منذ تسويقه خلال فترة الازدهار الاقتصادي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تحوّل “الحلم الأمريكي” إلى صورة أساسية لثقافة الولايات المتحدة. لم يكن ذلك “الحلم” مسألة مال مجردة، بل كان وعداً بمسار تصاعدي، وبإمكانية أساسية في تحقيق غدٍ أفضل. اليوم، وفي الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة (4 يوليو 1776) لم يُعلن رسمياً أن هذا الوعد أصبح عديم القيمة، لكن عدد الذين يقبلونه بقيمته “الاسمية” آخذ في التناقص. فمن الواضح أن “الحلم الأمريكي” يتآكل أو ربما قد بدأ بالتلاشي بالفعل!
كان “الحلم الأمريكي” أكثر من شعار وطني. منذ أن صاغه الكاتب جيمس تروسلو آدامز في كتابه “ملحمة أمريكا” في العام 1931، ارتبط المفهوم بفكرة أن الحياة يمكن أن تكون “أفضل وأكثر ثراءً ووفرة للجميع”، وأن الفرصة يجب أن تتاح لكل فرد وفق قدراته وإنجازه. لكن المسافة بين هذا التعريف وبين الواقع الأمريكي الراهن اتسعت إلى حدّ جعل السؤال عن بقاء الحلم نفسه جزءاً من النقاش العام، لا مجرّد مبالغة صحافية.
في لحظة الذكرى الـ250، لا تبدو الأزمة في غياب الثروة عن الولايات المتحدة، بل في توزيع القدرة على الوصول إليها. فالاقتصاد الأمريكي لا يزال الأكبر عالمياً، وأسواقه المالية قادرة على توليد ثروات هائلة، وشركاته تقود قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والتمويل. غير أن هذه القوة لا تتحول بالضرورة إلى شعور واسع بالأمان الاجتماعي. هنا تحديداً تتغير دلالة “الحلم”: من وعد وطني بالصعود إلى اختبار يومي للقدرة على البقاء ضمن الطبقة الوسطى.
تكلفة الحلم ترتفع
بات تحقيق “الحلم الأمريكي” باهظ الثمن، وهو اليوم يكلف ما يزيد قليلاً على 5 ملايين دولار، أي المبلغ الإجمالي الذي تحتاجه الأسرة، وفق حسابات “إنفستوبيديا” بناءً على ثماني ركائز أساسية لطموحات الطبقة الوسطى الأمريكية التقليدية، بدءاً من امتلاك منزل والتقاعد، وصولاً إلى حفلات الزفاف، وتربية الأبناء، وشراء سيارات جديدة.
أظهرت الدراسة أن الأمريكي العادي الحاصل على درجة البكالوريوس يجني على مدى حياته ما يقل بنحو 2.2 مليون دولار عن تكلفة تحقيق “الحلم الأمريكي”، أي أن الأمر يتطلب على الأقل أسرة ذات دخل مزدوج حاصلة على تعليم جامعي.
تغيّرات جوهرية
من المهم رسم التغيّرات التي طرأت على الاقتصاد الأمريكي، والتي مع تضافرها على مدى نصف قرن، أصبحت الحياة في أمريكا أصعب، وعدم المساواة في الثروة أكثر وضوحاً.
أول عامل، اتساع الفجوة بين الإنتاجية والتعويضات (الأجور والمزايا الوظيفية) على مدى العقود القليلة الماضية. أما الثاني، فهو مشكلة سوق الإسكان. فمع سيطرة شركات الأسهم الخاصة والمستثمرين المؤسسيين على نسبة كبيرة من السوق، أدى هذا التغيير الكبير في الملكية منذ ركود العام 2008 إلى ارتفاع تكاليف السكن. وهذا يعني أن الأمريكي العادي لا يستطيع اليوم تحمل تكاليف الإيجار بشكل مريح، فيما أصبح امتلاك منزل، وهو أحد أهم ركائز “الحلم الأمريكي”، شبه مستحيل.
ويتمثل العامل الثالث في ارتفاع التضخم بعد جائحة كوفيد-19. فمع عودة الناس إلى الإنفاق، انفجرت فقاعة التضخم، التي أضيفت إليها لاحقاً أزمات الطاقة المتلاحقة، لتتحول الحياة في أمريكا إلى عبء بالنسبة لمعظم الناس.
قصة أُفول “الحلم”
بدأت القصة منذ عقود. عندما أُغلقت المصانع وتوقفت المدن عن ضخ الرواتب. استوعبت بعض المناطق الأمريكية الصدمة، لكن الكثير منها لم يستطع ذلك. فانقسمت جغرافيا الفرص.
ثم جاءت سنوات الائتمان. جلبت السنوات الأولى من العقد الأول من القرن الـ21 شعوراً بالوفرة من خلال الاقتراض. تكاثرت المنازل وتوسعت أنماط الحياة، وتراكمت المخاطر بعيداً عن الأنظار. وبعد الأزمة المالية، انتعشت الأسواق أسرع مما توقع كثيرون، لكن الأجور استغرقت وقتاً أطول بكثير. تبع ذلك خلل في التوازن، فبدا الازدهار قوياً على الورق، لكن جيلاً بأكمله أدرك أن امتلاك منزل بات أمراً بعيد المنال، فيما أخذت تكاليف التعليم ترتفع حتى أصبحت الديون تسبق الشهادات الجامعية.
