تراجعت فرص تمرير قانون وضوح أسواق الأصول الرقمية الأمريكي (CLARITY Act)، قبل بدء عطلة مجلس الشيوخ، بعدما بقي خارج المسار الإجرائي المعلن، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الديمقراطية على قواعد الأخلاقيات، حماية المستثمرين، ومكافحة التمويل غير المشروع.
حتى مساء 5 أغسطس بتوقيت واشنطن، لم يظهر مسار واضح لبدء مناقشة المشروع أو إنهاء النقاش حوله قبل مغادرة أعضاء المجلس العاصمة في 10 أغسطس. ولا يعني ذلك سقوط القانون نهائياً، لكنه يجعل الوصول إلى تصويت قبل العطلة صعباً وفق الإجراءات العادية، ما لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق خاص يختصر المدد الإجرائية.
وجاء التصعيد الأبرز مع إصدار طاقم الأقلية الديمقراطية في لجنة المصارف مذكرة حددت خمس مجموعات من الاعتراضات، تشمل قوانين الأوراق المالية، واستخدام الأصول الرقمية في الأنشطة غير المشروعة، والمخاطر المالية، وتضارب مصالح الرئيس دونالد ترامب، وحماية المستهلكين والمستثمرين. ولا تمثل المذكرة تقييماً محايداً، لكنها تكشف اتساع الخلاف وتهديده قدرة الجمهوريين على جمع الأصوات اللازمة.
إطار اتحادي يتعثر
يهدف قانون الوضوح للأصول الرقمية إلى إنشاء إطار اتحادي شامل لسوق الأصول الرقمية، وحسم النزاع حول خضوع العملات والرموز لهيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) أو هيئة تداول السلع الآجلة (CFTC).
ويمنح المشروع CFTC سلطة أساسية على الأسواق الفورية للسلع الرقمية، فيما تحتفظ SEC باختصاصها تجاه الأصول والمعاملات التي تمثل عقوداً استثمارية أو أوراقاً مالية. كما يسمح لبعض الرموز بالانتقال من نطاق الأوراق المالية إلى السلع الرقمية عندما تصبح شبكاتها أكثر لامركزية وتنخفض سيطرة الجهة المؤسسة عليها.
ويفرض النص متطلبات تسجيل وإفصاح على الوسطاء والمنصات ومشروعات الأصول الرقمية، إلى جانب قيود على تصرف المؤسسين والمطلعين في الرموز التي يملكونها، للحد من التلاعب وعمليات البيع المفاجئة.
وكان مجلس النواب قد أقر نسخته من المشروع في يوليو 2025 بأغلبية 294 صوتاً مقابل 134، بينها 78 صوتاً ديمقراطياً. وفي مايو 2026، وافقت لجنة المصارف عليه بأغلبية 15 صوتاً مقابل 9، مع دعم ديمقراطي محدود.
لكن الانتقال إلى قاعة مجلس الشيوخ غيّر الحسابات. فالجمهوريون لا يملكون وحدهم الأصوات الستين اللازمة لتجاوز عرقلة تشريعية محتملة، بينما يرى ديمقراطيون شاركوا في المفاوضات أن النص ما يزال ضعيفاً في الأخلاقيات وحماية المستهلك ونزاهة السوق.
تضارب المصالح يبدد الدعم
تتركز العقدة الأكثر حساسية على الأنشطة المرتبطة بترامب وعائلته في قطاع العملات المشفرة. وتضمنت الصيغة الجمهورية قيوداً مؤقتة تمنع كبار المسؤولين، بمن فيهم الرئيس ونائبه وأعضاء الكونغرس والقضاة الفيدراليون، من إصدار أصول رقمية أو رعايتها مباشرة. غير أن الديمقراطيين يعتبرونها غير كافية، لأنها لا تعالج جميع الملكيات القائمة، ولا تشمل أفراد العائلة بالقدر نفسه، وتنتهي في بداية 2029.
كما أنهم يعترضون على إسناد التنفيذ أساساً إلى وزارة العدل، معتبرين أن ذلك يضعف قابلية القيود للتطبيق عندما تتعلق بالرئيس الذي يشرف على السلطة التنفيذية.
ويقول معارضو النص، إن منع الرئيس من إصدار رمز جديد لا يمنعه بالضرورة من الاحتفاظ بحصص أو الاستفادة من تراخيص وترتيبات تجارية مرتبطة بمشروعات قائمة. لذلك تحولت الأخلاقيات إلى اختبار لقدرة القانون على ضبط السوق التي ينظمها.
البنوك وDeFi يرفعان كلفة التسوية
لا تقتصر الخلافات على الأخلاقيات. فقد أصبحت العوائد المدفوعة لحاملي العملات المستقرة نقطة مواجهة بين المصارف وشركات العملات المشفرة.
وكان قانون “جينيوس” (GENIUS Act)، الذي دخل حيز القانون في يوليو 2025، قد فرض احتياطيات سائلة كاملة على مصدري العملات المستقرة ومنعهم من دفع فوائد مباشرة. لكن المنصات طورت برامج مكافآت مرتبطة بالاحتفاظ بهذه العملات أو استخدامها، وهو ما تعتبره البنوك شكلاً غير مباشر من الفائدة قد يسحب الودائع من النظام المصرفي.
في المقابل، ترى شركات العملات المشفرة أن منع المكافآت يحمي البنوك من المنافسة ويقيد تطوير منتجات جديدة. ولم تنهِ المقترحات التي تميز بين العائد السلبي ومكافآت الاستخدام هذا الخلاف.
ويواجه المشروع نزاعاً مماثلاً حول منصات التمويل اللامركزي DeFi والمطورين غير الحاضنين لأموال العملاء. فالقطاع يطالب بعدم معاملتهم كوسطاء ماليين، بينما تخشى جهات إنفاذ القانون من أن تتحول الإعفاءات إلى مساحات لا تطبق فيها قواعد مكافحة غسل الأموال ومعرفة العملاء.
وضوح مؤقت لا يعوّض التشريع
لا يعني تعثر قانون الوضوح للأصول الرقمية عودة السوق إلى فراغ تنظيمي كامل. فقد بدأت هيئة الأوراق المالية والبورصات، برئاسة بول أتكينز، تنفيذ مبادرة Project Crypto لتحديث قواعد الأوراق المالية وتوضيح تصنيف الرموز وشروط الحفظ والوساطة والتداول. كما وقّعت مع هيئة تداول السلع الآجلة مذكرة تفاهم لتنسيق التعريفات والرقابة وتقليل التداخل بينهما. لكن القواعد الإدارية لا توفر استقراراً يوازي القانون، لأنها قابلة للتعديل مع تغير الإدارات والطعن أمام القضاء.
تظهر كلفة التأجيل في استمرار الغموض أمام المنصات ومصدري الأصول والمؤسسات المالية التي تحتاج إلى قواعد مستقرة قبل إطلاق منتجات جديدة أو تخصيص رؤوس أموال كبيرة.
وعليه، يبقى القانون قائماً من الناحية التشريعية، لكنه يقترب من فقد أفضل نافذة متاحة قبل أن تزاحمه أولويات الخريف وحسابات انتخابات التجديد النصفي. ولن يُحسم مستقبله بمجرد العودة إلى جدول المجلس، بل بقدرة المفاوضين على إنتاج تسوية قابلة للإنفاذ في الأخلاقيات والتمويل غير المشروع وعوائد العملات المستقرة.















