تشاد - عبد الله الجابر ابكر
تشاد - عبد الله الجابر ابكر

مقالات مشابهة

إفريقيا

فرنسا والاستراتيجية الجديدة في إفريقيا: من النفوذ العسكري غرباً إلى الدبلوماسية الاقتصادية شرقاً

تشاد - عبد الله الجابر ابكر
تشاد - عبد الله الجابر ابكر

تشهد السياسة الفرنسية في إفريقيا مرحلة إعادة صياغة عميقة لاستراتيجيتها، وذلك بعد سلسلة الانتكاسات التي تعرض لها نفوذها التقليدي في غرب القارة ومنطقة الساحل. فخروج القوات الفرنسية من عدد من الدول، وتصاعد الخطاب السيادي الرافض للوصاية الخارجية، فرضا على باريس البحث عن أدوات جديدة للحفاظ على مصالحها داخل قارة أصبحت ساحة تنافس بين القوى الدولية.

تشير المعطيات إلى أن فرنسا تتجه تدريجياً نحو نموذج يقوم على النفوذ الاقتصادي والاستثماري والدبلوماسية التنموية، مع تركيز متزايد على دول شرق إفريقيا التي تشهد معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وتتمتع بأهمية جيوسياسية متنامية.

اعتمدت فرنسا لعقود طويلة على شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع مستعمراتها السابقة، فيما عُرف بمنظومة “فرانس أفريك”. وقد وفرت هذه المنظومة لباريس نفوذاً واسعاً في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً جذرياً، تمثل في الانقلابات العسكرية التي عرفتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وما تبعها من إنهاء التعاون العسكري مع فرنسا وإغلاق قواعدها، بالتزامن مع تصاعد مطالب الشعوب الإفريقية بإعادة تعريف علاقاتها مع القوى الخارجية على أساس الندية والسيادة.

وجهة جذابة

في ظل هذا الواقع، تبدو شرق إفريقيا الوجهة الأكثر جاذبية للاستراتيجية الفرنسية الجديدة، لما تتمتع به من مزيج نادر يجمع بين الفرص الاقتصادية والأهمية الجيوسياسية. فالمنطقة تسجل معدلات نمو اقتصادي متسارعة، وتشهد توسعاً لافتاً في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب امتلاكها موانئ استراتيجية تطل على البحر الأحمر والمحيط الهندي، ما يمنحها دوراً محورياً في حركة التجارة الدولية. 

وتوفر المنطقة أيضاً أسواقاً استهلاكية واعدة، وموقعاً جغرافياً يربط إفريقيا بالشرق الأوسط وآسيا، الأمر الذي يجعلها منصة مثالية لتعزيز النفوذ الاقتصادي والاستثماري الفرنسي في مرحلة إعادة التموضع داخل القارة السمراء.

تعكس السياسة الفرنسية الجديدة إدراكًا بأن النفوذ العسكري لم يعد كافيًا لضمان مصالحها الاستراتيجية، فقد ركزت باريس هذه المرة على تمويل مشاريع البنية التحتية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، ودعم الابتكار والعلوم والثقافة والاقتصاد الرقمي، فضلاً عن تشجيع الشركات الفرنسية على التوسع داخل الأسواق الإفريقية. ويهدف هذا النهج إلى بناء شراكات طويلة الأمد تمنح فرنسا حضوراً مستداماً بأقل تكلفة سياسية.

منافسة قوية

غير أن فرنسا لم تعد تتحرك منفردة داخل القارة، إذ تواجه منافسة قوية من أطراف عدة، أبرزها الصين وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أصبحت الدول الإفريقية أكثر قدرة على تنويع شركائها الدوليين، بما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة وتحقيق مصالحها الوطنية.

وعلى الرغم من تراجع الوجود العسكري الفرنسي في بعض دول الساحل، فإن المنطقة ستظل ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لباريس بسبب ارتباطها بملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وأمن الحدود. وهنا، تكتسب تشاد أهمية خاصة بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط شمال القارة ووسطها ومنطقة الساحل، وهو ما يجعلها طرفاً أساساً في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية مستقبلية.

وقد تشهد المرحلة المقبلة انتقال التعاون الفرنسي التشادي من التركيز الأمني إلى توسيع مجالات الاستثمار والتنمية والبنية التحتية، في إطار مقاربة أكثر مرونة تتلاءم مع التحولات الإقليمية.

من المقاربة العسكرية إلى الدبلوماسية الاقتصادية

يرى الباحث والمحلل الاقتصادي، الدكتور علي يحي قجه، أن التحولات التي تشهدها السياسة الفرنسية في إفريقيا لا تعني تغييراً في جوهر أهدافها الاستراتيجية، وإنما تعكس تحولاً في الوسائل المستخدمة لتحقيق تلك الأهداف.

وبحسب هذه القراءة، فإن انتقال فرنسا من المقاربة العسكرية إلى الدبلوماسية الاقتصادية لا يمثل انسحابًا من القارة، بل إعادة تموضع تفرضها المتغيرات الجيوسياسية وتراجع فعالية الأدوات التقليدية.

ويؤكد قجه أن الدول الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا، تبني سياساتها الخارجية انطلاقاً من حماية مصالحها الاستراتيجية، سواء اتخذت هذه السياسات طابعاً عسكرياً أو اقتصادياً أو دبلوماسياً. وبالتالي فإن التحول الحالي ينبغي تصوره كانتقال من إدارة النفوذ بالقوة إلى إدارة المصالح عبر الاستثمار والتمويل والشراكات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية الدول الإفريقية أكبر من أي وقت مضى. فنجاحها لن يقاس بطبيعة الشريك الدولي الذي تتعامل معه، بل بقدرتها على التفاوض من موقع القوة، وتنويع الشراكات، وتوجيه الاستثمارات الأجنبية لخدمة أولويات التنمية الوطنية وتعزيز القرار السيادي.

تكشف التحوّلات الراهنة أن أفريقيا دخلت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي. وبينما تعيد فرنسا صياغة حضورها عبر أدوات اقتصادية وتنموية، تبرز فرصة أمام الدول الإفريقية لإعادة تعريف علاقاتها الخارجية على أسس أكثر توازناً.

ويبقى مستقبل النفوذ الفرنسي مرهوناً بقدرة باريس على بناء شراكات قائمة على المصالح الثنائية والاحترام المتبادل، فيما سيظل مستقبل القارة مرتبطًا بقدرة عواصمها على استثمار التنافس الدولي لبناء اقتصادات قوية وتعزيز سيادتها الوطنية، بعيداً عن أي شكل من أشكال التبعية، مهما اختلفت أدواتها أو تغيرت تسمياتها.