أزالت السنوات الأخيرة ما تبقى من الأمان المالي. ففي صيف 2022، على وقع الحرب في أوكرانيا، بلغ التضخم ذروته عند 9٪، معدل هو الأعلى منذ 40 عاماً. أما الإيجار فيستنزف الآن حصة أكبر من أي وقت مضى من الأجر الذي تحصل عليه الأسر. وفي بعض الولايات، تبلغ تكلفة وضع طفل في حضانة 30 ألف دولار سنوياً، وهو تقريباً ما يكسبه معلم مبتدئ في بعض الولايات. كما شكل الإفلاس، الذي كان وضعاً قليل الحدوث، الاتجاه السائد. وفي العام 2025 وحده، مرّ أكثر من نصف مليون أمريكي من تجربة تعثر مالي. ومع تحليق أسعار الطاقة وتزايد احتمالات الركود، فإن المسارات تتسارع.
شبح الإفلاس
أصبح عشرات الملايين من الأمريكيين على بعد ثلاثة أشهر من الانهيار المالي. أي لا يفصل بين الأسرة العادية والإفلاس سوى ربع سنة واحد!
وفق استطلاع وطني أُجري حديثاً، لا يتطلب الأمر سوى ما يزيد قليلاً على 6000 دولار من الديون الإضافية لدفع أسرة عادية إلى حافة الهاوية في بلد “الحلم”.
فلم تعد المفردات القديمة ذات مغزى، وأصبح المذهب المحافظ القائم على التوفير والانضباط غير وارد في ضوء حروب التجارة التي أحدثت موجات ضغط في سلاسل التوريد وتركت أثراً كبيراً في جيوب المستهلكين، وأسعار الطاقة، وتكاليف الرعاية الصحية القادرة على التهام عقد كامل من الادخار.
تغير النظرة
تشير أبحاث أجرتها كلية “سافانا” (Savannah) إلى حدوث تحول بين الأجيال في كيفية النظر إلى الحلم الأمريكي. بالنسبة للعديد من الأمريكيين الشباب، لم يعد الطموح يتركز على الحراك التصاعدي، بل على تأمين العناصر الأساسية لحياة مستقرة: وتشمل الإسكان، وفرص العمل الموثوقة، والرعاية الصحية، والتعليم، والتي يُنظر إليها على أنها متطلبات أساسية. تشير الدراسة إلى أن جيل “Z” وجيل الألفية ينظرون إلى الرحلة نحو هذا الاستقرار على أنها غير مؤكدة وأكثر صعوبة مما كانت عليه بالنسبة لأسلافهم. وبالتالي، يرى الكثيرون أن المفهوم التقليدي لـ”الحلم الأمريكي” عفا عليه الزمن أو بعيد المنال.
كما كشفت استطلاعات الرأي أن عدداً أقل من الأمريكيين ينظرون اليوم إلى بلادهم على أنها “استثنائية”، وقلّة هم من يعتقدون أن “الحلم الأمريكي” لا يزال قابلاً للتحقيق، خصوصاً في ظل تكاليف الإسكان والقلق الاقتصادي.
وأظهر استطلاع أجراه مركز “أسوشيتد برس\نورك” لأبحاث الشؤون العامة في 8 يونيو\حزيران الماضي، أن ربع الأمريكيين فقط يعتقدون أن الولايات المتحدة تتفوق على جميع الدول الأخرى. في المقابل، قال 30% إن هناك دولاً أفضل، وهي نسبة مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بنسبة 19% المسجلة في استطلاع مماثل نُشر في يونيو\حزيران 2016.
ويقول ما يقرب من 51% من البالغين في الولايات المتحدة إن “الحلم الأمريكي” لم يعد واقعياً، فيما يعتقد 22% فقط من الشباب أن الحلم لا يزال حياً، مقارنة بـ46% من الأجيال الأكبر سناً.
كما كشف الاستطلاع عن انقسام حزبي عميق. إذ لا يزال نحو نصف الجمهوريين (57%) يعتقدون أن الحلم الأمريكي قابل للتحقيق مقارنة بقرابة 25% من المستقلين و17% من الديمقراطيين الذين يعتقدون العكس.
جدار سياسات الهجرة
بالنسبة للأجانب بدأ “الحلم الأمريكي” يتلاشى بالفعل، بسبب تشديد سياسات الهجرة وقواعد التأشيرات وانخفاض إصدارات تأشيرات الطلاب والتأخيرات في منح البطاقة الخضراء. ومع تقلص فرص العمل، بات الطلاب الأجانب يتجهون إلى وجهات أخرى، تاركين الجامعات الأمريكية ومراكز التكنولوجيا تعاني من خسارة في المواهب والمليارات، كما بدأ المهاجرون البحث عن وجهات عمل أكثر إغراءً.
كان التضييق على المهاجرين وتقييد الهجرة ركيزة أساسية في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تعهد “بإغلاق الحدود” في اليوم الأول له في البيت الأبيض والترحيل الجماعي للملايين.
لم يتغير خطاب ترامب وخططه بشأن الهجرة كثيراً منذ ولايته الأولى. وقد وعد بمواصلة بناء الجدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، وإلغاء حق المواطنة بالولادة لأطفال المهاجرين غير الشرعيين، وإعادة سياسة “البقاء في المكسيك”، والشروع في خطة “الترحيل الجماعي”.
وعلى الرغم من أنه وعد بإعادة إحياء “الحلم الأمريكي” وبجعل “أمريكا عظيمة مجدداً”، إلا أن هذا الوعد يتطلب تغييراً هيكلياً يتخطى الحوافز السياسية قصيرة الأجل، كما أن سياساته الجدلية لا تشي بالقدرة على إعادة أمل مواطنيه في حياة شبيهة على الأقل بتلك التي عاشها آباؤهم. وعليه، يمضي المزيد من الأمريكيين في الوقت الحالي قدماً بتوخي الحذر الشديد، مع إدراك عميق بأن الهامش ضيق والخيارات محدودة، وشعور بالقلق حيال مستقبل أمريكا.















