رغم أن “الإخوان المسلمين” وعدداً من الجماعات الأصولية، تعيش حالة من الانقسامات والضربات التنظيمية وفقدان الثقة الشعبية، فإن منطلقاتها المركزية في الخطاب الإسلاموي لا تزال حاضرة في الوعي العام، ما يجعل الحديث عن نهاية الإسلام السياسي أكثر تعقيداً من مجرد رصد تراجع جماعة أو تنظيم.
في الجزء الثاني من الحوار الخاص لـ “غلوبال ووتش عربية”، يضع الدكتور فريد بن بلقاسم، أستاذ الحضارة المشارك بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، والباحث في شؤون الجماعات الإسلاموية، يده على الكثير من إشكاليات بقاء وتمدد الخطاب المتطرف للجماعات الإسلاموية، وقدرتها في الحفاظ على حواضنها الاجتماعية، ومناقشة الجذور الفكرية المشتركة بين “الإخوان” والتيارات السلفية الجهادية، وطبيعة الصلات بين أدبيات الجماعة والمنطلقات التي تبنتها تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”، قبل الانتقال إلى سؤال المواجهة الفكرية، وكيف يمكن بناء خطاب قادر على تفكيك السرديات المتشددة، وإنتاج مناعة معرفية لدى الأجيال الجديدة، خاصة في عصر أصبحت فيه الجماعات الأصولية قادرة على توظيف الأدوات الرقمية في الاستقطاب والتجنيد وإعادة إنتاج الأفكار.
– في إطار مرجعية “الإخوان” تاريخياً كجماعة مؤسسة للمنهجية القطبية، ما هي طبيعة العلاقة الوثيقة بين أدبياتها والمنطلقات الفكرية لتنظيمي “القاعدة” و”داعش”؟
– فريد بن بلقاسم: لعلّ نقطة الانطلاق في الإجابة عن هذا السؤال الإشكاليّ تكمن في الإقرار بانتماء كلّ هذه الجماعات إلى الإسلام السياسيّ، وهذا الانتماء يدفعنا إلى البحث في مختلف الروابط بينها، سواء كانت فكرية أو تنظيميّة، وذلك بصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة بينها بالتفريط أو بالإفراط. فالمتفحّص في أدبياتها جميعها يجد في ما وراء الظاهر والسطح قواسم مشتركة سواء في طريقة التفكير أو في المفاهيم الجامعة، فتعدّدها هو تعدّد كثرة لا تنوّع كما انتهى إلى ذلك نصر حامد أبو زيد.
ولئن وقفنا عند العلاقة الفكرية كما هو مطروح في السؤال، نجد أنّ هذه الجماعات تشترك في الطريقة التي بها تفكّر وتنتج رؤيتها لنفسها وللعالم والآخرين، ويمكن أن نتبيّن المشتركات بينها في النقاط:
أولاً) أدلجة الدين بتحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسيّة للوصول إلى السلطة والحكم.
ثانياً) طغى على خطابها البعد الشعبويّ من خلال ترديد جملة من الشعارات البرّاقة التي تلخّص مشروعها “الخلاصيّ” من قبيل “الإسلام هو الحلّ”، و”الإسلام دين ودولة”، و”الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.
ثالثاً) تعتمد على المنطق نفسه الذي يقوم على احتكار تمثيل الإسلام، وهو منطق يشي بما يمكن تسميته “المركزيّة الإسلامويّة” التي تستدعي معاني النقاء والتفوّق والهيمنة، ويعكس استعادة بصورة صريحة أو مواربة للفكرة الموروثة عن الفرقة الناجية، تلك التي تمثّل الإسلام الصحيح.
رابعاً) تفكّر فيما يصدر عنها من أفعال ضمن استراتيجية التمكين من زاوية تحكمها مفاهيم الاغتراب عن الواقع، والابتلاء والمظلومية والإيمان بحتمية النصر. فهي تعتقد أنّها تمثّل “الطائفة المنصورة”، فمتى كانت خياراتها مصيبة فهي تراها جزاء، ومتى أخطأت فذلك في نظرها ابتلاء، ولذلك فهي لا تعترف بالفشل سواء في مستوى ممارساتها أو في مستوى ايديولوجيتها، ولا تتحمّل مسؤولية أفعالها وما ينجرّ عنها من آثار سواء بالنسبة إلى خصومها أو حتى بالنسبة إلى أتباعها وما يعانونه من محن.
