بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

فضيحة المدارس الإسلامية تهز السويد.. اختلاسات إخوانية مليارية تهدد أمن التعليم في أوروبا

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

بينما تتعامل أوروبا مع موجة متصاعدة من التوترات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالهجرة والاندماج، انفجرت في السويد فضيحة سياسية وأمنية غير مسبوقة، فقد كشفت صحيفة “إكسبرسن” عن تحويل أموال عامة موجّهة في الأصل لمدارس إسلامية خاصة، إلى حسابات شخصية وأنشطة خارجية مرتبطة بأئمة وسياسيين ذوي صلة بتنظيم الإخوان المسلمين.

تشير التحقيقات الأولية إلى اختلاس يتجاوز مليار كرونة سويدية (ما يفوق 100 مليون دولار أمريكي) في أكبر عملية فساد تطال قطاع التعليم الخاص في تاريخ البلاد. وتسلّط الوثائق الضوء على اختراق محتمل لمؤسسات تعليمية حسّاسة، وتسرّب نفوذ خارجي إلى قطاع يفترض أن يكون محمياً. الأمر الذي أثار مخاوف عميقة بشأن قدرة الدول الأوروبية على ضبط التدفقات المالية، وتأثيراتها على الهوية الوطنية والثقافية للأجيال الجديدة.

رقابة هشّة

تكشف هذه الفضيحة عن شبكة معقّدة من التحويلات المالية، استُخدمت فيها شركات وأطراف خارجية كقنوات لنقل مبالغ كبيرة. جزء من هذه الأموال انتهى إلى نوادٍ خاصة في تايلاند، وآخر صُرف على إقامات فاخرة، بينما خُصّصت مبالغ لتمويل أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية في الخارج.

وتشير الوثائق والمراجعات السابقة إلى أن بعض المدارس المعنيّة تلقّت، على مدى سنوات، تحذيرات متكررة بشأن انعزالها الثقافي وممارساتها التعليمية التي تتصادم مع قيم المجتمع السويدي. لكن ضعف منظومة الرقابة فتح الباب أمام تراكم الخروقات إلى أن انفجرت في صورتها الحالية. في جوهرها، لا تتعلق الأزمة بفساد مالي فقط، بل بتشابك السياسة والمال والأيديولوجيا، واستغلال ثغرات قانونية في نظام التعليم الخاص.

صراع على ملف الهجرة والاندماج

أدخلت الفضيحة المشهد السياسي السويدي في طورٍ جديد من الاستقطاب، بعدما سارع اليمين الشعبوي إلى توظيفها لتعزيز سرديته التقليدية حول تعثّر سياسات الاندماج والهجرة. وفقاً لهذا التيار، تكشف القضية عن تقصير حكومي مُزمن سمح لجماعات ذات توجهات أيديولوجية باستغلال المؤسسات التعليمية لتحقيق مكاسب نفوذ.

في المقابل، يتحرك الوسط واليسار بحذر لتفادي تحويل الملف إلى منصة لاستهداف الجاليات المسلمة أو تكريس تصورات نمطية عنها. ليركز خطابهم على معالجة فجوات الرقابة وتشديد الضوابط على المدارس الخاصة، من دون المساس بحقوق الأقليات الدينية أو توسيع نطاق الاشتباه خارج نطاق الوقائع المثبتة.

هذا التباين بين المعسكرَين يعكس هشاشة التوازن السياسي في السويد ويُرجّح ازدياد حدّته مع اقتراب الانتخابات، خصوصاً مع تصاعد استخدام القضية كأداة لتوجيه المزاج العام وتحريك الخوف السياسي في لحظة محمّلة بالتوترات الاجتماعية.

مدارس تتحول إلى منصات لتمويل التطرف

أخذت الفضيحة منحى أمنياً بالغ الحساسية، بعدما كشفت التحقيقات عن ارتباط عدد من الشخصيات الدينية والإدارية بأسماء كانت المخابرات السويدية (SAPO) قد صنّفتها، منذ عام 2019، ضمن فئة «التهديدات الأمنية المحتملة».

