بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الأقليات

قانون “الوحدة العرقية” الجديد في الصين.. اندماج “قسري” في بلد متعدد الثقافات

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

دخل “قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي” حيز التنفيذ في الصين مطلع يوليو/تموز الجاري، ناقلاً سياسة بكين تجاه الأقليات من مجموعة برامج أمنية وتعليمية وإدارية إلى إطار قانوني شامل، يفرض بناء هوية وطنية مشتركة تحت قيادة الحزب الشيوعي، ويمنح الدولة صلاحيات أوسع لمواجهة ما تصفه بالانفصال والتطرف وتقويض الوحدة العرقية.

تقدّم الصين القانون باعتباره ضمانة للمساواة بين المجموعات العرقية الـ56 المعترف بها رسمياً، وأداة لتعزيز التماسك والتنمية ومكافحة التمييز. لكن ممثلين عن الأويغور والتبتيين ومنظمات حقوقية يرون فيه تقنيناً لسياسات قائمة تهدف إلى دمج الأقليات قسراً في هوية وطنية مركزية، تتصدرها لغة الماندرين والرواية التاريخية التي يعتمدها الحزب والدولة.

المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى وحدة المجتمع الصيني في ذاتها، بل في الجهة التي تحدد مضمون هذه الوحدة والحدود الفاصلة بين الاندماج والمحو. فالقانون لا يكتفي بحظر العنف والتمييز، وإنما يُلزم مؤسسات الدولة والمدارس والمنظمات الدينية والشركات والأسر بالمساهمة في بناء “وعي مشترك للأمة الصينية”، بينما يستخدم مصطلحات واسعة وغير محددة مثل “تقويض الوحدة العرقية” و”إحداث الانقسام”.

بهذا المعنى، يفتح التشريع مرحلة جديدة في إدارة التنوع داخل الصين: بدلاً من الاعتراف بالأقليات بوصفها جماعات تمتلك حقوقاً لغوية ودينية وثقافية مستقلة، يُعاد تعريفها باعتبارها مكونات يجب دمجها في هوية وطنية واحدة تصوغها السلطة السياسية.

من سياسة عامة إلى قانون

أقر المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني القانون في 12 مارس/آذار الماضي بأغلبية 2,756 صوتاً، مقابل ثلاثة أصوات معارضة وثلاثة ممتنعين، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو.

ويؤكد النص رسمياً مساواة جميع المجموعات العرقية أمام القانون، ويحظر التمييز والقمع على أساس الانتماء العرقي. كما يدعو إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الأقليات، وتشجيع التفاعل بين الجماعات المختلفة، وحماية ما تصفه الدولة بالثقافات العرقية المتميزة.

لكن هذه الضمانات تأتي داخل إطار أيديولوجي أكثر صرامة. فالقانون يجعل قيادة الحزب الشيوعي أساساً للعمل المتعلق بالقوميات، ويطالب بتعزيز الانتماء إلى “الوطن الأم العظيم” والأمة الصينية والثقافة الصينية والحزب والاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

كما يفرض توسيع استخدام اللغة الصينية المعيارية في التعليم والحياة العامة، مع منحها الأولوية عند استخدامها إلى جانب لغات الأقليات. ولا يحظر النص اللغات الأخرى صراحة، لكنه يضعها داخل بنية تمنح الماندرين وظيفة مركزية في التعليم والإدارة والاندماج الاجتماعي.

هنا تتجاوز القضية الاختيار بين لغات تدريس مختلفة. فاللغة تنقل التاريخ والذاكرة والعلاقة بين الأجيال، وعندما تنحسر داخل المدارس والمؤسسات الرسمية، تتحول تدريجياً من لغة حياة ومعرفة إلى ممارسة منزلية محدودة، قبل أن تصبح تراثاً رمزياً لا يستخدمه الجيل الجديد.

هوية مشتركة أم نموذج واحد؟

تعترف الصين بـ55 أقلية عرقية إلى جانب أغلبية الهان، التي تشكل أكثر من 91% من سكان البلاد. وتتحدث هذه الجماعات مئات اللغات واللهجات، وتنتشر بينها ديانات وتقاليد وأنظمة اجتماعية مختلفة.

