تواجه كندا مرحلة متزايدة الحساسية من التدقيق الأمني والسياسي، في ظل تصاعد التحذيرات المرتبطة بنشاط شبكات الإسلام السياسي داخل بعض مؤسسات المجتمع المدني وبعض الهياكل التنظيمية التي استفادت لعقود من بيئة التعددية الثقافية والانفتاح التي تميّز النموذج الكندي. الدولة التي طالما قُدّمت بوصفها نموذجاً ناجحاً في استيعاب المهاجرين واللاجئين تجد نفسها اليوم أمام أسئلة متنامية بشأن قدرتها على حماية أمنها القومي، ومنع استغلال منظومتها الديمقراطية من قبل حركات أيديولوجية عابرة للحدود.
تزامنت هذه التحولات مع حالة استقطاب سياسي واجتماعي شهدتها كندا عقب الحرب في غزة، إذ انتقلت تداعيات الصراع الشرق أوسطي إلى الشارع الكندي عبر احتجاجات واسعة وسجالات سياسية وإعلامية حادة. وفي هذا السياق، أبدت الأجهزة الأمنية اهتماماً متزايداً بمتابعة أنشطة الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي، وسط مخاوف من استغلال التوترات الإقليمية لتعزيز النفوذ التنظيمي والتعبوي داخل بعض الجاليات المسلمة.
وتشير بيانات صادرة عن مؤسسات بحثية وأمنية كندية إلى ارتفاع ملحوظ في مؤشرات التطرف والجرائم ذات الدوافع الأيديولوجية خلال العامين الأخيرين. كما حذرت تقارير منسوبة إلى جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي من تنامي أنشطة شبكات تسعى إلى التأثير في المجال العام عبر واجهات اجتماعية وتعليمية وخيرية، ما دفع عدداً من الخبراء إلى وصف كندا بأنها أصبحت إحدى أكثر الساحات الغربية عرضة لاختبارات التغلغل الأيديولوجي الناعم.
خاصرة أمريكا الشمالية
تتجاوز المخاوف الحدود الكندية لتصل إلى دوائر الأمن القومي في الولايات المتحدة، حيث تنظر واشنطن إلى الأمن الكندي باعتباره جزءاً من منظومة أمنية مشتركة في أمريكا الشمالية. ومن هذا المنطلق، تتابع المؤسسات الأمريكية بقلق أي ثغرات محتملة في أنظمة الهجرة واللجوء يمكن أن تستغلها شبكات متطرفة أو جماعات مرتبطة بالإسلام السياسي.
وزادت هذه المخاوف بعد صدور تقرير لمعهد “سي دي هاو” كشف أن مجلس الهجرة واللاجئين الكندي وافق على عشرات الآلاف من طلبات اللجوء خلال السنوات الأخيرة من دون إجراء مقابلات شخصية مباشرة مع المتقدمين، مكتفياً بمراجعات مكتبية للملفات. ويرى منتقدو هذه الآلية أنها تضعف فعالية عمليات التدقيق الأمني، إذ تحرم الجهات المختصة من فرصة اختبار مصداقية المعلومات والكشف عن التناقضات أو المؤشرات التي قد تستدعي مزيداً من التحقيق.
يأتي ذلك في وقت تواجه كندا ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين، الأمر الذي فرض أعباء كبيرة على المؤسسات الإدارية والأمنية المختصة. ليفوق هذا التوسع السريع في برامج الاستقبال قدرة الدولة أحياناً على تطوير آليات الفرز والرقابة بالوتيرة نفسها.
استراتيجية التغلغل الناعم
تركز كثير من النقاشات الأمنية الغربية على مفهوم “الجهاد الحضاري”، وهو مصطلح ارتبط بوثائق داخلية نُسبت إلى “جماعة الإخوان المسلمين”، وكُشف عنها خلال محاكمات أمريكية سابقة. تصف تلك الوثائق مشروعاً طويل الأمد يقوم على التغلغل التدريجي داخل المؤسسات المدنية والتعليمية والاجتماعية بهدف التأثير في المجتمعات الغربية من الداخل، وتوجيه النقاشات السياسية والثقافية بما يخدم الأهداف الأيديولوجية للجماعة.
