مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

الإخوان وإعادة التموضع (2-2)

كيف تعيد “الجماعة” إنتاج النفوذ داخل المجتمعات الأوروبية من بوابة هولندا؟

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

تأتي إعادة رسم “جماعة الإخوان” لخرائط انتشارها في القارة الأوروبية، والانتقال من صيغة التنظيم التقليدي المكشوف إلى الواجهات المدنية والسياسية الأكثر مرونة، كخطوة استراتيجية تتصدرها الحالة الهولندية باعتبارها إحدى أبرز ساحات هذا التموضع الجديد؛ إذ لا يبدو اختيار هولندا قراراً عابراً فرضته المتغيرات الأمنية الفجائية، بل يمثل جزءاً من رؤية بعيدة المدى تستند إلى بيئة مؤسسية شيدتها الجماعة على مدى عقود عبر شبكة معقدة من المراكز الإسلامية، والمؤسسات الاقتصادية، والجمعيات الخيرية، والروابط السياسية التي وفرت لها هوامش واسعة لإنتاج النفوذ وتدويره.

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء ما طرحته حركة “ميدان” من فتح مكتب لها في هولندا، على لسان المتحدث الرسمي، الإخواني الملاحق عمرو طلعت، في وقت تتحرك فيه الحكومات الأوروبية لتحجيم نشاط الجماعة في الخارج، وسقوط عدد من قياداتها وتسليمهم إلى القاهرة. 

كل ذلك دفعها إلى البحث عن أدوات جديدة للحفاظ على حضورها في العمق الأوروبي بعيداً عن الأطر التنظيمية التقليدية، في ظل بنية ضخمة من المؤسسات الفاعلة في الداخل الهولندي تم تشكلها منذ تسعينيات القرن الماضي، جمعت بين النشاط الديني، والاستثماري، والعمل السياسي، والكيانات الفكرية، بما يجعلها بيئة مناسبة لإعادة التموضع في مرحلة تتزايد فيها القيود القانونية والرقابة الأمنية على أنشطة الجماعة في القارة الأوروبية.

التمويل العقاري

أحد أبرز ملامح التجربة الهولندية يتمثل في توظيف العقارات كأداة لبناء النفوذ التنظيمي طويل الأجل، فبدلاً من الاكتفاء بإدارة المساجد، اتجهت الجماعة إلى امتلاك الأصول العقارية عبر مؤسسات تمويلية مرتبطة بشبكة “الإخوان” في أوروبا، بما يضمن استمرار السيطرة والهيمنة على مختلف المؤسسات والمراكز الإسلامية في الداخل الهولندي.

يضاف إلى ذلك أن الجماعة استفادت من التمويلات الخارجية التي ساعدت في إنشاء عدد من المراكز الإسلامية، وهو ما دفع البرلمان الهولندي وأجهزة الأمن لاحقًا إلى فتح نقاش واسع حول تأثير التمويل الأجنبي على استقلال المؤسسات الدينية، وإمكانية استغلاله في نشر الخطابات الأيديولوجية المتطرفة.

اختراق المجال السياسي

لم تكتف الجماعة بالعمل الدعوي أو المجتمعي، بل سعت إلى بناء حضور سياسي تدريجي عبر دعم شخصيات محلية، والانخراط في أحزاب قائمة، ثم المساهمة في تأسيس كيانات سياسية تمثل قطاعات من الجاليات المسلمة، وقد شهدت السنوات الماضية صعود عدد من الشخصيات المحسوبة على “جماعة الإخوان” داخل المجالس المحلية، وبعض الأحزاب السياسية، مستفيدة من علاقات ممتدة مع دوائر اليسار الهولندي، الأمر الذي منح الجماعة نافذة للتأثير في بعض الملفات المتعلقة بالهجرة، والاندماج، والحريات الدينية.

