ليس من السهل الاقتراب من نص مسرحي بحجم “بيت برناردا ألبا” لفيديريكو غارسيا لوركا، أحد أشهر نصوص المسرح العالمي وأكثرها حضورًا على الخشبات منذ كتابته عام 1936. فكل قراءة جديدة تجد نفسها أمام سؤال صعب: هل تكتفي بإعادة إنتاج النص، أم تحاوره وتمنحه حياة أخرى؟
بهذا الرهان قدم المسرح الوطني الجزائري “محيي الدين باشطارزي”، السبت، عرضه الجديد “كاتمة”، الذي أخرجته آمال منيغياد انطلاقًا من الاقتباس الذي أنجزه الراحل علال المحب، في رؤية اختارت أن تصفها بكلمة واحدة “التأويل”.
هذا الاختيار لم يكن مجرد توصيف، بل كان مفتاحًا لقراءة العرض. فـ”كاتمة” لا تعيد تقديم “بيت برناردا ألبا” كما هو، بل تعيد بناء عالمه داخل البيئة الجزائرية، محافظة على جوهره الإنساني، ومتحررة من كثير من تفاصيله الشكلية. وقد أكدت المخرجة، في حديثها لـ”غلوبال ووتش عربية” عقب العرض، أنها لم ترد إخراج نص لوركا كما هو، بل الدخول في حوار معه من الداخل، انطلاقًا من قناعة بأن الأعمال الكبرى تظل قادرة على إنتاج معانٍ جديدة كلما تغيرت الأزمنة. لذلك، اشتغلت على الفضاء والإيقاع والعلاقات بين الشخصيات، حتى يبدو العرض وكأنه يصغي إلى لوركا ثم يجيبه بلغة مسرحية معاصرة.
“تجزير” النص بامتياز
لعل أبرز ما يميز هذا التأويل نجاحه في “تجزير” النص. فمنذ اللحظات الأولى، يغادر عالم لوركا الريف الإسباني ليحل داخل الذاكرة الاجتماعية الجزائرية. ويتجلى ذلك في توظيف ريبيرتوار من الأغاني الشعبية المرتبطة بعلاقة الأم بابنتها، وبالترمل، وبالحب والغيرة والحرمان، حيث جاءت الأغنية امتدادًا للحوار الدرامي لا مجرد فاصل موسيقي.
كما ظهرت الجدة، التي أدتها ليندة سلام، مرتدية “محرمة الفتول”، في استدعاء لرمز من رموز التراث الجزائري، بينما حمل عنوان المسرحية نفسه، “كاتمة”، حمولة دلالية تختزل الصمت والكبت والسلطة، وهي المفاهيم التي يقوم عليها عالم لوركا، ولكن بلسان جزائري.
من أبرز اختيارات آمال منيغياد انتقال مركز الثقل الدرامي من الحداد إلى السلطة. ففي النص الأصلي يشكل موت الزوج منطلق الأحداث، أما هنا فتتقدم سلطة الأم بوصفها القوة التي تضبط البيت وتتحكم في مصائر البنات، حتى بدا حضورها أكثر طغيانًا من حضور الحزن نفسه. ويعزز هذا التوجه اختيار المخرجة الابتعاد عن السواد التقليدي الملازم للحداد، وتعويضه بزي موحد للبنات، في مقاربة بصرية ركزت على طمس فرديتهن وإبراز خضوعهن لسلطة الأم أكثر من التعبير المباشر عن الفقد.
أداء جماعي متماسك
على مستوى الأداء، حملت سعاد جناتي عبئًا تمثيليًا ثقيلًا في تجسيد شخصية الأم، وهي شخصية تتطلب من الممثلة الانتقال بين التسلط والانكسار الداخلي ومثقلة بالانكسار الداخلي. كما نجحت الممثلات اللواتي أدين أدوار البنات في بناء أداء جماعي متماسك حافظ على توتر العلاقات بين الشخصيات، فيما بدا أداء ليندة سلام في دور الجدة أقل إقناعًا، ربما لمحدودية مساحة ظهورها.
