي، وتعمل في مجالات الدراسات العليا، وتقديم الاستشارات الفنية، وإعداد الكوادر البحثية والعلمية، إلى جانب “الأكاديمية الدولية للعلوم الأمنية” ومقرها لندن، والتي تأسست في يناير 2020، وتعمل في مجالات التعليم والتدريب في العلوم الأمنية والعسكرية والعلوم السياسية، وتمنح درجات وشهادات مهنية متخصصة، وتحظى بشراكات مع عدد من الجامعات والمؤسسات الأوروبية والعربية، ويركز نشاطها على برامج الأمن السيبراني والدفاع الكيميائي وإدارة الأزمات، وترتبط الأكاديمية بصلات مع شخصيات ومؤسسات محسوبة على “تيار الإسلام الحركي” و”جماعة الإخوان”، مثل “أكاديمية العلاقات الدولية” في تركيا، و”مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية”. 

شبكة متداخلة

وتكشف خريطة الجهات المنظمة عن وجود شبكة من المؤسسات الحديثة نسبياً، موزعة بين تركيا وبريطانيا وسوريا وليبيا، وتتداخل فيما بينها عبر شراكات أكاديمية، أو عضوية مشتركة، أو شخصيات قيادية متكررة، خصوصاً في ظل مشاركة كل من الإخواني الهارب، عصام عبد الشافي، مدير أكاديمية العلاقات الدولية في إسطنبول، وخالد الشريف، عضو الجماعة الإسلامية الهارب، والمستشار الإعلامي السابق لحزب البناء والتنمية، ومحمود لملوم، رئيس الأكاديمية الدولية لإعداد القادة في تركيا، وشعبان عبد الرحمن، مؤسس مركز إنسان للدراسات الإعلامية.

وعلى الرغم من أن المؤتمر حمل عنواناً يتعلق بالسياسات الصينية في الشرق الأوسط، فإن مراجعة محاوره تكشف أن بعض الموضوعات المطروحة تجاوزت الإطار الأكاديمي البحت، خصوصاً مع تخصيص جلسات وورش عمل حول “قضية الإيغور” و”القضية الفلسطينية”، وهما من الملفات التي وظفتها “جماعة الإخوان” في الهيمنة على الشارع العربي عبر التلاعب بالمشاعر الدينية والإنسانية.

كما أن اختيار إسطنبول مقراً لانعقاد المؤتمر يحمل دلالة إضافية، في ظل استمرار احتضان المدينة لعدد من الشخصيات والمؤسسات المرتبطة بـ”جماعة الإخوان”، والتي أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أهم مراكز النشاط الحركي والإعلامي للتنظيم الدولي خارج المنطقة العربية، على الرغم من حالة التفاهمات القائمة بين القاهرة وأنقرة حول تجفيف منابع الجماعة وعدم تحويلها إلى ساحة لاستمرار النشاط الإخواني.

قراءة تحركات “جماعة الإخوان” لا ينبغي أن تقتصر على ظاهرها الأكاديمي، بل تستوجب تفكيك هذه البنية المؤسسية، ورصد مصادر تمويلها، وتحليل شبكاتها البشرية والفكرية، إذ إن المعركة مع التنظيمات الأيديولوجية لم تعد تُدار فقط في ساحات السياسة أو الأمن، بل أصبحت تمتد إلى مراكز الدراسات ومنصات إنتاج الفكر والمعرفة، حيث تسعى تلك التنظيمات إلى إعادة هندسة الوعي، وصناعة أجيال جديدة تحت غطاء العمل الأكاديمي.