القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

كوكب الشرق

كتاب جديد لمحمد الباز يكشف “شيفرة” الاقتراب من أم كلثوم.. في فيلم أو لوحة أو حتى قصيدة

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

“عندما نقول الست، لا نحتاج إلى بحث عمن تكون، فهي تفسر نفسها بنفسها، وتقدم ذاتها على غيرها من الذوات.. هى الست التي حجزت لأسطورتها مقعدًا في مسرح الخالدين، لم تنتهِ بموتها، بل تتجدد كل يوم عبر نغمات صوتها.. لا تحتاج لمن يمنحها قيمة، فهى من تمنح القيمة.. من يقترب منها يحظى بشىء مما حظيت به، ومن يحاول أن يدخل قدس أقداسها بما لا يليق بها تُصيبه لعنتها، فيظل يعانى دون أمل فى شفاء، أو رجاء فى علاج”!!

بهذه الكلمات الحاسمة، والغارقة  “لشوشتها” في المحبة، يُصدر الكاتب الصحفي والإعلامي الدكتور محمد الباز كتابه الأحدث “لعنة الست.. أم كلثوم.. وجوه أخرى” والصادر عن “مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية”، ليكشف عن واحد من أهم أسرار رحلة الاقتراب من سيرة حياة المطربة الأكثر حضورًا في الوجدان العربي، وما تمثله في قلوب وعقول المصريين على اختلاف أطيافهم وميولهم وامزجتهم وطبقاتهم الاجتماعية والثقافية.. 

صاحبة اللعنة.. لا تخترق أسوار الست حتى لا تحترق”

أم كلثوم كما في عنوان الفصل الأول هي “صاحبة اللعنة.. لا تخترق أسوار الست حتى لا تحترق”، وهي كما في الصفحات الأولى “من يحبون الست لا يقبلون عليها ولو بمجرد كلمة عابرة، ولا تصفو نفوسهم لمن يفعلها.. أبدا”، كما أنها في المحصلة الأخيرة لما يريد المؤلف استخلاصه “هذه امرأة صنعت من نفسها معجزة عابرة للعصور، فكان من حقها على معجبيها أن يقدسوها، ويضعونها في موضع لا ينال منه أحد”.

لا أحد يصدق في “الست” أي شيء، ولو شاهده بأم العين، ولسان حالهم في ذلك يتبع كلمات أغنياتها، من “وما أنا بالمصدق فيك قولًا” في “ثورة الشك”، إلى “أصدق كل كلمة قلتهالي، واكدب في هواك ظني وعنيا”، رد مؤلف الكتاب على صديقه المخرج التليفزيوني في القصة التي ننقلها كما يرويها في السطور التالية.. وأغلب ظني أن هذا الكتاب تأخر صدوره، إذ ربما لو صدر قبل سنوات بعيدة، لما وقع كثير من المبدعين والفنانين في مرمى لعنات الست، ولجنبتهم قراءته الهجرة إلى مواقع النسيان، والسقوط كضحايا للهجوم والرفض من عموم المصريين وكثير من هواة الطرب والعشاق العرب الذين أحبوها، وعاشوا على نغماتها، وسحر صوتها.. فهو يؤسس لفرضية قابلة للاحتمال.

ربما كانت “لعنة الست” هي السبب في فشل كثير من الأعمال التي تناولت مسيرتها، بدءاً من فيلم “كوكب الشرق” الذي أنتجه قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون بالمشاركة مع المخرج الكبير محمد فاضل، وقامت بدورها فيه النجمة فردوس عبدالحميد، وحتى فيلم “الست” الذي بدأ عرضه قبل عدة أشهر للمخرج مروان حامد، مرورًا بكثير من المحاولات التي ربما لا يذكرها أحد، لمجرد أنها تخلت عن وجه المحب، العاشق، ولو تحلت بأقنعة الموضوعية والحياد والأمانة التاريخية، وغيرها من المسميات التي لا تراها ولا تعترف بها “لعنة الست”، ولا يصدقها عموم المصريين وهواة الطرب.

