بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات (1-2)

في ذكرى تجارة الرقيق: هل تبيع “منصات التواصل الاجتماعي” الإنسان وتتاجر بسلوكه في سوق النخاسة الرقمية؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

قبل أكثر من قرنين، كانت السوق تعرف تماماً ما الذي يُباع: الإنسان نفسه، بعدما يُؤسر أو يُختطف من موطنه في إفريقيا ويُساق عبر الأطلسي إلى المزارع والمناجم والمدن التي قام جانب من اقتصادها على العمل المستعبَد.

في مستعمرة سان دومينغ الفرنسية، لم يكن ملايين الأفارقة الذين اقتُلِعوا من أوطانهم مجرد قوة عمل، بل أجساداً يمكن امتلاكها ونقلها وتسعيرها وبيعها. ومن انتفاضة العبيد، التي بدأت في 23 أغسطس/آب 1791 وانتهت بعد سنوات إلى ولادة هايتي، استمدت اليونسكو تاريخ اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها.

من تجارة الأجساد إلى اقتصاد التنبؤ بالسلوك

بعد أكثر من مئتي عام، سيكون من التضليل وصف مستخدم الهاتف بأنه “عبد جديد”. فالعبودية في معناها القانوني والتاريخي تقوم على ممارسة سلطات مرتبطة بحق الملكية على إنسان آخر، والسيطرة على حريته وحركته وحياته. وتحذر أدبيات الأمم المتحدة نفسها من توسيع المصطلح ليشمل كل علاقة غير عادلة، حتى لا يفقد مفهوم العبودية دلالته.

لكن ذكرى 23 أغسطس تفتح سؤالاً مختلفاً وأكثر غرابة: ماذا لو لم تعد السلعة هي الإنسان نفسه، بل القدرة على التنبؤ بسلوكه وتحويل آثاره الرقمية إلى قيمة اقتصادية تحدد من يستطيع الوصول إليه، ومتى، وبأي رسالة؟

فهذه المرة لا يوجد مزاد على الجسد. توجد أنظمة تجمع آثار السلوك، وتصنف الاهتمامات، وتبني نماذج لما يرجح أن يجذب المستخدم، ثم تستخدم هذه المعرفة لاختيار الإعلان أو الفيديو أو المنشور التالي.

وهنا تبدأ قصة مختلفة عن العبودية، لكنها تظل قصة عن المعرفة والقوة والسوق والحرية.

السلعة التي لا يراها صاحبها

يبدو استخدام شبكات التواصل بسيطاً: يفتح الشخص تطبيقاً، يشاهد مقطعاً، يضغط إعجاباً، يتوقف عند صورة، يبحث عن موضوع، يغادر ثم يعود.

لكن هذه الأفعال الصغيرة ليست بلا قيمة اقتصادية. تقول “ميتا” في سياسة الخصوصية الخاصة بها إنها تستخدم أنواع المحتوى التي يشاهدها المستخدم وكيف يتفاعل معها، والميزات التي يستخدمها، ومشترياته، ومدة نشاطه وتكراره، إلى جانب معلومات الأجهزة والشركاء، لفهم الاهتمامات والتفضيلات وتخصيص المحتوى والتوصيات والإعلانات. وتوضح “تيك توك” بدورها أن الاستهداف الإعلاني قد يعتمد على الاهتمامات المستنتجة وسلوك المستخدم داخل المنصة وخارجها.

أي أن القيمة لا توجد في المعلومة المفردة وحدها، بل في الاستنتاج.

أن يشاهد شخص عشرة مقاطع عن السفر لا يعني فقط أن سجل المشاهدة يحتوي على عشرة مقاطع. يمكن للنظام أن يستنتج أنه مهتم بالسفر، وربما يقرر أن إعلاناً معيناً أو نوعاً معيناً من المحتوى أكثر احتمالاً لجذب انتباهه.

وفي سوق الإعلان الرقمي الأوسع، تتحول مثل هذه الاحتمالات إلى قيمة مالية مباشرة. توضح “غوغل” أن أسواق الإعلانات البرمجية تستطيع عرض المساحة الإعلانية في مزادات تجري خلال أجزاء من الثانية، وأن مقدمي العطاءات يستطيعون تقييم كل ظهور محتمل بناءً على معلومات الاستهداف. كما يمكن تمرير فئات جمهور مستنتجة من النشاط السابق، مثل الاهتمامات أو نية الشراء.