خامساً) يجمع بينها كلّها، في الصّعيد الابستيمولوجيّ، النسق المعرفيّ نفسه، وهو نسق تحكمه قواعد الرؤية الإطلاقيّة الماهويّة، ويفتقد الحسّ التاريخيّ والبعد النقديّ للمفاهيم والأشياء، أي الوثوقيّة ورسوخ وهم المطابقة بين فهمهم وتأويلهم والنصّ الدينيّ، ويشي ذلك بالرغبة المسكوت عنها في تطويع النصّ لينطق بالمعاني التي تسهم في تحقيق الواقع المنشود.
ويمكن اختزال المشتركات المشكّلة لبنية التفكير لدى جماعات الإسلام السياسيّ كلّها إخوانيّة وسلفية وسلفية جهادية، في أدلجة الدين والهوياتية وما تستبطنه من رؤية مانوية تقسّم العالم إلى فسطاطين متضادين والبشر إلى صنفين بينهما تعارض كلّي، والماهوية والماضوية والخلاصية والانغلاقية والشعبوية، وهي كلّها تنطوي على نزعة لإقصاء الآخر من مجتمع المؤمنين من خلال استدعاء شعور الاستعلاء بالإيمان الذي هو خطوة أساسية على درب ما يسمّونه النصر والتمكين، أي إلى عزل الجماعة عن المجتمع وخلق علاقة صدامية قائمة على العداء بين الطرفين، وعلى المفاصلة والتكفير. وتتجلّى الروابط الفكريّة من ناحية أخرى في احتكام تلك الجماعات إلى جهاز مفاهيميّ يشدّ مفاصل منظومتها الأيديولوجية، وهي مبثوثة في خطاباتها بشكل يشي بأنّها تمثّل النواة الصلبة لتلك المنظومة والبؤرة التي فيها تلتقي مهما تفرّقت بها السبل. وتبرز من بين أهمّ تلك المفاهيم: شمولية الإسلام، والحاكمية، والشريعة، والدولة الإسلامية، والولاء والبراء، والجهاد.
ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّّ العلاقة بين تلك الجماعات لا تقتصر على البعد الفكريّ فهناك تواصل بين القواعد البشريّة وصلات تنظيميّة تدلّ عليها الكثير من الوقائع والأحداث، قبل ما يُعرف بـ”الربيع العربيّ” وبعده.
– كيف يمكن صناعة خطاب فكري قادر على تحصين الشباب من السرديات الدينية المتشدّدة؟
– يكتسي هذا السؤال أهميّة بالغة بالنظر إلى أنّه يطرح مسألة تحصين الأجيال الجديدة من الانجذاب إلى الجماعات المتطرّفة، ويستدعي الأمر في رأينا وضع استراتيجيّة شاملة لا تكتفي بتطوير الخطاب الدينيّ فقط، بل تتكامل فيها الأبعاد السياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة والتربويّة والثقافيّة والأمنيّة. أمّا إذا قصرنا النظر على المسألة الدينيّة فالأمر يتعلّق في تقديرنا بمقوّمين اثنين: إصلاح منهجيّ للخطابات الدينيّة، ومراجعة عميقة لوضع المؤسسات المعنيّة بالشأن الدينيّ. وكنّا قد اقترحنا في كتابنا “الإسلام السياسيّ ومفهوم المخاطر” مقاربة مفصّلة في هذين المستويين، ويمكن أن نوجز الإشارة إليها في النقاط التالية:
أولاً) يقتضي الإصلاح المنهجيّ التمييز الضروريّ بين الدين في ذاته بما يعنيه من قيم ومبادئ ذات شحنة متعالية وإطلاقية، وهي مبادئ وقيم وجوديّة تضفي معنى على الحياة وتوفّر حلاّ لمعضلات المبدأ والمصير و”تجعل من الدين الإجابة عن حاجة نفسيّة كونيّة” على حدّ قول عالم الأديان ميشال ميسلان، والفكر الدينيّ باعتباره إنتاجاً بشرياً محكوماً بسياقات تاريخيّة متغيّرة من مرحلة إلى أخرى، ويعكس فهوم البشر وتأويلاتهم وتمثّلاتهم وتعبيراتهم المحدودة بحدود البيئة بأبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والذهنيّة، وبالظّروف الزمانيّة والمكانيّة، وبانتماءاتهم الاجتماعية والمهنيّة وبما يملكونه من أدوات فكريّة. والتراث الإسلاميّ كلّه بما يشمله من علوم واتّجاهات ومذاهب وفرق منتج بشريّ قابل للنقد والمراجعة والقطيعة معه والتجاوز.
