التلاعب بالعقول (2-4)

قبل الرصاصة.. تفكيك الضمير وصناعة الكراهية المبررة داخل الجماعات المتطرفة وسردياتها المغلقة

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا يتحول الإنسان إلى أداة للكراهية دفعة واحدة، فقبل لحظة العنف، هناك مسار أطول وأقل ظهوراً: مسار تُعاد فيه صياغة المعنى، وتُفكك خلاله الروادع الأخلاقية، ويُدفع الفرد تدريجياً إلى رؤية القسوة باعتبارها واجباً، لا جريمة؛ ودفاعاً عن الجماعة، لا اعتداءً على الآخر. وهنا ننتقل خطوة أعمق إلى داخل ماكينة الإقناع نفسها: كيف تعمل الجماعات المتطرفة على تعطيل الضمير، وتبرير العنف، وبناء سرديات كراهية تبدو في نظر أتباعها منطقية ومتماسكة، على الرغم من أنها تقوم على إلغاء التفكير النقدي وإقصاء الآخر.

لا يبدأ التلاعب المتطرف بالدعوة المباشرة إلى العنف، بل يبدأ غالباً بإعادة تعريفه. فالقتل لا يُقدَّم بوصفه قتلاً، والإقصاء لا يُعرض باعتباره إقصاء، والكراهية لا تُسمى باسمها. هنا تتدخل اللغة لتصنع مسافة نفسية بين الفعل وحقيقته، فيصبح العنف “دفاعاً”، والتطهير “حماية”، والاعتداء “رداً مشروعاً”.

هذه هي نقطة الدخول إلى ما وصفه عالم النفس ألبرت باندورا بـ”فك الارتباط الأخلاقي”. تفترض نظريته أن الإنسان لا يستطيع عادةً انتهاك معاييره الأخلاقية من دون أن يشعر بالذنب أو إدانة الذات. لكن هذه الرقابة الداخلية يمكن تعطيلها انتقائياً، عبر آليات نفسية تسمح للفرد بأن يرتكب فعلاً مؤذياً، أو يؤيده، أو يصمت عنه، من دون أن يرى نفسه شريراً أو خارجاً على الأخلاق.  

بهذا المعنى، تسعى الجماعات المتطرفة إلى إعادة تشكيل علاقة الفرد بالذنب، قبل إقناعه بفكرة سياسية أو دينية أو أيديولوجية. فإذا نجحت في إقناعه بأن العنف يخدم غاية عليا، وأن الضحية تستحق ما يحدث لها، وأن المسؤولية ليست مسؤوليته وحده، يصبح الطريق إلى القسوة أقل وعورة.

تفكيك الضمير على مراحل

تعمل آليات فك الارتباط الأخلاقي كطبقات متراكبة. تبدأ أحياناً بـ”التبرير الأخلاقي”، حين يُعاد تقديم الفعل العنيف بوصفه خدمة لقضية كبرى أو حماية لجماعة مهددة. في هذه اللحظة، لا يرى الفرد نفسه معتدياً، بل صاحب رسالة. وكلما ارتبط الفعل بغاية مقدسة أو تاريخية أو خلاصية، تراجعت قدرة الضمير على مقاومته.

ثم تأتي “التسمية الملطفة”، وهي واحدة من أخطر أدوات الدعاية. فاللغة هنا لا تصف الواقع، بل تخفيه. تُستبدل الكلمات الصادمة بتعابير باردة أو بطولية أو إدارية، بما يسمح بتخفيف وطأة الفعل على الوعي. لا يعود الضحايا ضحايا، ولا يعود الإيذاء إيذاءً، بل يتحول كل شيء إلى مفردات قابلة للاستهلاك داخل خطاب منظم.

وتُستخدم “المقارنة المفيدة” لتقليل فداحة العنف عبر وضعه في مقابل أفعال أسوأ يُزعم أن الخصم ارتكبها. هكذا لا يُطلب من الفرد أن يرى فعله بوصفه خيراً مطلقاً، بل يكفي أن يراه “أقل شراً” من العدو. ومع الوقت، تتحول هذه المقارنة إلى أداة دائمة لتبرير التصعيد: كل فعل يصبح مقبولاً ما دام يُنظر إلى الخصم على أنه أكثر وحشية.