لا يعني ذلك أن الشخص “يُباع” في المزاد. ما يباع هو فرصة الوصول إليه في لحظة محددة، بعد تقدير احتمالية أن يكون ذلك الوصول ذا قيمة للمعلن. وهنا تغيرت طبيعة السلعة.

من معرفة الماضي إلى توقع الخطوة التالية

ظلت الخصوصية الرقمية لسنوات تُناقش عبر سؤال بسيط: “ماذا تعرف الشركات عني؟”. لكن هذا السؤال لم يعد كافياً.

القيمة الأكبر للبيانات لا تكمن دائماً في تسجيل ما فعله الإنسان في الماضي، بل في تحويل هذا السجل إلى أداة لتقدير ما قد يفعله بعد لحظة أو في اليوم التالي؛ أي توقع احتمال أن يضغط على إعلان، أو يشاهد مقطعاً حتى نهايته، أو يشارك محتوى، أو يشتري منتجاً، أو يعود إلى التطبيق، بل وحتى تحديد المنشور الأكثر قدرة على إبقائه داخل المنصة وتقليل احتمال مغادرته.

لا تحتاج الخوارزمية إلى الإجابة بيقين. يكفي أن تكون أفضل قليلاً في توقع السلوك من الاختيار العشوائي، ثم تكرر الاختبار على أعداد هائلة من المستخدمين. وهذه نقطة تفصل اقتصاد المنصات عن وسائل الإعلام القديمة.

فالصحيفة تستطيع معرفة أن قراء السياسة يفضلون صفحة معينة. أما المنصة الرقمية فتستطيع، بدرجات متفاوتة، تخصيص بيئة مختلفة لكل مستخدم تقريباً، والتعلم بصورة مستمرة من رد فعله على ما عرضته عليه.

وبذلك لا يعود النظام مجرد مراقب للسلوك. إنه أيضاً جزء من البيئة التي يحدث داخلها السلوك.

الخوارزمية لا تأمرك بالبقاء

هذه هي المنطقة التي تصبح فيها كلمة “حرية” أكثر تعقيداً. لا يجبر “تيك توك” أحداً بالقوة على مشاهدة الفيديو التالي. ولا يأمر “إنستغرام” مستخدميه بفتح التطبيق في منتصف الليل. لكن السؤال التنظيمي الحالي يتعلق بما إذا كانت المنصات صُممت بحيث تجعل الاستمرار أسهل من التوقف.

في فبراير/شباط 2026، خلصت المفوضية الأوروبية مبدئياً إلى أن تصميم منصة “تيك توك” قد يخالف قانون الخدمات الرقمية بسبب خصائص مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي والإشعارات ونظام التوصية شديد التخصيص. وقالت إن هذه الخصائص قد تعزز الاستخدام القهري وتضعف قدرة بعض المستخدمين على التحكم في استخدامهم. والنتيجة لا تزال أولية وليست حكماً نهائياً.

وفي يوليو/تموز توصلت المفوضية إلى نتيجة أولية مشابهة بشأن تطبيقي “فيسبوك” و”إنستغرام”، وكيف يركزان مرة أخرى على أنظمة التوصية والتشغيل التلقائي والتمرير اللانهائي. وبالتزامن تقريباً مع ذكرى 23 أغسطس، بدأت في كاليفورنيا محاكمة كبرى في دعاوى رفعتها ولايات أميركية ضد “ميتا”، الشركة الأم لكلا التطبيقين، ترى أن طريقة تصميمهما تستغل قابلية الأطفال للانجذاب إلى الاستخدام المتكرر. لكن “ميتا” نفت هذه الاتهامات، وقالت إنها طورت أدوات وضمانات لحماية المستخدمين الأصغر سناً.

هذا التطور مهم لأنه ينقل النقاش من محتوى المنصة إلى هندستها نفسها. ليس فقط: ماذا يرى المستخدم؟ بل: لماذا صُممت التجربة بحيث يرى دائماً شيئاً آخر بعدها؟

الحرية ليست زر “خروج” فقط

يمكن للشركات أن تقول إن المستخدم يستطيع إغلاق التطبيق، وهذه حقيقة. لكن هذا الجواب يفترض أن الحرية مسألة ثنائية: إما أن تكون مقيداً جسدياً وإما أن تكون حراً بالكامل!

