من أكثر العبارات خداعاً في اللغة العربية: “الزمن الجميل”. كثيرون يعتقدون أن الحياة كانت أجمل فيما مضى، ويبالغون في مديح الماضي وتمجيد الذكريات، وحين تدقق معهم في الموضوع تجد أن الحقبة التي يتحدثون عنها لم تكن جميلة ولا هم يحزنون، بل زمناً أغبر، عاشوا فيه الويلات، لا كهرباء ولا ماء ولا وسائل نقل، بعضهم عبَرَه حافي القدمين، ولم يكن يجد حتى ما يأكله، وعايش كل أصناف الأزمات والحروب والأوبئة… ومع ذلك لا يتوقف عن التحسُّر على “الزمن الجميل”!
هل كانت الحياة أفضل في الماضي؟ أبداً. كلّ ما في الأمر أن فصل الأحداث عن الزمن يمنحها خفة ورشاقة، ويجعلها تبدو جميلة، خلافاً للحقيقة. تماماً مثل الموت، الذي يعد أكبر عملية تجميل للأعمال الفنية والأدبية، بمجرد أن يختفي فنان أو كاتب يتسابق الجميع على مدحه، وتمجيد أعماله، حتى لو كانت ضحلة، فقط لأنه مات.
كلّ واحد منا لديه صديق أو قريب، هوايته التنمر على الزمن الحاضر، ورمي الورود على الماضي، كل شيء كان أفضل فيما مضى. يسمع أغنية ويقول متحسّراً: “الغناء الحقيقي ذهب مع أمّ كلثوم ومحمد عبد الوهاب”، يشاهد مباراة في كرة القدم: “الكرة راحت مع بيليه ومارادونا” تعطيه فواكه: “الفواكه هي التي كنا نأكلها أيام زمان”، تكون جالساً معه على الإفطار في رمضان: “رمضان الحقيقي كان أيام زمان”، تلتقيه في العيد: “العيد كان أيام زمان”،… دكتوراه في “الزمن الجميل”. كل شيء كان رائعاً في الماضي، وانقرض اليوم، إلا هو، لم يتغير ولن يتغير!
عبارة “الزمن الجميل”، التي تُستعمل بالعربية كما اتفق، أصلها فرنسي (La belle époque) وتحيل على العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى، من 1871 إلى 1914، حينما كانت البشرية تقفز بخفة نحو العصر الحديث، منتشية بالاكتشافات والاختراعات العلمية التي سهّلت الحياة، وبفترة الرخاء والسلام التي أعقبت نهاية الحرب الفرنسية-البروسية عام 1871، وانتهت باندلاع الحرب العالمية الأولى بكل فظاعتها، حيث اكتشف العالم أن التقدم سيف ذو حدين، وأنّ حده القاطع حزّ عنق البشرية من الوريد إلى الوريد، من يومها أصبح الناس ينظرون إلى السنوات التي سبقت الحرب الكبرى وأهوالها بكثير من النوستالجيا، ويتحسرون على “الزمن الجميل”، لكننا في العالم العربي لا ندقق كثيراً في الاستخدامات اللغوية، وحين نستورد شيئاً نسرف في استعماله حتى يفقد معناه…
آخر من سمعته يتحدث عن “الزمن الجميل” هي الفنانة اللبنانية نوال الزغبي، في حوار صحافي تأسفت فيه على أيام “الكاسيت”، سنوات التسعينيات، حينما “كان الفن أحلى وأرقى ويملك قيمة أكبر”، وكان الشريط يتطلب جهداً كبيراً قبل أن يصل إلى الجمهور، ويبقى أثره لسنوات طويلة، بخلاف ما عليه الأمر اليوم، حيث تُنْجَزُ الأغنية في رمشة عين، وتصبح “ترند” في رمشة عين، ثم ينساها الجميع في رمشة عين… وقد استعملنا “رمشة عين” تكريماً لرموش نوال الزغبي، التي سحرت أجيالاً من المعجبين، أيام كانت تسأل عن حبيبها على كل شاشات وإذاعات العالم العربي، مع وائل كفوري.
واضح أن نجمة التسعينيات لديها أيضا دكتوراه في “الزمن الجميل”. قبل أيام أحيت حفلاً كبيراً في الأردن، رددت فيه أغنياتٍ لا يعرفها جيل “تيك توك” و”إنستغرام”، لذلك تحسّرت على أيام “الكاسيت”، التي كان يقلبها الملايين في أجهزتهم حتى تتعرض للتلف، ولا يسعنا إلا أن نتحسر معها، نحن القادمين من عصر الديناصور، الذين عرفنا “الفونوغراف” و”المانيوتوفون” والـ VHS والـ Beta والمطبعة الحجرية، لمن اشتغلوا في الصحافة خلال سنوات الرصاص.
وإذا كانت الحسرة تنتابك عندما تفكر في “الزمن الجميل”، فإن الحيرة تستبد بك عندما ترى واحدة ممن نسميهم بفنّانات ذلك الزمن. كلما تقدم بهن العمر يزددن شباباً، كأن عجلة الحياة تسير بهن إلى الخلف، لا تجاعيد ولا شيب ولا أيّ من علامات السنّ. عكس المطربين الذكور تماماً، جورج وسوف المسكين يكبر عشر سنوات كل شهرين، في حين ترجع نوال الزغبي ونجوى كرم وميادة الحناوي وأصالة نصري إلى الوراء، وإذا واصلن على هذه الوتيرة سنستيقظ ذات يوم ونجدهن طفلات صغيرات بضفيرتين.
كان يكفي أن أفكر في المفارقة، كي تقترح علي وسائل التواصل الاجتماعي صور عدد كبير من المطربات العربيات، لم أشاهد بعضهنّ منذ ثلاثة عقود، في كامل مشمشهن، على “تيك توك” و”إسنتغرام”، من بينهنّ الفنانة ديانا حداد، التي فوجئت أنها أصبحت أكثر شباباً من ديانا حداد التي كنا نسمع أيام المراهقة. حتى عزيزة جلال صاحبة “مستنياك” رجعت شابة في الثلاثين، فيما خالتي التي من عمرها ذاهبة نحو الثمانين، وتتنقّل من مستشفى لمستشفى.
فكرت في العالِمة المصرية، التي تنمّر عليها الكثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها اكتشفت أننا متنا جميعاً في 2012، وما نشاهده اليوم هي مجرد نسخ مزيفة من كل واحد. معها حق. أنا لست أنا وأنت لست أنت وهو ليس هو وهي ليست هي. ديانا حداد وعزيزة جلال وميادة الحناوي وأصالة نصري ونجوى كرم… اللواتي نراهن اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، لسن هن الفنانات اللواتي كنا نسمع أيام “الكاسيت”، بل نسخ معدلة، تعرضت للتجميل والتصغير والتهذيب والتشبيب… فلا تغادر قبل أن تقول سبحان الله!














