هذا كاتب شبح من نوع آخر، فهو غير معروف بالفعل، ويبدو أن لا أحد سوف يعرف من هو، وربما لا يكون له وجود بالجسد، خصوصًا بعد محو آثار جريمته التي أصبحت حديث العالم بعد أن كشفت عنها صحيفة “نيويورك تايمز” نهاية الأسبوع الماضي، ووصلت إلى مستوى فضيحة دولية ربما تهدد عرش منصة “أمازون” لبيع الكتب حول العالم.
الفضيحة كشفتها مصادفة بطلة القصة كشمير هيل، وهي مراسلة قسم التكنولوجيا في الصحيفة، والتي نُشرت حكايتها تحت عنوان: “لقد وقعت ضحية احتيال.. استخدم أحدهم الذكاء الاصطناعي لكتابة سيرتي الذاتية”، وتحته بخط أسود كبير: “آلاف الكتب الأخرى من هذا النوع تُلوث موقع أمازون.. من يقف وراء كل هذا الهراء؟!”، وذلك بعدما وصلتها رسالة نصية من إحدى صديقاتها، تبعتها حالة استغراب ودهشة وعدم تصديق وبحث طويل حول الأمر، ثم الوصول إلى نتائج مذهلة.
اختلاقات صريحة ومضحكة
الرسالة كانت تسألها عن سر عدم مشاركتها خبر إصدار سيرتها الذاتية في كتاب يباع على موقع “أمازون” مقابل 27 دولارًا، أما سبب الدهشة والذهول فهو أنها لم تكتب سيرة ذاتية، وأنها لا تعرف المدعو جون كرين ميلر، صاحب الاسم المنشور على غلاف الكتاب المقوى باعتباره “المؤلف”، فلا توجد بينها وبينه أي علاقة، ولا أي اتصالات من أي نوع، كما أنه ليست لديها أية معلومات عن ذلك الكتاب الذي يقع في 90 صفحة، ويجمع بين ما يمكن اعتباره حقائق ومعلومات عامة، واختلاقات صريحة لا أصل لها، لتبدأ رحلة للبحث عن ذلك المجهول الذي توقعت أنه مجرد شخصية وهمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع اكتشافها أنه ينتج ما لا يقل عن 10 سير ذاتية لصحفيين وكتاب ومؤلفين في أسبوع واحد.
رغم أن هيل لم تتمكن من العثور على ذلك الشخص المختفي خلف اسم ميلر، مؤلف سيرتها الذاتية، لكنها خلال رحلة البحث التقت بشخصية خرافية أخرى، فتحت لها بوابة أقرب إلى بوابات الجحيم التي كتب عنها دانتي، إذ اعترف لها بيل جونز، مستشار الأمن السيبراني المتقاعد أنه يستخدم تطبيق “تشات جي بي تي” منذ مارس 2025، في كتابة ونشر كتبه على موقع “أمازون”، وأنه منذ هذا التاريخ كتب ونشر 445 كتابًا غير روائي، تتناول مواضيع عديدة ومتنوعة، من سيرة حياة بعض العباقرة، وغريبي الأطوار، إلى المشروبات الكحولية، وصولًا إلى “خليج تشيسابيك” حيث يقيم.
جونز، الذي وافق على لقاء هيل، شرح لها كيف بدأت الفكرة، وكيف ساعدته “أمازون” على تنفيذها، وما جدواها الاقتصادية، بل ولم يكن لديه مانع من التصوير ونشر القصة كاملة، وهي القصة التي حكتها بالتفصيل، وتبدأ من تلك الرسالة التي جعلتها تفتح فمها مدهوشة من الصدمة، إذ كان هذا الخبر جديدًا ومفاجئًا، فذهبت إلى أمازون للتحقق، وهناك وجدتها بالفعل، سيرة ذاتية لكشمير هيل بعنوان “سيرة كشمير هيل”، وتحتها بخط صغير ما نصه “صحفية التكنولوجيا بصحيفة نيويورك تايمز التي كشفت زيف شركة “كليرفيو إيه آي”، وتحدت شركات التكنولوجيا الكبرى، وأعادت تعريف الخصوصية في العصر الرقمي”، وأنها صدرت في أغسطس/آب 2025. وقالت: “كانت هناك بالفعل، هي سيرتي الذاتية بغلاف بني باهت، ودار نشر لم أسمع بها من قبل.. لم يكن للكتاب أي مراجعات حتى كتبتُ واحدة، متسائلةً، بصفتي موضوع هذا العمل، إن كان بإمكاني التحدث إلى المؤلف”.

وأضافت هيل: “كتبت سيرتي الذاتية المزعومة في 90 صفحة، وكان من المفترض أن تكون أقصر، فهي تجمع بين حقائق عني متوفرة بكثرة على الإنترنت، مثل مكان نشأتي، ورؤى عامة قد تنطبق على أي شخص، مثل البرج الفلكي مثلًا، والذي يمتد الكلام عنه لأكثر من عشر صفحات، والمضحك أن كاتب سيرتي هذا كتب ما نصه: “لا يمكنك فهم تلال كشمير من دون فهم تناقضاتها”، ما هذه البلاغة؟! إلى جانب وصفٍ مُطوّلٍ ومُملٍّ لطقوسي المعقدة لتحضير قهوتي، مع العلم أنني لا أعد القهوة.. زوجي هو من يفعل ذلك”، “الكتاب مُبالغٌ فيه، ومُختلق، ومليءٌ بالشرطات الطويلة، يحمل كل علامات رداءة الذكاء الاصطناعي”!!
