تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

تونس

فضاء “الريو”.. 100 عام من السينما والحداثة في مواجهة قرارات تهدّد آخر القلاع الثقافية المستقلة

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

تصادف السنة القادمة الذكرى المئة لتأسيس قاعة السينما العريقة “الريو” الواقعة على بعد خطوات من شارع الحبيب بورقيبة، الوجهة السياحية الأولى في العاصمة التونسية، والتي استوحى منها روائيون وسينمائيون وموسيقيون ومسرحيون وتشكيليون وشعراء، العديد من الأعمال الإبداعية.

في الوقت الذي كان مدير هذا الفضاء الثقافي، المنتج السينمائي والمسرحي والناشط الثقافي الحبيب بلهادي، يستعد لتنظيم احتفالية بمناسبة مرور قرن على افتتاحه، فوجئ بمجموعة من الإجراءات التي تهدّد استمراريته والتي اعتبرها محاولات مقصودة هدفها قتل الفضاء كمساحة للتعبير الحر والاختلاف.

تاريخ حافل

كانت “الريو” من أشهر قاعات السينما في تونس إلى حدود منتصف تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع نشاطها وصولاً إلى قرار مالكها ببيعها نظراً لتراجع الإقبال على السينما وعدم صلوحية تجهيزاتها التقنية في زمن الثورة الرقمية، فقرر بيعها سنة 2011 حيث كانت النية تتجه إلى التفويت فيها لشركة بيع بالجملة، لكن تدخّل المنتج السينمائي والمسرحي الحبيب بلهادي، صاحب الخبرة الطويلة في إدارة الفضاءات المستقلة، حيث سبق له أن أدار سينما “أفريكا آر” التي طرد منها بسبب بث أفلام تتعارض مع الإسلام السياسي، كما أدار قاعة سينما المونديال، أنقذ هذه القاعة التاريخية. 

نجح بلهادي من خلال قروض بنكية في اقتنائها سنة 2014 ليحولها إلى فضاء متعدد الاختصاصات للعروض المسرحية والسينمائية والموسيقية والندوات الفكرية وإلى فضاء للمبادرات التقدمية والحداثية. وأصبحت “الريو” قبلة القوى التقدمية وخاصة للشباب التونسي المبدع، كما تحتضن منذ سنوات عروض التظاهرات الثقافية الأساسية التي تنظمها وزارة الثقافة، وخاصة أيام قرطاج المسرحية والسينمائية والموسيقية، إلى جانب التظاهرات الثقافية للمنظمات والجمعيات مثل الاتحاد العام التونسي للشغل وجمعية النساء الديمقراطيات والجامعة التونسية لنوادي السينما والجامعة التونسية للسينمائيين الهواة والرابطة التونسية لحقوق الإنسان وغيرها.

ويبدو أن هذا التوجّه أزعج وزارة الثقافة التي رأت فيه خروجاً عن “اختصاص” الفضاء الثقافي لتبدأ سلسلة من التضييقات لتجفيف الموارد المالية للفضاء، منها سحب رخصة المقهى الثقافي والحرمان من احتضان التظاهرات التي تنظمها الوزارة، ومن المنحة السنوية التي ترصدها لمساعدة الفضاءات الثقافية المستقلة على الاستمرار في تحمّل الأعباء المالية للفضاء، وهي منحة تتمتّع بها معظم الفضاءات الثقافية الخاصة.

تفاصيل الخلاف

يقول مدير سينما “الريو” الحبيب بلهادي لـ “غلوبال ووتش عربية”، إن المشكلة بدأت مع وزارة الثقافة قبل عام، وتحديداً في يوليو 2025، عندما اعترضت الوزارة على الملف الذي قدّمه الفضاء الثقافي من أجل الحصول على منحة من الوزارة في إطار منظومة الدعم العمومي للفضاءات المستقلة، وهو تقليد عرفت به تونس منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. ويضيف: “تبيّن أن هناك وثيقة منقوصة تتعلّق بشهادة من الحماية المدنية حول صلاحية الفضاء، وقد قمنا باستكمال الملف وتوفير الوثيقة، وتمت تزكية الملف من قبل اللجنة المختصّة في ذلك. وعوضاً عن صرف المنحة العمومية، عطّلت السيدة الوزيرة أمينة الصرارفي عملية الصرف بحجّة عدم توفير وثائق ضرورية في الملف وعدم إجابة الفضاء عن مراسلات من الوزارة”.

 

D.R

ويتابع: “تكرّر السيناريو في العام الحالي، بل حدث ما هو أسوأ من ذلك، إذ تمّ سحب رخصة المقهى الثقافي، كما سُحب فضاء “الريو” من قائمة الفضاءات التي تحتضن عروض أيّام قرطاج المسرحية والموسيقية والسينمائية، وهو ما يعني عملياً قتل الفضاء وحرمانه من الموارد المالية للاستمرار، علماً أن فضاء مسرح سينما “الريو” هو الأقل تكلفة بين الفضاءات المستقلة والعمومية والأكثر نجاعة تقنياً”.

ويؤكد بلهادي أن “القرار يتجاوز وزيرة الثقافة.. وهو ليس قرارها”.

لا إبداع بدون حرية

هذه الأزمة التي يعانيها فضاء “الريو” الثقافي دفعت عدداً من المثقفين والمبدعين والجمعيات الثقافية إلى التعبير عن دعمهم وكتابة عريضة من أجل تمكينه من منحتي التسيير لعامي 2025 و 2026 التي أقرتها لجان تابعة لوزارة الثقافة. بل إن لجنة الدعم العمومي لسنة 2026 ثمّنت المستوى التقني للفضاء بالترفيع بمبلغ عشرة آلاف دينار إضافي (حوالي 3 آلاف دولار). 

ويقول الحبيب بلهادي: “هذه الصعوبات لا تنهي نشاط ‘الريو’ بل سنُعد لمئوية الفضاء بين 30 مارس 2027 الموافق ليوم الأرض الفلسطيني والأول من مايو 2027 الموافق لعيد العمال العالمي. وسيتم عرض أفلام عن القضية الفلسطينية في إطار مهرجان السينما الفلسطينية في دورته الأولى، وبث الأفلام التي عُرضت في ‘الريو’ بين 1927 و2027، وتضم أشهر الأفلام العالمية إلى جانب أفلام عربية لأم كلثوم وفريد الأطرش وشادية وغيرهم”.

ويختم بلهادي حديثه بالقول، إنه “لا ثقافة ولا إبداع بدون حرية، وستستمر ‘الريو’ فضاء للمسرح والسينما والإبداع والحرية”.

يُذكر أن الحبيب بلهادي من روّاد الثقافة المستقلة في الوطن العربي، وهو خبير لدى العديد من المنظمات العربية والدولية والصناديق التي تدعم الثقافة والإبداع حول العالم.