تكشف هذه التجارب السياسية عن انتقال “جماعة الإخوان” من نموذج “العمل الاجتماعي” إلى نموذج “شبكة النفوذ” و”المصالح المعقدة”، التي تتوزع بين العمل المدني، والسياسي، والإعلامي، والاقتصادي، بما يخدم أهداف التنظيم الدولي بشكل غير مباشر.

فقد لعب القيادي في التنظيم الدولي إبراهيم الزيات، دوراً كبيراً في ترسيخ وجود المؤسسات التابعة للتنظيم الدولي في هولندا، إذ شغل منصب “سكرتير شركة تعمير المساجد في هولندا”، ومنصباً في مجلس إدارة شركة (slm) للاستثمار العقاري التي تمول بناء المساجد في أوروبا، بالشراكة مع منظمة “ميلي غوروش” التركية.

اليقظة الأمنية

أبدت السلطات الهولندية اهتماماً كبيراً بمراقبة تحركات “جماعة الإخوان”، وكتبت أجهزة الأمن الهولندية في تقييمها، أن الجماعة “تحاول تمهيد الطريق للفكر المتشدد للعب دور أكبر في العالم الغربي من خلال ممارسة التأثير الديني على الجاليات العربية والإسلامية، وتوثيق علاقاتها بدوائر صنع القرار من السياسيين وموظفي الخدمة المدنية والمنظمات الاجتماعية، ورجال الدين والأكاديميين والصحافيين”. 

التقييم الأمني الذي جرى تقديمه للبرلمان لمحاولة حظر نشاط الجماعة في مارس 2026، ذكر أنها تعمل من خلال هيكل سري، وغطاء علني من المنظمات، وتملك تأثيراً محدوداً لكنه متنام في هولندا، وأنها تمارس النشاط تحت اسم “رابطة المجتمع المسلم” التي أسسها في لاهاي “يحيى بوياف” المغربي الأصل في العام 1996. وتضم الرابطة عدة منظمات منها على وجه الخصوص “مؤسسة اليوروب تراست نيديرلاند” (ETN)، و”المعهد الهولندي للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية”، و”مركز السلام الإسلامي الثقافي”، و”مركز الوسطية”، وفي أمستردام تمتلك “المسجد الأزرق”، و”الحزب الإسلامي الإقليمي” (Nida)، الذي حصل على مقعدين في البرلمان الهولندي، وحزب “Denk Denk”، الذي حقق أربعة مقاعد في أول مشاركة له في الانتخابات.

وتبنت هولندا استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب للفترة (2022- 2026) بالتنسيق بين الوكالات الاستخباراتية والأجهزة الأمنية، لمحاربة التطرف مجتمعياً من الداخل، ورصد كافة حالات التطرف. وتتولى وحدة الاستخبارات المالية الهولندية مكافحة غسيل الأموال وفقاً لقوانين منع تمويل الإرهاب، كما قررت وزيرة التعاون الإنمائي الهولندية، في 16 يونيو 2022، وقف الدعم المالي الذي تقدمه إلى منظمة “الإغاثة الإسلامية العالمية”، بعد تقارير إعلامية مقلقة عن علاقات المنظمة بـ”جماعة الإخوان”.

الشبكات المرنة

تكشف التجربة الهولندية عن أحد أهم التحركات التي يشهدها “الإخوان” خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة في الانتقال من التنظيم الهرمي التقليدي إلى نموذج الشبكات المتعددة، أو التيار الفكري العام من خلال المؤسسات الفكرية والثقافية، ومن خلال الاستقطاب الفكري وليس التجنيد التنظيمي. لاسيما أن الجماعة تتجه حالياً نحو الاستثمار بصورة أكبر في الواجهات الفكرية والأكاديمية، والمنظمات المدنية، والمبادرات الشبابية، باعتبارها أدوات أقل إثارة للانتباه وأكثر قدرة على إعادة إنتاج النفوذ داخل المجتمعات الأوروبية.