تقول بكين إن القانون لا يهدف إلى تحويل الأقليات إلى قومية الهان، بل إلى بناء هوية وطنية مشتركة تستوعب الجميع. ويشدد الخطاب الرسمي على أن الصين دولة موحدة متعددة القوميات، وأن تعزيز القواسم المشتركة لا يعني إلغاء الخصوصيات المحلية.

غير أن بنية القانون تجعل الدولة الطرف الذي يحدد الخصوصية المقبولة. فالهوية الدينية أو اللغوية يمكن حمايتها طالما بقيت منسجمة مع مفهوم الحزب للوحدة والاستقرار، لكنها قد تتحول إلى مسألة أمنية عندما تستخدم للمطالبة باستقلال التعليم أو المؤسسات الدينية أو التمثيل السياسي.

ويُجرّم القانون “الأنشطة الإرهابية العنيفة” و”الأنشطة الانفصالية العرقية” و”الأنشطة الدينية المتطرفة”. ولا يمثل تجريم العنف أو الإرهاب موضع الخلاف، وإنما اتساع المصطلحات التي قد تسمح بوضع النشاط الثقافي أو الحقوقي السلمي داخل الدائرة نفسها إذا اعتُبر معارضاً للرواية الرسمية.

وقد حذرت منظمة العفو الدولية من أن القانون يمنع الأفعال التي “تقوض الوحدة العرقية أو تحدث انقساماً عرقياً” من دون تقديم تعريف دقيق لها، ما يرفع مخاطر التفسير التعسفي والملاحقة بسبب أشكال مشروعة من التعبير أو التنظيم.

الأطفال هم الضحية 

تظهر أخطر تداعيات السياسة الجديدة في التعليم. فقد اتجهت السلطات الصينية خلال السنوات الماضية إلى توسيع استخدام الماندرين لغة أساسية للتدريس في مناطق تضم كثافة من الأقليات، بما فيها التبت وشينجيانغ ومنغوليا الداخلية.

وتقول جماعات حقوقية إن أعداداً كبيرة من الأطفال التبتيين نُقلوا إلى مدارس داخلية بعيدة نسبياً عن أسرهم، حيث يتلقون تعليمهم باللغة الصينية ضمن مناهج تركز على الهوية الوطنية المشتركة والرواية التاريخية الرسمية.

وخلال فعالية جانبية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، قال رئيس وحدة الأبحاث والرصد في “الحملة الدولية من أجل التبت”، بوتشونغ تسيرينغ، إن بعض الأطفال لم يعودوا قادرين على التواصل بصورة طبيعية مع ذويهم بلغتهم الأصلية. كما حذّر من الجمع بين مادة تلزم الأهل بتعليم أبنائهم الهوية الوطنية الجديدة، وأخرى تشجع المواطنين على الإبلاغ عن حالات عدم الامتثال.

لا يعني ذلك تلقائياً أن القانون ينص حرفياً على إلزام الأطفال بالإبلاغ عن أسرهم، كما ذهب بعض المنتقدين، لكنه يكشف الخشية من أن تصبح العائلة نفسها موضع رقابة في حال تمسكت بتعليم ديني أو لغوي تراه السلطات متعارضاً مع الوحدة الوطنية.

وتكمن حساسية المدارس الداخلية في أنها لا تنقل المعرفة فقط، بل تعيد ترتيب علاقة الطفل بأسرته وبيئته ولغته. وعندما تقترن بالإقامة الطويلة والمناهج المركزية وضعف التعليم باللغة الأم، تصبح أداة قادرة على قطع الاستمرارية الثقافية بين الأجيال من دون الحاجة إلى حظر الهوية رسمياً.

الأويغور وذاكرة شينجيانغ

لا يمكن قراءة القانون الجديد بعيداً عن تجربة أقلية الأويغور ذات الغالبية المسلمة في إقليم شينجيانغ. ففي أغسطس 2022، خلص تقييم صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الانتهاكات المرتكبة في المنطقة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

وثق التقييم حالات احتجاز تعسفي واسع النطاق، وقيوداً على الممارسات الدينية والخصوصية وحرية الحركة، إضافة إلى مزاعم تعذيب وسوء معاملة. وترفض الصين هذه الاتهامات، وتقول إن منشآتها كانت مراكز للتعليم والتدريب المهني أنشئت لمواجهة الإرهاب والتطرف، وإن سياساتها أسهمت في تحقيق الاستقرار والتنمية.