كاتب ومحلل ثقافي مخضرم
تحكي هيل أنها عندما نقرت على اسم المؤلف، جون كرين ميلر، وانتقلت إلى صفحته الشخصية بالموقع وجدتها تصفه بأنه “كاتب سيرة مخضرم ومحلل ثقافي”، غير أن صورته كانت عبارة عن صورة شائعة الاستخدام لرجل أبيض يرتدي بدلة ويتحدث في مؤتمر، وكانت سيرتها واحدة من عشر سير ذاتية نشرها السيد ميلر في أسبوع واحد، جميعها عن صحفيين، من بينهم مايك إسحاق زميلها في التايمز، وجيفري جولدبيرج محرر مجلة “ذا أتلانتيك”، وجيك تابر من شبكة “سي إن إن”، غير أن القصة اتخذت مسارًا جديدًا عندما اقترحت عليها خوارزمية التوصيات في “أمازون” الاطلاع على كتاب “دان راذر: الحقيقة والمثابرة”، للكاتبة غزيرة الإنتاج ديان دبليو جراي التي نشرت ستين سيرة ذاتية الصيف الماضي عن مجموعة متنوعة من المشاهير، من بينهم جو روجان، وسيلين ديون، ونجم كرة القدم الإيطالي باولو مالديني. غير أن المدهش أنها عندما فتحت صفحة الكتاب الموصى به، اكتشفت أن مذيع الأخبار المخضرم دان راذر مثلها تمامًا، لم يكن لديه أي علم بوجود سيرته الذاتية، وكتب على صفحته بموقع “فيسبوك” أن مؤلفة الكتاب لم تتحدث معه قط، لتكتشف أن عشرات المؤثرين على شبكة الإنترنت، والمهتمين بالدخل السلبي على موقع “ريديت” يتبعون هذه الفكرة منذ فترة طويلة “استخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة كتاب، وإذا بيع، فهو ربح مضمون”، والأكثر خطورة أن “أمازون” لا تمانع في أن يروج الناس لكتبٍ مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي على منصتها، ما لم تكن سيئة للغاية.
وتحكي كشمير هيل أن كتاب “تشارلي كيرك: رحلة مُلهمة لشابٍ محافظ سياسي وناشط يناضل من أجل أمريكا”، الذي نُشر في فبراير 2025، أصبح من أكثر الكتب مبيعًا على “أمازون” بعد اغتيال كيرك، وبعد عشرات المراجعات اللاذعة التي وصفته بأنه “ممل” و”عملية احتيال” و”عار”، قامت “أمازون” بحذفه، وامتنع المتحدث باسمها جوش بفلوج عن التعليق على محتوى الكتاب، لكنه قال إن الشركة استثمرت “وقتًا وموارد كبيرة لضمان اتباع إرشاداتها”، وستقوم “بحذف الكتب التي لا تلتزم بهذه الإرشادات”.
10 ملايين كتاب
وتضيف أن أستاذين في كلية إدارة الأعمال قاما بدافع الفضول بإجراء بحث حول الكتب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومدى إقبال الناس عليها، وبعد جمع بيانات حول 10 ملايين كتاب نُشرت على “أمازون” خلال السنوات الخمس الماضية، وجدا أن عدد الكتب الإلكترونية المنشورة شهريًا تضاعف ثلاث مرات منذ إطلاق برنامج “تشات جي بي تي”، ليصل إلى أكثر من 300 ألف كتاب بنهاية العام الماضي، بعد أن كان حوالي 100 ألف في عام 2022.
وتقول: “أفادت أمازون بأن مقاييسها الداخلية لم تُظهر هذا المستوى من النمو، لكنها امتنعت عن مشاركة أرقامها، أردتُ معرفة من يكتب هذه الكتب التي تتناول الذكاء الاصطناعي، ومقدار المال الذي يجنونه منها، لكن كانت هناك مشكلة، فكاتب سيرتي جون كرين ميلر لم يُرِد التحدث معي، لم يُقدّم أي معلومات اتصال، أو تفاصيل تكشف هويته في سيرته الذاتية، وقال السيد بفلوج، من أمازون، إن الشركة لا تُقدّم معلومات اتصال للبائعين لحماية خصوصيتهم. لذلك تركتُ تلك المراجعة مُوجّهةً بأدبٍ طلبًا من المؤلف الذي انتهك خصوصيتي أن يتواصل معي، وبينما كنتُ أنتظر الرد، واصلتُ البحث، ووجدتُ كتابًا آخر يتناول الذكاء الاصطناعي، لكاتب سيرة ذاتية يُدعى بيل جونز، ووجدت مقالًا إخباريًا يصف السيد جونز بأنه “شخصية وهمية” من قِبل مؤلف حقيقي حقق أعلى المبيعات، وكان مُحبطًا من أن النسخ المُقلدة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك كتاب من تأليف بيل جونز، تُنافس كتابه”. وتقول هيل: “لكن بيل جونز، البالغ من العمر 70 عامًا، لم يكن شخصية وهمية، كان يعيش على خليج تشيسابيك في ولاية ماريلاند، وعلى عكس كاتب سيرتي الذاتية، كان مُستعدًا للحديث”.