وتشير الوثائق، التي باتت متاحة ضمن ملف القضية، إلى أن من بين أبرز المتورطين المشتبه بهم عبد الرزاق وايري، البرلماني السويدي السابق، حيث تُظهر السجلات المالية المرفقة في التحقيق شبهات باختلاس ما يقارب 12 مليون كرونة عبر فواتير لا تستند إلى خدمات فعلية، واستخدام جزء من تلك الأموال في رحلات وإقامات فاخرة، إضافة إلى تحويلات وُصفت بأنها موجّهة لدعم نشاطات سياسية في الصومال.

كما تورّط أئمة آخرون، مثل أبو رعد وعبد الناصر النادي وحسين الجبوري، في إدارة مدارس وروضات أطفال اشتُبه في أنها استُخدمت واجهة لتحويل عشرات الملايين إلى الخارج، وتمويل نشاطات مرتبطة بجماعات متطرفة. وبناء عليه، أغلقت السلطات السويدية معظم هذه المؤسسات، بعضها بدعوى التطرف، وأخرى بسبب الاحتيال المالي الذي وُصف بأنه “يعمل بطريقة آل كابوني”. وقد لخّص المدعي العام هنريك فاغر خطورة القضية بأنها “خسارة مزدوجة للمجتمع”، سُرقت فيها الأموال العامة واستُخدمت لتعزيز التطرف.

تشديد الرقابة على التمويل الديني والأجنبي

لا تتوقف تداعيات الفضيحة عند حدود السويد. فالدول الأوروبية تنظر بقلق متزايد إلى ملف التمويل الأجنبي للمؤسسات التعليمية والدينية، وسط مخاوف من أن تتحول المدارس إلى قنوات نفوذ سياسي أو ثقافي خارجي. وتبرز هنا الحاجة إلى تعزيز الشفافية في مصادر التمويل، وتشديد المعايير الرقابية، وإعادة النظر في القوانين التي تسمح بإنشاء مؤسسات تعليمية تعمل بمعزل شبه كامل عن رقابة الدولة. وتأتي هذه التطورات في سياق أوروبي أوسع، إذ سبق لدول مثل فرنسا والنمسا وألمانيا أن خاضت نقاشات مشابهة حول المدارس الدينية وتأثير جماعات الإسلام السياسي فيها.

دولياً، تثير التحويلات العابرة للحدود تساؤلات حول دور دول قد تكون متورطة في تمويل بعض هذه المؤسسات، وما إذا كانت تسعى من خلالها إلى التأثير في المشهد المجتمعي والسياسي داخل أوروبا. ويضع هذا الواقع الحكومات الأوروبية أمام تحدي بناء آليات رقابة مشتركة، وتعزيز التعاون الأمني في تتبع التحويلات المالية، وضمان ألا يتحول التعليم إلى نافذة لنفوذ خارجي يهدد تماسك المجتمعات. يمكن القول إن ما كشفته الفضيحة السويدية ليس حالة معزولة، بل نموذجاً تحذيرياً لإمكانية تكرار مثل هذه العمليات في دول أخرى إذا لم تُعالج الثغرات القانونية والإدارية في قطاع التعليم الديني.

الفساد المالي والأمن المجتمعي

تقدم الفضيحة السويدية مثالاً صارخاً على التحديات المعقدة التي تواجهها أوروبا اليوم، حيث يتداخل الفساد المالي مع النفوذ الأيديولوجي والأمن المجتمعي. ولا يتعلق الأمر بإدانة المدارس الدينية بحد ذاتها، بل بغياب الرقابة والشفافية، وترك المؤسسات التعليمية عرضة للاختراق المالي والفكري. وما لم تعمل الحكومات الأوروبية على تعزيز نظم الرقابة، وتحقيق توازن دقيق بين الحرية الدينية وحماية الأمن القومي، فإن مثل هذه الاختراقات ستتكرر، مهددةً الهوية الوطنية ومبادئ المواطنة في المجتمعات الأوروبية. فالسويد لم تعد اليوم حالة فردية، بل جرس إنذار لقارة بأكملها، تواجه تحديات أكبر من مجرّد فساد إداري، لتجد نفسها أمام معركة حماية التعليم من التحولات الأيديولوجية العابرة للحدود.