بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

غزة بين ترتيبات “اليوم التالي” ونزع سلاح “حماس” في معادلة إعادة تشكيل الأمن والسلطة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

ترسم المفاوضات الجارية بشأن قطاع غزة مساراً يتجاوز إطار وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، لتدخل مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بإعادة هندسة البيئة الأمنية والسياسية للقطاع. فما يدور داخل غرف القاهرة المغلقة لم يعد يقتصر على احتواء تداعيات الحرب، بل بات جزءاً من مشروع إقليمي ودولي يرمي إلى إعادة صياغة الواقع الذي نشأ منذ سيطرة حركة “حماس” على غزة في العام 2007.

تشير المعطيات السياسية والأمنية إلى أن مفهوم “اليوم التالي” لم يعد مجرّد عنوان دبلوماسي، بل أصبح إطاراً عملياً يربط بين إنهاء العمليات العسكرية، وإعادة الإعمار، وإصلاح الإدارة الفلسطينية، وإعادة تنظيم منظومة القوة داخل القطاع. وفي قلب هذه المعادلة برز ملف نزع سلاح “حماس” باعتباره العقدة الأكثر تشابكاً، لأنه لا يرتبط فقط بمستقبل الجناح العسكري للحركة، وإنما يمس توازنات النفوذ الفلسطينية والإقليمية ويعيد تعريف العلاقة بين الأمن والسياسة في واحدة من أكثر الساحات حساسية في الشرق الأوسط.

تغير العقيدة الدولية

تعكس مسارات التفاوض تحولاً واضحاً في النظرة الدولية إلى غزة، إذ لم تعد تُعامل بوصفها أزمة إنسانية تستدعي المساعدات وإعادة البناء فقط، بل باعتبارها عقدة أمنية تتطلب إعادة تشكيل بنيتها من الأساس.

ويستند هذا التحول إلى قناعة متنامية لدى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية والعربية بأن أي استثمار اقتصادي سيظل عرضة للتآكل، ما لم يسبقه استقرار أمني طويل الأمد يمنع تكرار دورات المواجهة. ومن هنا، لم يعد ملف السلاح منفصلاً عن ملف إعادة الإعمار، بل أصبح أحد شروطه الأساسية.

كما أن التجارب السابقة، التي شهدت إعادة بناء أجزاء واسعة من القطاع بعد كل جولة قتال ثم عودة المواجهات بعد سنوات قليلة، دفعت العديد من العواصم إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث يصبح الاستثمار في الاستقرار مقدمة للاستثمار في البنية التحتية.

السلاح محور التسوية

تنظر إسرائيل إلى سلاح “حماس” باعتباره التهديد الأمني الأكثر مباشرة، فيما تعتبره الحركة الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها السياسي والعسكري. وبين هذين الموقفين، يحاول الوسطاء بلورة صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية واستحقاقات التسوية السياسية.

غير أن النقاش يتجاوز مسألة جمع الأسلحة أو إزالة المواقع العسكرية، ليطال سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمن يمتلك حق استخدام القوة داخل الأراضي الفلسطينية. فقيام أي سلطة مستقرة يفترض احتكار المؤسسات الشرعية للسلاح، بينما أدى تعدد مراكز القوى داخل غزة خلال السنوات الماضية إلى إنتاج واقع أمني موازٍ أعاق بناء مؤسسات فلسطينية موحدة. من هنا، يمتد البحث إلى مستقبل الأجهزة الأمنية، وهيكلية القيادة، وآليات الرقابة، وطبيعة العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة الأمنية.

تحافظ مصر على موقعها بصفتها الوسيط الأكثر تأثيراً في الملف الفلسطيني، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضاً نتيجة امتلاكها قنوات اتصال مع مختلف الأطراف. وتعكس استضافة القاهرة للمفاوضات الحالية سعياً إقليمياً لإنتاج ترتيبات أكثر استدامة من الاتفاقات المؤقتة التي حكمت المراحل السابقة، مع مراعاة متطلبات الأمن القومي المصري ومنع انتقال تداعيات عدم الاستقرار إلى الحدود.

في الوقت نفسه، تدرك القاهرة أن أي تفاهمات لا تحظى بحد أدنى من القبول الفلسطيني ستبقى معرضة للانهيار، وهو ما يفسر الربط بين المسارات الأمنية والإدارية والاقتصادية ضمن حزمة واحدة.

الأنفاق فلسفة قتالية

تحتل شبكة الأنفاق موقعاً محورياً في النقاشات الأمنية، لكنها لا تمثل مجرّد منشآت تحت الأرض، بل تجسد نموذجاً عسكرياً متكاملاً بُني على مفهوم الحرب غير المتماثلة.

