كشف المخرج العالمي رشيد بوشارب (فرنسي من أصل جزائري) عن مشروع فيلم جديد يحمل عنوان “رقان”، نسبة إلى منطقة صحراوية جزائرية شهدت جريمة استعمارية “مسكوت عنها” تمثلت في تفجيرات نووية في الهواء الطلق، مطلع ستينات القرن الماضي، انتشرت اشعاعاتها في كامل منطقة الساحل الصحراوي الإفريقي.
فيلم “رقان” ليس مشروعاً سينمائياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما يبدو محاولة بصرية للنبش في طبقات عميقة من الذاكرة الجزائرية، تلك التي ظلّت ملوّثة بالصمت، ومثقوبة بالنسيان القسري. في هذا العمل الجديد، يعود المخرج رشيد بوشارب إلى الصحراء، لا بوصفها فضاءً جغرافياً محايداً، بل باعتبارها مسرحاً لـ”جريمة تاريخية مُؤجلة”، وذاكرة ما تزال آثارها الإشعاعية قائمة، في الأرض كما في الأجساد.
يختار بوشارب الانطلاق من لحظة مفصلية: التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر سنة 1960. غير أن الفيلم لا يسلك طريق الوثائقي أو السرد التاريخي المباشر، بل يفضّل زاوية إنسانية دقيقة، تتجسد في شخصية راعي جزائري بسيط، يُنتزع من حياته اليومية بعد مصادرة قطيعه، ليُزجّ به في قلب آلة عسكرية-علمية لا يفهم منطقها، ولا يملك حيالها سوى جسده الهش.
الإنسان في مواجهة الآلة
في هذا الاختيار السردي، يكشف بوشارب عن انشغاله الدائم بالهامش: الفرد المجهول الذي تسحقه الوقائع الكبرى. الراعي ليس بطلاً بالمعنى الكلاسيكي، ولا حاملاً لخطاب سياسي مباشر، بل كائن مُعرّض، يتلقى الصدمة دون أن يمتلك لغة للاحتجاج. هنا تتحول السينما إلى أداة إنصات، لا خطاب، وإلى مرآة لواقع عاشه آلاف الجزائريين الذين ظلوا خارج الصور الرسمية والأرشيفات العسكرية.
الفيلم، كما يُستشف من ملامح مشروعه، لا يسعى إلى إدانة خطابية صريحة، بل يراهن على قوة التناقض البصري: صحراء مفتوحة، هادئة، شبه أزلية، تقابلها انفجارات نووية، مختبرات، بدلات واقية، وأسلاك شائكة. هذا التوتر بين الطبيعة والآلة، بين السكون والعنف، هو جوهر الاشتغال الجمالي في سينما رشيد بوشارب.
الصحراء كشاهد لا كخلفية
لطالما حضرت الصحراء في السينما بوصفها فضاءً للفراغ أو المغامرة، لكن بوشارب يعيد تعريفها كشاهد تاريخي. اختيار التصوير بتقنية 65 مم ليس تفصيلاً تقنياً معزولاً، بل هو قرار جمالي يهدف إلى منح المكان ثقله الكامل، وإبراز تفاصيله، ألوانه، وامتداده الذي يبتلع الشخصيات بدل أن يحتضنها.
في “رقان”، لا تبدو الصحراء صامتة، بل مُثقلة بما لا يُقال. الكثبان، السماء، الرياح… كلها عناصر تتحول إلى حوامل للذاكرة، إلى أرشيف بديل في مواجهة أرشيفات رسمية أنكرت وجود الإنسان المحلي، أو اختزلته في رقم أو يد عاملة.
سينما الذاكرة المؤجَّلة
يواصل رشيد بوشارب، عبر هذا المشروع، خطّه السينمائي القائم على مساءلة التاريخ من زاوية إنسانية، كما فعل سابقاً في أعمال تناولت الحرب، الهجرة، والهوية. غير أن “رقان” يبدو أكثر تجريداً، وأكثر قسوة، لأنه يقترب من ذاكرة غير منتهية، لم تُغلق ملفاتها بعد، ولم تتحقق بشأنها عدالة رمزية أو أي اعتراف واضح بالجريمة الاستعمارية.
الفيلم لا يعِد بإجابات، بل يفتح أسئلة: من يملك حق السرد؟ من يكتب التاريخ حين تُمحى الأجساد؟ وهل يمكن للسينما أن تكون شكلاً من أشكال التطهير الرمزي؟
ما بعد الصورة
“رقان” ليس فيلماً عن الماضي فقط، بل عن استمرارية الأثر: أثر الاستعمار، وأثر العنف العلمي، وأثر الصمت. إنه عمل يضع المشاهد أمام مسؤولية النظر، لا الاستهلاك؛ أمام واجب التذكر، لا الاكتفاء بالمعلومة.
في هذا المعنى، يتحول الفيلم إلى فعل ثقافي بامتياز، حيث لا تكون السينما مجرد سرد، بل مقاومة ناعمة للنسيان، ومحاولة لإعادة الإنسان إلى قلب الصورة، بعد أن أُقصي طويلاً باسم العلم، وباسم الدولة، وباسم السرّ العسكري.