وما أنا بالمصدق فيك قولا

حاول كثيرون فك شفرة تلك الهالة التي تحيط بأم كلثوم، وتمنع عنها كل سوء، وهي الشفرة التي يلخصها الدكتور محمد الباز في مشهد حقيقي وواقعي ودال يبدأ به كتابه الذي يقع في 354 صفحة من القطع المتوسط، ويقول فيه: على صفحته في “فيسبوك” كتب أحد العابرين: هل معقول أن تقول الست أم كلثوم لواحد من جمهورها “إخرس يا قليل الأدب”؟!

توالت التعليقات على السؤال، ومن بينها لمحتُ تعليقًا غاضبًا من مخرج تليفزيوني شهير، ينفي أن تكون الست فعلت ذلك، ووجّه شتائم عنيفة لمن طرح السؤال، واتهمه بأنه لا يعرف الست، وعليه أن يتأدب وهو يتحدث عنها.. تواصلتُ مع المخرج الذي كان صديقي، وقلت له: “أم كلثوم قالت ذلك بالفعل”، وقبل أن يعترض، بدأت أحكي له ما جرى، ففي 19 مارس 1969 كانت السيدة أم كلثوم تقدم حفلتها في ليبيا ضمن حفلات المجهود الحربي، وبينما تشدو برائعة “بعيد عنك”، وتعيد في مقاطعها وهي في قمة السلطنة، منتشية بتصفيق الجمهور، هتف واحد من مستمعيها: “عيدي.. يا مَرة، عيدي”.

D.R

التفتت أم كلثوم إلى صاحب الهتاف الذي اعتبرته بذيئاً وخارجاً عن حدود اللياقة، بالرغم من أنه بالنسبة لأهل ليبيا عادي جدًا، وقالت له: “إخرس يا قليل الأدب”.

أنصت صديقي المخرج إلى ما قلته ولم يعلق، وبعد صمت طال، قال لي: “لا أصدق أن تكون الست فعلت ذلك”.. أرسلت له تسجيلًا للحفل على “اليوتيوب”، وقلت له: “اسمع بنفسك”.. وبعد ما يقرب من سبع دقائق، عاد إليّ وقال: “ولو.. أنا لا أصدق أن الست فعلتها”.

ضحكت وأنا أقول له: أنت تتعامل مع الست بمبدأ “وأصدق كل كلمة قولتها لي.. وأكذب في هواك ظني وعينيا”.

ويختتم الباز قصته بهذا التعليق الذي يقول فيه: “يبدو لي بعد كل هذه السنين أن كثيرون يتعاملون مع أم كلثوم بهذا المبدأ نفسه، وأغلب هؤلاء فيما أعتقد يعرفون أم كلثوم المطربة فقط، أما كيف كانت حياتها، وكيف عاشت؟ وكيف تعاملت مع الناس؟ وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه حتى أصبحت أسطورة عابرة للأجيال؟ فهم لا يعرفون شيئًا عن ذلك، وهذا ما يجعلهم يرفضون أي مساس بها”.

تجارب سابقة.. بركات الست ولعناتها

إلى هنا تنتهي قصة الباز وصديقه المخرج الكبير، لتبدأ رحلته في البحث “عن اللحظة التي تحولت فيها أم كلثوم في حياتنا الفكرية والفنية إلى ذاتٍ مصونة، لا يقترب منها أحد، لا بنقد ولا حتى عتاب.. كيف استطاعت هذه السيدة أن تصنع من نفسها كيانًا فوق القياس أو التقييم؟ كيف أصبحت في حياتنا من المقدسات التي يعتبر مجرد عدم الإعجاب بما تقدمه كفرًا بالنعمة والموهبة”؟!

الكتاب يستعرض كثير من الأعمال الفنية والأدبية التي حاولت الاقتراب من “كوكب الست”، فأصابتها الشُهب واللعنات، والسقوط في مجاهل النسيان، وأخرى انطلقت من محبتها فكان نصيبها الشهرة والبقاء والنيل من بركات الست.. أعمال سينمائية وتليفزيونية، مقالات وكتب ومسرحيات، وحتى قصائد شعرية، يقول الدكتور محمد الباز: “لديّ قاعدة أقيس عليها أى عمل يتعرض لحياة أم كلثوم، أو حتى يستلهمها، وهذه القاعدة تقول إن من يتعامل مع كوكب الشرق بما يليق بمقامها ومكانتها تمنحه بركتها، ومن يدخل إليها من زاوية الإهانة أو الاستهانة بها أو الانتقاص من قدرها، أو لا يعمل بإخلاص فى محرابها، فإن لعنتها تصيبه، فالست لها لعنة لا تقل ضراوة ولا قسوة عن لعنة الفراعنة”!!