ترى نائبة رئيس “مؤتمر الأويغور العالمي”، زومريتاي أركين، أن القانون الجديد يهدف إلى قطع الروابط بين الأجيال وتقويض هوية الأويغور وتراثهم ودينهم. وهذه شهادة صادرة عن منظمة معارضة لبكين ولا يمكن التعامل معها بوصفها توصيفاً محايداً، لكنها تكتسب دلالتها عندما تقارن بنصوص القانون وبالممارسات التي سبق أن وثقتها الأمم المتحدة.

الخطر الذي يراه المدافعون عن حقوق الأويغور هو أن تتحول الإجراءات التي بررتها السلطات سابقاً بضرورات أمنية استثنائية في شينجيانغ إلى نموذج قانوني دائم وقابل للتطبيق على جماعات أخرى.

التبت ومعركة المرجعية الدينية

بالنسبة إلى التبتيين، لا ينفصل القانون عن النزاع المرتقب حول خلافة الدالاي لاما الرابع عشر، تنزين غياتسو، الذي تجاوز التسعين من عمره ويقيم في الهند منذ العام 1959.

أكد الدالاي لاما في يوليو/تموز 2025 استمرار المؤسسة بعد وفاته، وحصر مسؤولية التعرف إلى خليفته في “مؤسسة غادن فودرانغ” والمراجع البوذية التبتية. في المقابل، تقول بكين إن عملية الخلافة يجب أن تجري داخل الصين، وأن تشمل القرعة بواسطة “الجرة الذهبية” وتحصل على موافقة الحكومة المركزية.

ينقل القانون الجديد هذا الصراع من خلاف على طقوس الخلافة إلى مواجهة حول موقع الدين داخل الهوية الصينية. فإذا كانت المؤسسات الدينية مطالبة بالخضوع لعملية “إضفاء الطابع الصيني على الأديان”، يصبح اختيار زعيم ديني خارج إشراف الدولة فعلاً قابلاً للتفسير بوصفه تحدياً للوحدة والسيادة.

وقد يجد التبتيون بعد رحيل الدالاي لاما أنفسهم أمام زعيمين يحملان اللقب نفسه: أحدهما تختاره المؤسسة الدينية في المنفى، والآخر تعينه بكين وتفرض الاعتراف به داخل الصين. ستكون السلطة قادرة على إدارة الأديرة والمؤسسات، لكنها لن تستطيع بالضرورة فرض الشرعية الروحية على المؤمنين.

أعادت وفاة الناشط التبتي لوبغا رانغزن في يوليو، بعدما أضرم النار في نفسه أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك، هذه الأزمة إلى الواجهة. ووفق أرقام نقلتها رويترز عن “الحملة الدولية من أجل التبت”، شهدت القضية التبتية 159 حالة إحراق نفس منذ العام 2009، بينها 11 حالة خارج الصين.

تعكس هذه الأفعال انسداد قنوات التعبير لدى قطاعات من التبتيين، لكنها تفرض كذلك الحذر من تحويل الموت إلى أداة سياسية أو تقديم التضحية بالنفس باعتبارها وسيلة مشروعة للاحتجاج.

اعتراض أممي مباشر

لم تقتصر الانتقادات على منظمات معارضة للصين. فقد حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن القانون ينطوي على خطر تعميق القيود المفروضة على حرية اللغة والتعليم وممارسة الدين والثقافة والتعبير والتجمع.

ويمنح هذا التحذير القضية ثقلاً يتجاوز السجال السياسي بين بكين وخصومها. فالمفوضية لا تعترض على حق الصين في حماية وحدتها أو مكافحة الإرهاب، بل على إمكانية استخدام مفاهيم فضفاضة لتقييد حقوق جماعية وفردية يكفلها القانون الدولي.

المعيار هنا ليس وجود نصوص تعلن المساواة أو تحظر التمييز، وإنما كيفية تطبيقها عندما تتعارض مطالب الأقلية مع تفضيلات الدولة. فالقانون الذي يحمي رقصة شعبية أو زياً تقليدياً، لكنه يضيّق التعليم باللغة الأم واستقلال المؤسسات الدينية، يحافظ على المظهر الثقافي بعد إفراغه من القدرة على إنتاج هوية حية.

