بعد أكثر من عقد ونصف العقد على أحداث “الربيع العربي”، تبدو جماعات الإسلام السياسي أمام واحدة من أصعب المراحل منذ نشأتها؛ فقد انتقلت من موقع المعارضة والاحتجاج إلى اختبار السلطة والحكم، قبل أن تواجه انتكاسات سياسية وتنظيمية عميقة، وانقسامات داخلية حادة، وتراجعًا في قدرتها على الاحتفاظ بـ “الحواضن الاجتماعية” التي شكّلت أحد أهم مصادر استمراريتها.
لا يتعلق السؤال اليوم بما إذا كانت جماعة “الإخوان” قد خسرت معركتها السياسية والتنظيمية، وإنما بما إذا كان هذا التراجع يعني بالضرورة أفول الإسلام السياسي باعتباره أيديولوجيا. فالسقوط التنظيمي قد يكون قابلاً للترميم وإعادة إنتاج الهياكل والأدوار، بينما تظل الأفكار والمفاهيم التي قامت عليها الأيديولوجيا الإسلاموية أكثر قدرة على البقاء والتكيف داخل المجالين الثقافي والاجتماعي.
في هذا الحوار الخاص لـ “غلوبال ووتش عربية”، نفتح مع الدكتور فريد بن بلقاسم، أستاذ الحضارة المشارك بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، والباحث في شؤون الجماعات الإسلاموية، ملف مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية، ونتوقف عند تداعيات سقوط تجربة “الإخوان” سياسياً وتنظيمياً، ومدى قدرة الجماعة على إعادة بناء نفسها، وإمكانية انتقالها من العمل التنظيمي التقليدي إلى صيغ أكثر مرونة وقدرة على التكيف. كما نناقش حدود ما تسميه الجماعات الإسلاموية “المراجعات الفكرية”، وهل يمكن أن تتحول بالفعل إلى مراجعة نقدية للأصول الفكرية، أم أنها تظل مجرد تكتيك لإعادة التموضع السياسي.
– بعد حالة السقوط التي شهدتها جماعة “الإخوان” على المستوى السياسي والتنظيمي، هل يمر الإسلام السياسي بنوع من التراجع والانهيار داخل المنطقة العربية؟
– فريد بن بلقاسم: يمكن أن نستشرف مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية من خلال التمييز بين مستويين اثنين: الإسلامويّة باعتبارها أيديولوجية سياسيّة، والإسلام السياسي باعتباره تنظيمات وجماعات تضمّ فاعلين تاريخيين وفي مقدّمتهم جماعة “الإخوان”، أو لنقل جماعات “الإخوان” المتوزّعة بحسب سياقات وطنيّة وإقليميّة مختلفة. ونحتاج أن نستحضر في هذا الإطار الاستشرافي تجارب الماضي مع الوعي بما يميّز التجربة الحالية المرتبطة بما سُمّي “الربيع العربي”، وبما لها من خصوصية لجهة أنّ تلك الجماعات انتقلت من المعارضة والاحتجاج إلى السلطة والحكم.
فإذا بدأنا بالجانب الأولّ، فمن الواضح أنّ جماعات “الإخوان” تعاني أزمات تنظيميّة داخلية مرتبطة بالانقسامات الحادة داخلها، وبالضربات القوية التي تلقتّها شبكاتها التنظيميّة. وقد عرّت تجربة الحكم زيف شعاراتها ما جعلها في وضع انكشاف أمام الرأي العامّ، ففقدت حواضنها الاجتماعيّة، ولم يعد لها كتنظيم جاذبيّة، وهي اليوم من الناحية التنظيميّة مجرّد جماعات تربط بين أفرادها عصبيّة الولاء الأيديولوجي وما يدرّه الانتماء من مصالح ومنافع مادية ومعنويّة.