ويضيف الباز: “كلامى لا خيال فيه، أتحدث بواقعية انطلاقًا من التجارب السابقة التي دخل أصحابها إلى قدس أقداس الست أم كلثوم، وهؤلاء أنتجوا أفلامًا ومسلسلات وكتبًا وروايات، وكل منهم جنى ما زرعت يداه”.

أم كلثوم.. فى الحقيقة والمسلسل التليفزيوني

على الشاشات الصغيرة والكبيرة، تلفزيون وسينما، ومن بين كل الأعمال التى اقتربت منها، لم يفز إلا مسلسل “أم كلثوم” الذى كتبه محفوظ عبد الرحمن، وعرضه التليفزيون المصري عام 1999، منحت أم كلثوم صناع المسلسل من حظها ونصيبها في الحياة، فحققوا نجاحًا هائلًا، ولا يختلف اثنان على أن هذا المسلسل هو أفضل ما تم تقديمه عنها، حتى الذين لم يعجبهم لا يجاهرون بذلك، ربما لأن المزاج العام يفضله وينحاز إليه.. 

ربما اتهم كثيرون المسلسل بأنه لم يكن واقعيًا، وتعامل مع أم كلثوم وكأنها من الملائكة، فلا أخطاء فى حياتها، ولا عثرات ولا سقطات، ومنها ما كتبه الكاتب الكبير جلال أمين في مقاله “أم كلثوم.. فى الحقيقة والمسلسل التليفزيوني” الذى نشره فى عدد فبراير 2000 من مجلة “الهلال”، وبرغم أهمية المقال والرؤية التي طرحها، طواه النسيان، ولا يذكره أحد.

“كوكب الشرق”

شىء من هذا لم يتحقق لفيلم “كوكب الشرق” الذي كتبه إبراهيم الموجى، وعرض فى السينما في العام نفسه، وتم سحبه من قاعات العرض بعد يوم واحد من نزوله، في سابقة أولى من نوعها فى تاريخ السينما المصرية، وقتها أعلن محمد فاضل أنه سحب الفيلم لاستكمال الدعاية وترجمة بعض جمل الحوار التي وردت بالفرنسية، لكن المسؤولين عن دور العرض أعلنوا أن السبب الحقيقى هو تدني الإيرادات إلى أقصى درجة 

D.R

ويقول الباز: “يمكنك أن تعتبر ما جرى لفيلم فاضل وفردوس عبدالحميد مجرد سوء حظ، لكن من زاويتى أرى أنه كان تطبيقًا عمليًا للعنة أم كلثوم التى حلت على الفيلم الذى تعامل معها بما لا يليق، إذ تعرض لفترة محددة من حياتها، وكان تركيزه الأساسي على العلاقات العاطفية غير المكتملة، بدت فيه سيدة غير ناضجة، تسير خلف عواطفها دون تفكير، ورغم أن صناع الفيلم حاولوا التأكيد على أنهم تحروا الدقة فيما يتعلق بـ غراميات أم كلثوم، فإن كثيرين شككوا فيما قالوا، ولم يقبل الجمهور الصورة التي تم تقديم مطربتهم الخالدة بها، ففشل الفيلم فى دور العرض، وفشل أيضًا عندما عرضته القنوات الفضائية، ولا يكاد أحد يذكره لا بالخير ولا بالشر، وكأنها رسالة من أم كلثوم لمن يتناولون سيرتها، بأنها لن تترك أحدًا يعبث معها.. أو بها”.