أما “إزاحة المسؤولية” فتدفع الفرد إلى الاعتقاد بأنه ليس صاحب القرار الحقيقي. هناك قائد، أو أمر، أو واجب، أو جماعة، أو ظرف قاهر. وبذلك ينتقل الفعل من منطقة الاختيار الأخلاقي إلى منطقة التنفيذ. وفي المقابل، يعمل “نشر المسؤولية” على إبعاد هاجس الذنب عن الجماعة: حين يشارك الجميع، لا يشعر أحد بأنه المسؤول وحده.

وتكتمل الدائرة عبر “تشويه العواقب”، أي تقليل حجم الضرر أو إنكاره أو حجبه. فالضمير يحتاج إلى رؤية الألم كي يتفاعل معه. فإذا غابت صورة الضحية، أو جرى التشكيك في معاناتها، أو وُصفت الخسائر بأنها مبالغ فيها، تصبح إدانة الذات أضعف وأقل حضوراً.

لكن الآلية الأكثر خطورة تظل “التجريد من الإنسانية”. هنا لا يُقدَّم الآخر بوصفه خصماً أو مخالفاً فقط، بل يُنزع عنه جوهره الإنساني. يُصوَّر كخطر، أو نجاسة، أو مرض، أو كتلة شريرة يجب التخلص منها. وعندما يفقد الضحية صفته البشرية في وعي المعتدي، يصبح التعاطف معه أكثر صعوبة، ويصبح العنف ضده أسهل تبريراً.

أما “إسناد اللوم”، فيقلب العلاقة بين الجاني والضحية. يصبح المعتدي في صورة المضطر، والضحية في صورة المتسبب بما جرى لها. هذه الآلية تمنح العنف مظهراً دفاعياً، وتدفع الفرد إلى القول، ضمناً أو صراحة: لم نبدأ نحن، بل فُرض علينا الرد.

من الفرد إلى الخلية المغلقة

لا تعمل هذه الآليات في فراغ. فهي تحتاج إلى بيئة تحاصر الفرد نفسياً ومعرفياً، وتدفعه إلى الاعتماد على الجماعة بوصفها المصدر الوحيد للمعنى والحقيقة. عند هذه النقطة، لا يعود التلاعب مجرد خطاب، بل يصبح نظاماً كاملاً للسيطرة.

تبدأ السيطرة المعرفية حين يُحقَّر التفكير المستقل، ويُصوَّر السؤال بوصفه ضعفاً، والشك بوصفه خيانة، والمراجعة بوصفها تردداً لا يليق بالمؤمنين بالقضية. لا يحتاج الخطاب المتطرف إلى إلغاء العقل مباشرة؛ يكفي أن يجعله تابعاً، وأن يحصر وظيفته في تبرير ما تقوله الجماعة لا في اختباره.

وتأتي السيطرة البيئية عبر عزل الفرد عن مصادر التأثير البديلة. كل صوت خارجي يصبح مشبوهاً، وكل معلومة مخالفة تصبح جزءاً من مؤامرة، وكل علاقة خارج الجماعة تتحول إلى خطر محتمل. ومع الوقت، لا يبقى للفرد سوى محيط واحد يمده بالتفسير، والغضب، والهوية، والعدو.

أما السيطرة العاطفية فتعمل على المشاعر الأكثر هشاشة: الخوف، الذنب، الحاجة إلى الاعتراف، والرغبة في الانتماء. يُخاف الفرد من العالم، ثم يُمنح الجماعة كملاذ. يُشعر بالذنب تجاه قضية كبرى، ثم يُعرض عليه العنف أو الكراهية كوسيلة للتكفير. يُدفع إلى الولاء، ثم يُقنع بأن أي تراجع ليس مراجعة، بل خيانة.

القصة التي تمنح العنف معنى

بعد تفكيك الروادع الأخلاقية، يحتاج الفرد إلى قصة كبرى تفسر له ما يحدث، وتمنحه دوراً داخل المشهد. هذه القصة هي “السردية”. والسردية المتطرفة ليست مجرد مجموعة أفكار؛ إنها بناء درامي يعيد ترتيب الواقع في صورة بسيطة: جماعة نقية، عدو متآمر، ضحية دائمة، ورسالة خلاصية لا تحتمل التأجيل.