أما بصريًا، فقد جاءت سينوغرافيا موسى نون قائمة على فضاء رمزي بأقمشة تحاكي الأبواب والنوافذ الموصدة، في إحالة إلى الانغلاق والقهر أكثر من محاكاة بيت واقعي. وعززت الإضاءة التحولات النفسية للشخصيات، بينما شكلت اللوحات الكوريغرافية، التي وقعتها سمر بن داود، متنفسًا بصريًا خفف من قتامة المسار التراجيدي. غير أن هذا الخيار الجمالي يفتح بابًا للنقاش، إذ إن الحركة الراقصة واتساع الفضاء البصري خففا، في بعض اللحظات، من الإحساس بالاختناق الذي يشكل أحد أهم أعمدة نص لوركا.
التأويل لا التكرار
يكتسب نص “كاتمة” أهمية إضافية حين يوضع في سياق علاقة المسرح الجزائري بهذا النص العالمي. فقد كان الراحل علال المحب أول من اقتبس “بيت برناردا ألبا” سنة 1989، في عرض جمع نخبة من أبرز ممثلات المسرح الجزائري، من بينهن نورية، وكلثوم، وفتيحة بربار، ونادية طالبي، وأمينة مجوبي، ودليلة حليلو ودوجة وغيرهن، وهذا بعد مسيرة طويلة عُرف خلالها بإعادة قراءة النصوص العالمية وإسقاطها على الواقع الجزائري.

ثم عاد النص لاحقًا في تجربة أحمد خودي، قبل أن تضيف آمال منيغياد اليوم قراءة جديدة تؤكد أن النصوص الكبرى لا تعيش لأنها تُكرر، بل لأنها تُؤوَّل.
لقد اختارت آمال منيغياد ألا تعيد تقديم لوركا، بل أن تحاوره. فجعلته يتكلم بلسان جزائري، ويستدعي ذاكرة موسيقية جزائرية، ويرتدي رموزًا من التراث المحلي، دون أن يفقد أسئلته الإنسانية الكبرى حول السلطة والحرية والعائلة. وبين الوفاء للنص وجرأة التأويل، تفتح “كاتمة” نقاشًا جديدًا حول قدرة المسرح على أن يمنح الكلاسيكيات حياة أخرى، كلما وجدت مبدعين يؤمنون بأن النص العظيم لا يُستنسخ بل يُقرأ من جديد.
منيغياد: الأعمال الكبرى قادرة على إنتاج معانٍ جديدة
قالت وخرجة المسرحية آمال منيغياد، في تصرحات خاصة لـ”علوبال ووتش عربية”: “لم أكتف بإخراج نص لوركا كما هو، بل حاورته من الداخل وقرأته بوصفه نصًا حيًا لا يزال قادرًا على أن يقول شيئًا جديدًا اليوم. كنت حريصة على أن أحافظ على روحه الأساسية، لكنني في الوقت نفسه سعيت إلى أن أعيد تشكيله برؤية مسرحية تجعل منه قريبًا من حساسية المتلقي المعاصر، ومن الإحساس العام الذي نعيشه اليوم داخل العائلة والبيت والعلاقات الإنسانية”.
وأضافت منيغياد قائلة: “بالنسبة إلي، “كاتمة” ليست نسخة من “بيت برناردا ألبا”، بل “تأويل” مسرحي يمر عبر النص الأصلي ثم يعود إليه من زاوية أخرى. لذلك اشتغلت على الفضاء، والإيقاع، والعلاقة بين الشخصيات، حتى يظهر العمل كأنه يستمع إلى لوركا ثم يجيب عنه بلغة مسرحية مختلفة، دون أن يفقد جذره الأول”.
بطاقة فنية:
نص: فيديريكو غارسيا لوركا
اقتباس: علال المحب
إخراج: آمال منيغياد
سينوغرافيا: موسى نون
موسيقى: حسان لعمامرة
كوريغرافيا: سمر بن داود
إنتاج: المسرح الوطني الجزائري “محيي الدين باشطارزي” (2026)، بدعم من الصندوق الوطني لتطوير الفنون والآداب (دورة 2025)