أمّا من الناحية الأيديولوجيّة فالمسألة أشدّ تعقيداً في تقديرنا. ووجه التعقيد أنّ بعض المقولات التي توظّفها الإسلاموية أيديولوجياً على غرار “شمولية الإسلام”، و”الإسلام الصحيح”، و”شرع الله” أو الشريعة، و”حكم الله” أو “الحاكمية” وغيرها.. يتسق مع التصوّرات الدينيّة الشائعة في أوساط فئات اجتماعيّة. وهذا ما يطرح مشاكل التحديث في العالم العربيّ، فهناك مجالات كثيرة طالها التحديث بدرجات متفاوتة عمقاً واتّساعاً سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو القانوني أو الاقتصادي، ولكن المجال الثقافي والفكري وتحديداً المسألة الدينيّة ظلّ مجالاً مشدوداً إلى المحافظة وإلى الماضي وإلى التشبّث بالتقاليد والموروثات، وظلّ الإسهام في اختراق بناه وخلخلة ثوابتها محدوداً ويجابه بالرفض والاستنكار والاستهجان، ويُستعدى من يجرؤ على ذلك ويقع إقصاؤه رمزياً ومعنوياً بل وحتى مادياً، وهو ما تشهد به محاولات طه حسين ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة ومحمد أركون ومحمد الطالبي وغيرهم.
ويرتبط الأمر أيضاً بالمدرسة وبمناهج التربية والتعليم، ووضعيتهما تفسّر إلى حدّ كبير لماذا تجد تلك المقولات الإسلاموية رواجاً، فهي مقولات تحظى بالقبول وتعتنقها فئات كثيرة باعتبارها حقائق دينيّة ثابتة وراسخة ومتعالية على التاريخ. ومن هذا المنطلق، تكمن المفارقة، فتجربة ما يسمّى “الربيع العربيّ” كشفت عن أزمة تنظيميّة لدى جماعات “الإخوان”، إذ تراجعت قدرتها على الاستقطاب وباتت رمزاً للفشل وسوء التسيير، ولكن أزمة التحديث الفكري والثقافي وبخاصّة في الفكر الديني تجعل من الصعب الجزم بأفول الأيديولوجيا الإسلامويّة.
أمّا بالنسبة إلى الجانب الثاني؛ فيكشف التاريخ أنّ لجماعات “الإخوان” قدرة على التكيّف مع أوضاع الأزمات، ولها في هذا المضمار مقولات مستمدّة ممّا تسمّيه “فقه الأزمة” على غرار الابتلاء، والمظلوميّة، والتقيّة، ولها تجارب في التعامل مع هذه الوضعيات. ولنأخذ مثالاً على ذلك “حركة النهضة” في تونس، فقبل 2011 لم يكن لها حضور تنظيميّ مرئيّ يُذكر في الساحة التونسيّة إذ تقلّص بعد الصراع الذي خاضته مع الدولة في التسعينيات، ولكن ما إن سنحت الفرصة بعد 2011 حتى تبيّن أنّ الأمر لا يتعلّق بتراجع حقيقيّ واستطاعت الحركة في وقت وجيز أن تعيد انتشارها التنظيميّ وأن تتحصّل من الناحية السياسيّة على المركز الأوّل في انتخابات أكتوبر 2011. والأمر نفسه يقال على “إخوان مصر” أو غيرهم في البلاد العربيّة مع اختلاف السياق والظروف.
الحاصل من هذا أنّ تجارب الماضي تجعلنا حذرين في استشراف مستقبل الجماعة حتى وإن كان السياق الحالي مختلفاً. فالمجتمعات العربيّة التي شهدت حكم “الإخوان” بعد “الربيع العربيّ”، صارت لها خبرة في التعامل معهم واكتسبت حصانة، ومع ذلك فتلك الجماعة – بنزعتها البراغماتية – لها قدرة على ما نسمّيه “التكيّف” سواء من الناحية التنظيميّة (تكوين جمعيات، وتشكيل أحزاب، والتغلغل في المؤسسات والمنظمات إلخ..)، أو حتى من الناحية الأيديولوجيّة (تبنّي المقولات الحديثة كحقوق الإنسان، الديمقراطية..). وعلينا أيضاً أن نستحضر أنّ هذه الجماعة لها بعد وظيفيّ، أي أنّها من الناحية الجيوسياسيّة تضع نفسها أداة في خدمة مصالح قوى إقليميّة ودولية، وهو ما يعقّد مسألة مواجهة هذه الجماعة.