وتستند هذه المقاربة إلى العمل عبر الجمعيات الخيرية والمؤسسات المجتمعية والهيئات الطلابية والمنظمات الحقوقية، مع تجنّب المواجهة المباشرة مع الدولة واعتماد أساليب أكثر هدوءاً وتأثيراً على المدى الطويل. وقد دفعت هذه المخاوف عدداً من الحكومات الأوروبية إلى مراجعة سياساتها تجاه “جماعة الإخوان المسلمين”، فيما صدرت تقارير رسمية في فرنسا ودول أوروبية أخرى تحذر من أساليب سياسات الاختراق التدريجي للمؤسسات العامة.
لا تكمن خطورة هذه الاستراتيجية في النشاط الدعوي أو الديني بحدّ ذاته، بل في توظيف البنى الديمقراطية والمؤسسات المفتوحة لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية بعيدة المدى تحت غطاء العمل المدني أو المجتمعي.
التمويل والنفوذ المؤسسي
تتصدر “الجمعية الإسلامية الكندية” واجهة الجدل الدائر حول هذا الملف. فهي من أكبر المؤسسات الإسلامية في البلاد، وتدير شبكة واسعة من المدارس والمراكز المجتمعية. كما تربط دراسات متخصصة في شؤون الإسلام السياسي بين عدد من قيادات المنظمة والمرجعيات الفكرية لـ”جماعة الإخوان المسلمين”، معتبرة أن كثيراً من الأدبيات والخطابات المتداولة داخلها تعكس امتداداً للرؤية “الإخوانية” بصيغ تتكيف مع البيئة السياسية الغربية.
إلا أن الجدل لم يقتصر على البعد الفكري، بل امتد إلى ملف التمويل الحكومي. فقد حصلت منظمات إسلامية عدة خلال السنوات الماضية على ملايين الدولارات من برامج الدعم العامة، بما في ذلك برامج حماية دور العبادة والمنشآت المجتمعية. وأثار ذلك نقاشاً سياسياً واسعاً حول معايير الرقابة وآليات منح التمويل ومدى كفاية إجراءات التدقيق في خلفيات الجهات المستفيدة.
كما دفعت هذه التطورات بعض الأحزاب والتيارات السياسية إلى المطالبة بإعادة تقييم الإطار القانوني المنظم للعمل الخيري والديني، بما يضمن منع استغلال الأموال العامة في تعزيز نفوذ جماعات ذات أجندات سياسية أو أيديولوجية تتعارض مع قيم الدولة الديمقراطية.
بين أوروبا وكندا
في الوقت الذي اتجهت فيه دول أوروبية عدة إلى تشديد الرقابة على شبكات “الإخوان المسلمين” واتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المنظمات المرتبطة بها، لا تزال كندا تعتمد مقاربة أكثر حذراً تقوم على المتابعة الإدارية والرقابة المالية بدلاً من الحظر المباشر.
غير أن الضغوط السياسية والأمنية المتزايدة قد تدفع أوتاوا إلى مراجعة هذه المقاربة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع استمرار التحذيرات الصادرة عن مراكز الأبحاث والأجهزة الأمنية وشركاء كندا الدوليين. فالمعادلة المطروحة اليوم لا تتعلق بحرية الدين أو حقوق الأقليات، بل بقدرة الدولة على الفصل بين الممارسة الدينية المشروعة وبين النشاط الأيديولوجي المنظم الذي يسعى إلى توظيف الانفتاح الديمقراطي لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز الإطار الوطني.
تقف كندا أمام اختبار معقّد يجمع بين ضرورات حماية الأمن القومي والحفاظ على قيم التعددية والانفتاح التي قامت عليها الدولة الحديثة. وبينما يبقى احترام الحريات الدينية والمدنية ركناً أساساً في النموذج الكندي، تتزايد الدعوات إلى اعتماد مقاربة أكثر صرامة تجاه شبكات الإسلام السياسي، وعلى رأسها “جماعة الإخوان المسلمين”، لمنع استغلال المؤسسات الديمقراطية والأنظمة الخيرية وتلك الخاصة بالهجرة في بناء نفوذ سياسي وأيديولوجي طويل الأمد. وفي حال ماطلت الحكومة في تأجيل الحسم أو الاكتفاء بإجراءات محدودة، فقد تجد نفسها أمام تحديات أمنية وسياسية متراكمة قد تؤثر في استقرارها الداخلي وفي مستوى الثقة الأمنية المتبادلة مع حلفائها الغربيين.