بين “العندليب” و”الحرب العالمية الثالثة”

توالى ظهور شخصية أم كلثوم فى أعمال درامية تليفزيونية وسينمائية، فى فيلم “حليم” الذي لعب بطولته أحمد زكى، فى مسلسل “العندليب”، ومرت مرورًا عابرًا فى العملين، إذ لم يكن هناك تركيز عليها فبادلت العاملين إهمالًا بإهمال، لكن لعنتها أصابت فيلم “الحرب العالمية الثالثة” الذى قدمه الثلاثى أحمد فهمى وشيكو وهشام ماجد عام 2014، حيث ظهرت كتمثال من تماثيل المتحف التي تعود إلى الحياة، وقادت طبيعة الفيلم الساخرة إلى السخرية من أم كلثوم على لسان بطل الفيلم الذى وصفها بأنها “ست مملة”.

ويقول الباز: “رغم نجاح الفيلم لجرأة فكرته، فإن أم كلثوم أخفت نفسها فيه تمامًا، ولا يكاد أحد يذكر ظهورها فيه، ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن لعنة الست أصابت الثلاثي الذي انفصل بعدها، ورغم أن هناك أسبابًا عديدة يقدمونها لانفصالهم، فإنني أميل إلى أن شيئًا من لعنة أم كلثوم أصابهم بسبب سخريتهم منها”.

“دايبين فى صوت الست”

وكما ظهرت أم كلثوم على شاشات التليفزيون والسينما، ظهرت على خشبة المسرح، للمرة الأولى في مسرحية “دايبين فى صوت الست”، التي كتبها مدحت العدل بطاقة فنية وشعرية، أنزل خلالها أم كلثوم المنزلة التى تستحقها، وقدمها بما يليق بها، فكان أن خرج مشاهدو المسرحية بطاقة نفسية وروحية هائلة، ومنهم من تحدث ممن حضروا العرض وقالوا إنهم كانوا يشعرون بأم كلثوم نفسها، وكأنها ترحب بهم وتستقبلهم في مدخل القاعة.

أما المرة الثانية فيقول الباز إنها “كانت في غاية الانحطاط والابتذال”، ففي واحدة من مسرحيات فرقة “مسرح مصر”، عنوانها “ميدان التاريخ”، خرج الممثل الهزلي “أوس أوس” ليقلد ام كلثوم، مرتديًا فستانها ونظارتها، وأمسك بمنديلها، وحرّف كلمات إحدى أغنياتها، فلم يقابل الجمهور هذه السخرية بضحكاته الهستيرية المعتادة، بويربط الباز، ضمن فرضيته الرمزية، بين هذا العرض وانتهاء تجربة الفرقة لاحقاً، من دون تقديم دليل على علاقة سببية بين الأمرين.

أيقونة فوق المساءلة

هكذا.. “جعل المتيّمون بأم كلثوم قديستهم فوق النقد، لأنهم في الغالب ينظرون إليها من جانب واحد، أو أنهم يعتقدون أنها تحمل وجهًا واحدًا، بالرغم من أنها في الحقيقة تحمل أكثر من وجه، لكل منها تفاصيله وملامحه وحكاياته وكواليسه وعيوبه وتناقضاته، وعثراته أيضًا.. أزاح العشاق كل وجوهها، وتمسكوا بوجه واحد، هو وجه المطربة التي لا تزال قادرة على إمتاعهم بما تغني، تعيش معهم قصص حبهم، تقتحم عليهم بداياتها، وتقدم لهم الحلول إذا ما تعثرت في مسيرتها، وتساندهم إذا ما انتهت حكاياتهم، فتُخرجهم منها سالمين وتدعمهم، أو حتى معطوبي القلب والروح، فتواسيهم.. نصّبوها على قلوبهم المرشد الأعلى للعواطف.. 

ولذلك فهم يمتنون لها للدرجة التي أصبحت معها لديهم كذاتٍ لا تُمَس، فهي الذات المصونة التي ليس من حق أحد أن يقترب منها إلا بما يليق بها.. وإلا فهو خصم لا يستحق الاحتفاء.. بل اللعنة ستكون من نصيبه، وهي لعنة تسهم فيها أم كلثوم بنصيب وافر.. هي لم تتسامح مع مَن أخطأوا في حقها وهي حية، وهي لا تغفر لمَن يفعل معها ذلك وهي ميتة.. إذا كان مَن يعشقونها يقرون أنها ميتة من الأساس”.