ولهذا، فإن معالجة هذا الملف لا تعني إزالة ممرات إسمنتية فقط، بل تفكيك منظومة تشمل القيادة والسيطرة، ومراكز التخزين، وشبكات الاتصال، وخطوط الإمداد والحركة اللوجستية.

بناءً على ذلك، فإن نجاح أي ترتيبات مستقبلية لن يُقاس بعدد الأنفاق التي تُزال، بل بقدرتها على منع إعادة إنتاج هذه المنظومة العسكرية في المستقبل.

لا تتوقف تداعيات ترتيبات “اليوم التالي” عند حدود قطاع غزة، بل تمتد إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني. فنجاح إعادة بناء إدارة مدنية وأجهزة أمنية موحدة قد يعيد فتح ملف توحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة بعد سنوات طويلة من الانقسام. أما تعثر هذه العملية، فقد يكرس واقعاً سياسياً وأمنياً أكثر تعقيداً، وربما يفتح المجال أمام نشوء قوى مسلحة جديدة، وهو السيناريو الذي تسعى الأطراف الإقليمية والدولية إلى تجنبه.

اختلاف المقاربات الدولية

يعكس الخطاب السياسي والإعلامي تبايناً واضحاً في مقاربة ملف نزع السلاح. الرؤية الغربية تمنح الأولوية للضمانات الأمنية وآليات التحقق ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية، باعتبارها المدخل الأساس للاستقرار.

في المقابل، تميل المقاربة العربية إلى الربط بين الأمن والتسوية السياسية، وترى أن أي معالجة دائمة لملف السلاح لا يمكن أن تنجح بمعزل عن إنهاء الحرب، ورفع القيود عن القطاع، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وفتح أفق سياسي يمنح الفلسطينيين إطاراً مستقراً لإدارة شؤونهم. ولا يعكس هذا التباين تناقضاً كاملاً بقدر ما يعبر عن اختلاف في ترتيب الأولويات بين الأمن والسيادة.

تبقى الثقة الحلقة الأضعف في أي اتفاق محتمل. فإسرائيل تتمسك بآليات تحقق صارمة تضمن عدم عودة القدرات العسكرية، بينما تخشى الأطراف الفلسطينية أن تتحول الالتزامات الأمنية إلى واقع دائم لا يقابله تقدم سياسي ملموس.

ويزداد المشهد تعقيداً بفعل تباين الحسابات الإقليمية بشأن مستقبل غزة؛ ما يجعل نجاح أي تفاهمات مرتبطاً بقدرة الوسطاء على إدارة شبكة متشابكة من المصالح المتعارضة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تشير القراءة الاستراتيجية إلى ثلاثة مسارات رئيسة:

الأول، يتمثل في نجاح اتفاق تدريجي يجمع بين وقف دائم لإطلاق النار، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات الفلسطينية، وترتيبات أمنية تحظى بضمانات دولية، وهو السيناريو الأكثر استقراراً وإن كان الأصعب تحقيقاً.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح جزئي يحقق هدوءاً أمنياً مؤقتاً مع بقاء الملفات الجوهرية معلقة، بما يؤدي إلى تجميد الأزمة لا حلها.

في حين يتمثل السيناريو الثالث في تعثر المفاوضات نتيجة استمرار الخلاف حول الملفات الأمنية والسياسية، بما يفتح الباب أمام دورة جديدة من التصعيد وانعكاساتها الإقليمية.

ما بعد “اليوم التالي”

لم يعد الصراع يدور حول مستقبل قطاع غزة وحده، بل حول شكل النظام الأمني الذي قد يتبلور في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة.  تحولت غزة إلى ساحة اختبار لقدرة القوى الدولية والإقليمية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة ترتيبات طويلة الأمد، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والشرعية السياسية.

لم يعد السؤال الأساسي يتعلق فقط بمصير “حماس”، بل بقدرة الأطراف المختلفة على إنتاج نموذج حكم قادر على احتكار القوة ضمن مؤسسات شرعية، وربط التنمية بالاستقرار، وتحويل السياسة إلى الإطار الوحيد لإدارة الصراع.

تمثل مفاوضات القاهرة اختباراً يتجاوز حدود الحرب الحالية، لأنها ترسم الأسس التي قد يقوم عليها النظام الأمني والسياسي الجديد في قطاع غزة. فنجاح مشروع “اليوم التالي” لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار أو إطلاق عملية إعادة الإعمار، بل بمدى القدرة على إنتاج معادلة توازن بين المتطلبات الأمنية والحقوق السياسية، وتمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع. وحتى تتبلور هذه المعادلة، ستبقى غرف القاهرة مركزاً لصياغة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث لا يجري التفاوض على نهاية حرب فحسب، بل على شكل غزة ومستقبلها لعقود مقبلة.