تنجح السرديات المتطرفة لأنها لا تخاطب العقل وحده. إنها تخاطب الجرح الشخصي، والإحساس بالهامشية، والرغبة في البطولة، والحاجة إلى معنى يتجاوز الحياة اليومية. وفي أدبيات دراسة التطرف، يظهر بوضوح أن السردية العنيفة تمنح الفرد سبباً، وشبكة، وغاية؛ أي أنها لا تفسر له العالم فقط، بل تمنحه مكاناً داخله.

في بعض نماذج الدعاية الجهادية المتطرفة، تُبنى الرسالة حول تصور أن الجماعة أو العقيدة تتعرض لهجوم دائم، وأن الدفاع عنها لا يكتمل إلا بالولاء المطلق والاستعداد للتضحية. وفي نماذج أخرى، تتقدم فكرة البطولة الفردية: أن يصبح الشخص، عبر العنف، فاعلاً استثنائياً بعد شعور طويل بالعجز أو الهامشية. وقد رصدت دراسات حول دعاية تنظيم “داعش” توظيف سرديات البطولة والشهادة والمظلومية والتمكين الشخصي في خطاب التجنيد، مع اختلاف أثرها بحسب استعدادات المتلقين واحتياجاتهم النفسية. 

هكذا تتحول السردية إلى آلة لإغلاق المعنى. إذا انتصرت الجماعة، قُدم الانتصار دليلاً على صحة الطريق. وإذا هُزمت، قُدمت الهزيمة دليلاً على المؤامرة والاضطهاد. وفي الحالتين، لا تُفتح مساحة للمراجعة، بل يُعاد تدوير الحدث داخل القصة نفسها.

المظلومية حين تصبح أداة تجنيد

ليست كل مظلومية متخيلة، وليست كل شكوى اجتماعية أو سياسية مدخلاً إلى التطرف. الخطر يبدأ حين تُنتزع المظالم من سياقها، وتُختزل في تفسير واحد، ثم تُستخدم لإنتاج عداوة مطلقة. هنا لا يعود الألم دافعاً للإصلاح أو المطالبة بالحق، بل وقوداً لصناعة الكراهية.

تستثمر الجماعات المتطرفة في الإحساس بالجرح. تلتقط وقائع الظلم، أو صور المعاناة، أو أخطاء السلطة، أو إخفاقات المجتمع، ثم تعيد تركيبها داخل سردية مغلقة تقول للفرد إن ما يعيشه ليس مشكلة قابلة للفهم أو المعالجة، بل دليل على حرب شاملة ضده وضد جماعته وهويته.

ومن داخل هذه السردية ينشأ شعور بالاصطفاء. يُقنع الفرد بأنه يرى ما لا يراه الآخرون، ويفهم ما تعجز الأغلبية عن فهمه، وينتمي إلى قلة “مستنيرة” تمتلك الحقيقة وسط عالم مخدوع أو متواطئ. هذا الشعور لا يمنحه الثقة فقط، بل يمنحه استعلاءً أخلاقياً يسمح له بالحكم على الآخرين، ثم إقصائهم، وربما استباحة العنف ضدهم.

اليقين المطلق وعداء السؤال

في قلب الخطاب المتطرف توجد خصومة عميقة مع السؤال. فالسؤال يفتح الباب أمام الاحتمال، والاحتمال يضعف اليقين، واليقين هو المادة الخام التي تقوم عليها الطاعة. لذلك لا تخشى الجماعات المتطرفة الجهل بقدر ما تخشى التفكير النقدي؛ لأن الجهل يمكن ملؤه، أما التفكير النقدي فيكسر احتكار المعنى.

ومن هنا، تُعاد صياغة المفاهيم بما يخدم الولاء. الدين يتحول إلى هوية مغلقة، والسياسة إلى معركة وجود، والاختلاف إلى خيانة، والنقد إلى حرب على الجماعة. ومع كل إعادة تعريف، تضيق مساحة الرمادي، ويصبح العالم منقسماً بين حق كامل وباطل كامل، بين طهر مطلق وشر مطلق.

هذه ليست مجرد مشكلة فكرية، بل مشكلة نفسية أيضاً. فاليقين المطلق يريح الفرد من عبء التعقيد، ويمنحه إجابات جاهزة في عالم مربك. لكنه في الوقت نفسه يسلبه القدرة على التعاطف، ويغلق أمامه إمكان مراجعة الذات، ويجعله أكثر استعداداً لقبول سرديات العنف حين تُقدَّم بلغة الواجب والمصير.