ثانياً) تكمن أهميّة هذا الإصلاح المنهجيّ في أنّه يتيح التعامل بحسّ نقدي – نابع من أنّ المسلم المعاصر حرّ ومسؤول – مع كل ما يطرح من قضايا وموضوعات متّصلة بالدين والخروج من حالة التسليم والتصديق لكلّ ما يقال باسم الدين. وهذا ينطوي على فكرة رئيسية وهي أنّ فهم الدين لم يكن هو عينه من حقبة إلى أخرى ولا من بلد إلى آخر. فكلّ فَهْم، مهما علا شأنه وأيّا يكن مصدره، يحمل في كل عصر بصمات الزمان والمكان.
ثالثاً) من بين المسائل التي تخضع لهذه المراجعة النقدية مناهج التعامل مع القرآن الكريم، وعلاقة الدين بالتشريع، وعلاقة الدين بالسياسة، وعلاقة الدين بالتاريخ.
رابعاً) يترتّب على ذلك جملة من النتائج من أبرزها؛ التحرّر من أصنام الأمثلة الجاهزة، ومن أسر التقليد والاتّباع، والتأسيس لحقّ الخلف في مخالفة السّلف وتجاوزه، والإيمان بالقدرة على إبداع الجديد على غير مثال سابق، وتبنّي مفهوم التقدّم كما تعبّر عنه فلسفة التقدّم الحديثة، فالتاريخ الإنسانيّ بحسب هذه الفلسفة “يسير قدماً إلى الأمام سواء على صعيد الفكر والعلم أو على صعيد الأبنية الماديّة والتشكيلات الاجتماعيّة أو على صعيد العلاقات بين البشر. فالتقدّم إذن، ليس استئنافاً للقديم وتقليداً له، وإنّما إنشاء للجديد وانخرطاً في الزّمن الحاضر بقيمه الحديثة والتطلّع إلى المستقبل بروح المغامرة والابتكار والتجربة في إطار الشروط الإنسانيّة الراهنة.
خامساً) أمّا ما يخصّ وضع المؤسسات المعنيّة بالشأن الدينيّ فالحاجة أكيدة اليوم، في رأينا، إلى إحداث عمليّة تجديد في مناهجها وأدوارها تراعي متطلّبات إصلاح الخطابات الدينيّة بالمعنى الذي قصدناه سابقاً، وأن تقبل هذه المؤسسات أن يتحوّل التفكير في هذه القضايا إلى مبادرات فرديّة أو جماعيّة تتولّد من رحم المجتمع ولا تحتكره فئة معيّنة تفرض سلطانها على الجميع، وتنبع من النقاشات والمساجلات داخله بين مختلف فئاته وأفراده. وتكون تلك النقاشات والمساجلات بمثابة المخاض الذي يفضي إلى تخلّص المجتمع من رواسب الماضي، وإلى ولادة جيل يأخذ على عاتقه – بلا تقليد أو وصاية – زمام إبداع حلول لمشاكله في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم وغيرها تتماشى والآفاق الذهنيّة لعصره.
ويجدر أن ننوّه إلى أنّ مسألة تحصين الأجيال الحالية والقادمة من السرديات المتشدّدة تزداد الآن وهنا أهميّة في سياق الثورة الرقمية وفي عصر الذكاء الاصطناعيّ مع مخاطر لجوء الجماعات الإسلاموية إلى توظيف الأنظمة الذكيّة مستفيدة من آليات التخصيص والأتمتة والمحاكاة وفقاعات التصفية وغرف الصدى، ومستغلّة ما في المنصّات الذكية من ثغرات قابلة للاختراق. وهو ما يؤكّد الحاجة الماسّة إلى مقاربة استباقيّة وإلى مفهوم الوقاية الشاملة.
سيرة موجزة
الدكتور فريد بن بلقاسم، أستاذ الحضارة المشارك بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، متخصّص في الجماعات الإسلاموية. صدر له: علاقة المسلمين بغيرهم من خلال الاستشراق المعاصر برنارد لويس أنموذجا (ميسكيلياني للنشر)، مفهوم الولاء والبراء في خطابات الحركات الإسلاموية (تريندز للبحوث والاستشارات)، والإسلام السياسي ومفهوم المخاطر (دار الجنوب).
كما صدر له عدّة دراسات مع مركز تريندز للبحوث والاستشارات، ومركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ومركز المسبار.















