بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود
بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

فضيحة الـ15 مليون يورو: كيف موّلت ألمانيا جمعية مثيرة للجدل رغم التحذيرات من صلاتها بـ “الإخوان المسلمين”؟

بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود
بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود

أعادت قضية التمويل العمومي الذي حصلت عليه جمعية “إسلاميك ريليف ألمانيا” (Islamic Relief Deutschland) فتح نقاش واسع في ألمانيا حول الرقابة على الأموال العامة، وحدود الثقة التي تمنحها الحكومات للمنظمات غير الحكومية العاملة في المجال الإنساني، بعدما كشفت تقارير إعلامية ووثائق رسمية عن تحويل نحو 15 مليون يورو من الأموال الحكومية إلى الجمعية رغم وجود تحذيرات سابقة تتعلق بصلات مزعومة لها بجماعة “الإخوان المسلمين”.

بدأت القضية تأخذ أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة بعد الكشف عن تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الاتحادي الألماني (Bundesrechnungshof)، انتقد فيه وزارة الخارجية الألمانية بسبب تمويلها المستمر لجمعية “إسلاميك ريليف ألمانيا” خلال عدة سنوات دون رقابة مالية كافية.

ووفقاً لما نشرته صحيفة “دي فيلت” الألمانية ونقلته عدة وسائل إعلام أوروبية، حصلت الجمعية على نحو 15 مليون يورو من التمويلات الحكومية المخصصة لمشاريع إنسانية في سوريا بين عامي 2013 و2019. وتشير الوثائق إلى أن ما يقارب 8.5 ملايين يورو تم تحويلها بين عامي 2013 و2016، قبل أن تتبعها تحويلات إضافية خلال السنوات اللاحقة.

بحسب التقرير، فإن جزءاً من هذه الأموال تم تحويله دون تدقيق كافٍ في تقارير الإنفاق أو آليات التتبع المالي، ما دفع ديوان المحاسبة إلى اتهام وزارة الخارجية بتمويل الجمعية “بشكل شبه أعمى”، وفق التعبير الذي ورد في بعض التقارير الإعلامية المستندة إلى الوثيقة الرسمية.

تحذيرات تعود إلى عام 2009

اللافت أن الجدل المحيط بالجمعية ليس جديداً. فقد أشار تقرير صادر عن هيئة حماية الدستور في ولاية بادن-فورتمبيرغ عام 2009 إلى وجود ارتباطات بين منظمة “إسلاميك ريليف وورلدوايد” والبيئة المحيطة بجماعة الإخوان المسلمين.

كما اعترفت الحكومة الألمانية لاحقاً بوجود “علاقات شخصية وثيقة” بين بعض مسؤولي الجمعية ومنظمات مصنفة ضمن الدوائر القريبة من “الإخوان المسلمين” داخل ألمانيا. ورغم ذلك استمرت التمويلات الحكومية لسنوات قبل أن تتوقف نهائياً عام 2019.

من أكثر النقاط التي أثارت الجدل في التقرير الحديث عن نقل مبالغ مالية نقداً عبر حقائب من ألمانيا إلى تركيا بعد تعذر إجراء بعض التحويلات المصرفية المرتبطة بالمشاريع السورية.

ورغم عدم تقديم الوثائق المنشورة أدلة مباشرة على وصول الأموال إلى أنشطة غير قانونية أو جماعات متطرفة، فإن ديوان المحاسبة اعتبر أن طريقة إدارة التمويلات كشفت عن إخفاق واضح في أنظمة الرقابة الحكومية المفترض أن تحكم صرف الأموال العامة. 

بين العمل الإنساني والجدل السياسي

تؤكد جمعية “إسلاميك ريليف ألمانيا” ومحاموها رفضهم لجميع الاتهامات المتعلقة بوجود صلات تنظيمية مع “الإخوان المسلمين” أو حركة “حماس”، مشددين على استقلالية الجمعية وطبيعة نشاطها الإنساني. كما لم تتضمن الأجزاء المنشورة من تقرير ديوان المحاسبة دليلاً مباشراً على استخدام الأموال الحكومية في تمويل أنشطة إرهابية أو تحويلها إلى جماعات متطرفة.

مع ذلك، يرى منتقدو الجمعية أن استمرار التمويل رغم التحذيرات الأمنية المتكررة يكشف عن خلل مؤسساتي في آليات التحقق والتدقيق، ويطرح أسئلة جدية حول المعايير التي تعتمدها الحكومات الأوروبية عند اختيار الشركاء المستفيدين من الأموال العامة.

لم تبق القضية محصورة داخل ألمانيا، بل امتدت تداعياتها إلى النقاش الأوروبي الأوسع حول تمويل الجمعيات والمنظمات المرتبطة بالإسلام السياسي.

وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت الأصوات في عدد من الدول الأوروبية، بينها فرنسا والنمسا وهولندا، مطالبة بإعادة النظر في آليات منح التمويلات العمومية والأوروبية للجمعيات التي تثار حولها شبهات أيديولوجية أو أمنية، مع المطالبة بتشديد إجراءات التدقيق والمراقبة المالية.

أزمة ثقة في إدارة المال العام

تكشف هذه القضية عن معضلة تواجه العديد من الديمقراطيات الأوروبية: كيف يمكن دعم المشاريع الإنسانية والإغاثية الضرورية دون فتح الباب أمام استغلال الأموال العامة من قبل جهات قد تكون محل جدل سياسي أو أمني؟

ويرى خبراء الحوكمة أن الحل يكمن في تعزيز الشفافية، وفرض عمليات تدقيق مستقلة، ونشر تقارير دورية حول أوجه صرف التمويلات الحكومية، إضافة إلى تعزيز التنسيق الأوروبي في ملفات مكافحة تمويل التطرف وغسل الأموال.

في النهاية، أصبحت قضية “إسلاميك ريليف ألمانيا” مثالاً بارزاً على التحديات التي تواجه الحكومات الأوروبية في التوفيق بين العمل الإنساني وحماية المال العام وضمان الأمن الوطني، وهي معادلة تبدو أكثر تعقيداً مع تصاعد المخاوف المرتبطة بشبكات الإسلام السياسي داخل القارة الأوروبية.