– هل التراجع التنظيمي والسياسي لجماعة “الإخوان” يدفعها لإعادة مراجعة ايديولوجيتها الفكرية في ظل ما تعانيه من انقسامات حادة؟
– يتحتّم علينا بداية تحديد المقصود بالمراجعات الفكريّة، فإذا كان الأمر يعني عمليّة تحليليّة نقديّة تفضي إلى مساءلة الثوابت، ومحاسبة الماضي، واستشكال البنية الفكرية وزعزعة مقوّماتها، فـ”الإخوان” من منطلق كونهم يعتقدون أنّ جزءاً هامّاً من “أفكارهم” هو عقيدة يعتنقونها، ويؤمنون بصحتّها واستقامتها باعتبارها “الدين”، فإنّ المراجعة بهذا المعنى مسألة غير مدرجة على جدول أعمالهم، بل يستحيل التفكير فيها، لأنّها تفضي في النهاية إلى فقدان هويّتهم الفكريّة أو الحمض النوويّ المميّز لأيديولوجيّتهم.
التاريخ يخبرنا أنّ ما قامت به الجماعة أو بالأحرى بعض دعاتها يندرج ضمن ما يُسمّى “المراجعات”، لا يعدو أن يكون عملية تلفيقيّة تمّ بموجبها القول إنّ الجماعة تتبنّى الديمقراطيّة ومبادئ حقوق الإنسان. وإذا نظرنا إلى هذه العمليّة نجد أنّ ما قام به هؤلاء الدعاة يفتقر إلى الأساس النظريّ المتين، وإلى الانسجام الفكريّ من ناحية الجمع بين مرجعيات متمايزة، ومن الناحية العمليّة والأخلاقيّة يفتقر إلى النزاهة والمصداقيّة. وهي عمليّة تعكس من ناحية أخرى البعد البراغماتي والانتهازي في الجماعة في صراعها مع الدولة الوطنيّة ومعركتها من أجل الوصول إلى السلطة والحكم، فأمام فشل محاولاتها الانقلابيّة، وفي مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وظهور تيار في الغرب يدعو إلى إيجاد ما سمّاه “الإسلام المدنيّ الديمقراطيّ”، استجابت الجماعة من خلال تبنّي الديمقراطية في صيغتها “الانتخابيّة”، وبعض مبادئ حقوق الإنسان، واعتبرت ذلك جزءاً من المراجعات، وسوّقت لنفسها جماعة معتدلة وسلميّة وتنأى عن العنف في مقابل الجماعات المتطرّفة كـ”القاعدة” و”داعش” لاحقاً، وهو ما نجد صداه في مرحلة الربيع العربيّ.
والخلاصة، المراجعات المفضية إلى هدم الأصول الفكرية مسألة غير مفكّر فيها عند الجماعة، صحيح قد تكون هناك انشقاقات تنظيميّة، واستقالات، وقد يقف فرد ما مفكّراً ومنتقداً ومراجعاً لا موقعه التنظيميّ فحسب بل وحتى أفكاره، وقد تدفعها الضغوطات والمصالح هنا وهناك إلى التراجع أحياناً، ولكن أن تراجع أفكارها كجماعة وتخرج عن أصولها وتقف على أرضية فكريّة مغايرة فهذا يعني موتها بالمعنى الرمزيّ ونهايتها، وهو أمر نراه بعيداً في الظروف الحالية ومع الأجيال التي تربّت على أدبيات حسن البنّا وسيّد قطب ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وغيرهم، فهذه الأدبيات لا تعلّم التفكير النقديّ ولا تحفّز على إعادة النظر والمراجعة العميقة.
ومع ذلك فالمسألة في رأينا، لا تتعلّق بجماعة “الإخوان” وقدرتها على القيام بمثل هذه المراجعات، بل تتعلّق بالدولة الوطنيّة وبالنخب وما هو محمول عليهم جميعاً من مهامّ ومسؤوليات حتى لا تكون البيئة الفكرية والثقافيّة بيئة قابلة للأيديولوجيا الإسلامويّة، وهو ما سيفضي إلى أن تكون تلك الأيديولوجيا فاقدة للجاذبية وعلى هامش التيار الفكريّ الغالب في المجتمع.
سيرة موجزة
الدكتور فريد بن بلقاسم، أستاذ الحضارة المشارك بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، متخصّص في الجماعات الإسلاموية. صدر له: علاقة المسلمين بغيرهم من خلال الاستشراق المعاصر برنارد لويس أنموذجا (ميسكيلياني للنشر)، مفهوم الولاء والبراء في خطابات الحركات الإسلاموية (تريندز للبحوث والاستشارات)، والإسلام السياسي ومفهوم المخاطر (دار الجنوب).
كما صدر له عدّة دراسات مع مركز تريندز للبحوث والاستشارات، ومركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ومركز المسبار.