الاقتصاد الرقمي يفرض منطقة أكثر تعقيداً. إذا كانت المنصة تعرف متى تستخدمها، وما الذي يشد انتباهك، وما الموضوعات التي تتفاعل معها، وما الإعلانات التي ضغطت عليها، وكم تبقى أمام نوع معين من المحتوى، فإن العلاقة تصبح شديدة الاختلال من ناحية المعرفة.

أنت ترى شاشة، أما النظام فيرى سلسلة من الإشارات. وأنت لا تعرف النموذج الذي كوّنه عنك، ولا كل التصنيفات التي وضعك فيها، ولا لماذا اختار الفيديو التالي تحديداً، ولا كيف كان سيختلف ما تراه لو تصرفت قبل دقيقة بطريقة أخرى.

هذا لا يلغي إرادتك، لكنه يعني أن إرادتك تعمل داخل بيئة مصممة من طرف يعرف عنها أكثر مما تعرف أنت عن طريقة تصميمها.

حق الإنسان في أن يبقى غير متوقع

يمكن لذكرى تجارة الرقيق أن تفتح نقاشاً معاصراً لا يحتاج إلى تشبيه مستخدم المنصات بالعبد. فالمجتمعات الحديثة بنت منظومات واسعة من الحقوق لحماية الجسد والحرية والملكية والخصوصية، لكن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يضيف بُعداً جديداً للإنسان، ويناقش حقه في ألا تتحول كل حركة رقمية يقوم بها إلى مادة لبناء نسخة احتمالية عنه.

فالمشكلة لم تعد في أن تعرف المنصة أن المستخدم يفضل نوعاً معيناً من الموسيقى أو أنه اشترى منتجاً محدداً. الأكثر حساسية هو ما تستطيع استنتاجه من هذه الوقائع: هل يمكنها تقدير حالته النفسية، أو تحديد اللحظة التي يصبح فيها أكثر استعداداً للشراء، أو استنتاج نوع الرسالة التي قد تغير موقفه من قضية سياسية أو اجتماعية؟

بهذا يتجاوز النقاش حول الحقوق الرقمية السؤال التقليدي: “من يملك بياناتي؟”. فالقيمة الحقيقية قد لا تكون في البيانات الخام نفسها، بل في الاستنتاجات التي تسمح بها، وفي النماذج التي تُبنى منها لتوقع السلوك والتأثير فيه.

من يملك حق التنبؤ بالإنسان؟

وهنا يظهر سؤال أكثر صعوبة: من يملك حق الاستنتاج من بيانات الإنسان؟ وإلى أي مدى يجوز استخدام هذه الاستنتاجات في تصميم البيئة التي سيشاهد داخلها المعلومات والإعلانات والمحتوى، ثم يتخذ فيها قراره التالي؟

 في 23 أغسطس، لا ينبغي استدعاء ذاكرة العبودية بطريقة تساوي بين الإنسان المستعبَد تاريخياً ومستخدم المنصة اليوم؛ فالعبودية قامت على الملكية والإكراه وانتزاع الحرية بالقوة، لكن قيمة التاريخ لا تكمن فقط في البحث عما يشبه الماضي، بل في كشف ما يتغير في أدوات السيطرة حين تتغير أشكال القوة نفسها.

لم يعد الإنسان يُعرض في ساحة للبيع، لكن اقتصادات رقمية كاملة باتت تقوم على قياس انتباهه، وتصنيف سلوكه، واستنتاج رغباته، والتنافس على الوصول إليه في اللحظة الأكثر قابلية للتأثير.

وهذا لا يصنع “عبودية جديدة”، لكنه يفرض سؤالاً جديداً عن الحرية: إذا كان أحد انتصارات القرون الماضية هو أن الإنسان لا يجوز أن يكون ملكاً لإنسان آخر، فقد يصبح أحد اختبارات القرن الحادي والعشرين هو ألا تتحول قدرته على الاختيار ومستقبله السلوكي إلى أصل اقتصادي يُقاس ويُتوقع ويُوجَّه قبل أن يقرر هو خطوته التالية.