القانون يتجاوز حدود الصين

يحمل التشريع بُعداً إضافياً يتصل بالأفراد والمنظمات الموجودة خارج البلاد. إذ يقرر اختصاصاً تجاه الجهات الأجنبية التي تستهدف الصين بأفعال ترى السلطات أنها تقوض الوحدة العرقية أو تحدث انقساماً.

دافع نائب وزير العدل الصيني هو ويلي عن هذا الامتداد، معتبراً إياه مشروعاً ومتوافقاً مع الممارسات الدولية. لكن نشطاء من الأويغور والتبتيين يرون فيه أساساً قانونياً جديداً لما يصفونه بـ”القمع العابر للحدود”.

وقد أعربت الخارجية الألمانية عن “قلق بالغ” من القانون، محذرة من إضعاف التعليم بلغات الأقليات وحرية المعتقد، ومن إمكان ملاحقة أفراد ومنظمات موجودة خارج الصين.

لا يعني الاختصاص الخارجي أن بكين تستطيع تنفيذ أحكامها مباشرة في الدول الأخرى، لكنه قد يزيد المخاطر على المعارضين الذين يسافرون إلى دول تربطها بالصين اتفاقات أمنية أو قضائية، أو على أقاربهم ومصالحهم داخل البلاد. كما قد يوسع استخدام المراقبة الرقمية والضغط العائلي والتهديدات الإدارية لإسكات النشاط الموجود في الخارج.

الحقوق بين بكين والغرب

تتهم الصين الحكومات الغربية باستخدام حقوق الإنسان أداة لتشويه سمعتها واحتواء صعودها. وفي المقابل، تستثمر الولايات المتحدة ودول أوروبية ملفات الأويغور والتبت ضمن مواجهة أوسع مع بكين تشمل التجارة والتكنولوجيا والأمن والنفوذ الدولي.

وجود هذا التوظيف السياسي لا يبطل جوهر المشكلة الحقوقية. لكنه يمنع تقديم الموقف الغربي بوصفه دفاعاً مجرداً من المصالح، مثلما لا يمكن قبول السيادة ذريعة تسمح للصين بإعادة تعريف هويات الأقليات من أعلى.

بالنسبة إلى الأويغور والتبتيين وغيرهم، يوفر الضغط الدولي مساحة لإبقاء قضاياهم حاضرة، لكنه يحمل خطر تحويلها إلى أوراق تفاوض ترتفع قيمتها عندما تتوتر العلاقات مع الصين، ثم تتراجع عندما تتقدم المصالح الاقتصادية.

حين يصبح التنوع مسألة أمنية

يمثل “قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي” انتقالاً من نموذج يعترف، ولو نظرياً، بخصوصية الأقليات، إلى نموذج يجعل الهوية الوطنية المشتركة المعيار الذي تُقاس به مشروعية تلك الخصوصيات.

ولا يحتاج المحو الثقافي دائماً إلى حظر اللغة أو الدين بقرار مباشر. يمكن أن يحدث تدريجاً من خلال تغيير لغة التعليم، وإعادة صياغة المناهج، وإخضاع المؤسسات الدينية، وفصل الأطفال عن بيئاتهم، وتحويل المطالبة بالاستقلال الثقافي إلى شبهة انفصال أو تطرف.

في المقابل، لا تكفي أقسى توصيفات المنظمات المعارضة لإثبات أن القانون سيقضي حتماً على هويات الأقليات. الاختبار الفعلي سيكمن في التطبيق: هل ستظل اللغات المحلية أدوات حقيقية للتعليم والإدارة؟ هل تستطيع المؤسسات الدينية اختيار قياداتها؟ وهل يتمكن أفراد الأقليات من الاعتراض سلمياً على سياسات الدولة من دون تصنيفهم انفصاليين؟

الفرق بين الاندماج والمحو لا تحدده الكلمات الواردة في مقدمة القانون، بل مقدار الحرية التي تظل متاحة لمن يرفض الذوبان في النموذج الذي تضعه السلطة. وإذا أصبحت الوحدة تعني التطابق، فلن يكون التنوع الذي تحميه الدولة سوى واجهة ثقافية لهوية واحدة.