بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

عندما تُجبر “المنظمة السرّية” على الظهور: لندن تضع “الماسونية” على قائمة “الارتباطات القابلة للإفصاح”

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لطالما عاشت الماسونية على مفارقةٍ دقيقة: حضورٌ اجتماعي واسع، وطقوسٌ داخلية تُدار بعناية، وسمعةٌ تتأرجح بين العمل الخيري والشكوك القديمة حول “الولاء المتبادل” داخل أجهزة الدولة. في ديسمبر 2025، انتقلت هذه المفارقة من صفحات التاريخ إلى قاعة المحكمة، بعدما قررت شرطة لندن إدراج الماسونية ضمن قائمة “الارتباطات القابلة للإفصاح”.

قرارات الأجهزة الأمنية المفاجئة في العاصمة البريطانية تُلزم الضباط والموظفين بالإبلاغ عن عضويتهم الحالية أو السابقة؛ الأمر الذي اعتبرته المحافل الماسونية في إنجلترا استهدافاً وتمييزاً، وردّت عليه بطلب “أمر قضائي عاجل” لوقف التنفيذ.

تحول جذري في سياسة “الارتباطات”

في الحادي عشر من ديسمبر 2025، أعلنت شرطة العاصمة أن عضوية الماسونية باتت تُعامل كـ”ارتباط قابل للإفصاح” ضمن سياسة النزاهة المهنية. جوهر القرار لا يقوم على حظر الانضمام، بل على إلزام المنتسبين للشرطة بالإبلاغ لجهة العمل إذا كانوا جزءاً من “منظمة هرمية، ذات عضوية سرّية أو مقيدة، وتتضمن التزاماً بدعم الأعضاء”. وتقول لندن إن الغاية هي تحصين المؤسسة من تضارب المصالح، وطمأنة الجمهور في مرحلة تتعرض فيها الشرطة لانتقادات حادة بشأن الثقة والحياد.

يُعد هذا التحول عملياً قطيعة مع مرحلة سابقة؛ إذ تُظهر وثائق رسمية (من بينها ردّ على طلب حرية معلومات عام 2023) أن شرطة لندن كانت، حتى وقت قريب، لا تفرض إلزاماً عاماً بالإفصاح عن عضوية “الجمعيات السرّية”، وإن كانت تذكر مبدأ التصريح عند وجود تضارب مصالح محدد. وقد سبقت القرار خطوات تمهيدية، ففي سبتمبر 2025، فتحت الشرطة “مشاورة” حول إضافة الماسونية إلى السياسة ذاتها، في إشارة إلى أن المسألة نوقشت داخلياً بعمق قبل أن تتحول إلى قرار نافذ.

ظلال قضية دانيال مورغان وأزمة الثقة

السبب المُعلن الذي يطفو على السطح في معظم التغطيات هو توصيات لجنة التحقيق المستقلة في قضية مقتل المحقق الخاص دانيال مورغان (1987)، وما خلّفته من استنتاجات قاسية حول الفساد المؤسسي والافتقار إلى الشفافية. وقد ربطت تقارير صحفية بريطانية بين قرار الإفصاح وبين الحاجة إلى معالجة “انطباعات” قديمة بأن عضوية بعض الضباط في محافل مغلقة تُنتج “شبكات ولاء” تُعقّد التحقيقات أو تؤثر على مسارات الترقي والمساءلة، حتى عندما لا تتوافر أدلة جنائية مباشرة على إساءة استخدام القنوات الماسونية.

تكتسب هذه النقطة حساسية إضافية لأن القرار يستند أيضاً إلى “منطق الثقة العامة”؛ إذ تحدثت التغطيات عن نتائج داخلية تُظهر أن قرابة ثلثي العاملين في شرطة لندن أيّدوا الإجراء، لا باعتباره إدانة للماسونية، بل باعتباره أداة ضرورية لتبديد الشبهات المتراكمة حول الحياد.

رد المحافل: اتهامات بالتمييز ومعركة قضائية

في المقابل، اعتبر “المحفل المتحد الأكبر لإنجلترا” (UGLE) — مع جهات ماسونية أخرى — أن القرار “غير عادل وتمييزي”، وأنه يضع “هالة من الارتياب” فوق مجتمعٍ واسع من الأعضاء. وفي 17 ديسمبر 2025، أعلن المحفل إطلاق مسار قانوني ضد شرطة لندن، تصاعد بحلول نهاية الشهر إلى طلب “أمر قضائي عاجل” لإيقاف التنفيذ، بينما أعلنت الشرطة أنها ستدافع عن قرارها “بحزم”.

محور الاعتراض ليس إجرائياً فقط، بل حقوقي أيضاً؛ فبحسب تقارير بريطانية، يجادل المحفل بأن اشتراط الإيمان بـ”كائن أعلى” كجزء من متطلبات العضوية يجعل الأمر ذا صلة بحماية “المعتقد” في إطار قوانين الحقوق، ما يفتح الباب لحجة “التمييز” إذا استُهدف أفرادها بمتطلبات لا تُفرض على جمعيات أخرى. كما طعن المحفل في توصيف الشرطة لعبارة “الدعم والحماية” بوصفها التزاماً مطلقاً، مؤكداً في بيانه أن هذا “التزام أخلاقي” مقيد بالقانون وواجبات الفرد، وأن صياغة الشرطة قد تكون قابلة لسوء الفهم.

ليست سابقة معزولة: السياق العالمي والتاريخي

لفهم أبعاد الخطوة، يجب التذكير بأن الماسونية عالمياً ليست جسماً واحداً بسلطة مركزية؛ بل شبكة من “محافل كبرى” مستقلة. فهي تتنوع بين “الماسونية الأنجلوساكسونية” (مثل UGLE في إنجلترا ومحافل أمريكا)، و”الماسونية القارية/الليبرالية” (مثل الشرق الأعظم في فرنسا)، إضافة إلى “ماسونية برينس هول” التاريخية المرتبطة بالأمريكيين الأفارقة.

أما عن “المواقف المشابهة” لإجراء لندن، فهناك سوابق واضحة تضع القرار في سياق تاريخي من الشد والجذب بين الشفافية والخصوصية. ففي أواخر التسعينيات، أوصى تقرير برلماني بريطاني بإلزام العاملين في القضاء والشرطة بتسجيل عضويتهم. 

بين عامي 1998 و2009، طُبق بالفعل نظام يلزم المتقدمين للقضاء بالإفصاح، قبل أن تنهيه الحكومة لاحقاً. أوروبياً، شهدت إيطاليا نزاعات مماثلة وصلت إلى محكمة لحقوق الإنسان حول إجبار المرشحين لمناصب عامة على الإفصاح. هذه السوابق تعني أن خطوة لندن ليست الأولى عالمياً، لكنها الأكثر رمزية اليوم لكونها تصدر عن “أكبر قوة شرطة” في المملكة المتحدة.

هل انتهى عصر السرية؟

من الناحية العملية، قرار شرطة لندن لا ينشر قوائم ماسونية للرأي العام، بل ينشئ مسار إفصاح داخل مؤسسة الدولة. وهذا فرق جوهري؛ فهو لا يلغي “سرية العضوية” مجتمعياً، لكنه يضعها تحت شرط رقابي مهني.

مع ذلك، يظل التأثير المحتمل كبيراً لثلاثة أسباب: أولاً، قد يشكل القرار “سابقة مؤسسية” تتحول إلى نموذج لقوى شرطة أخرى أو معيار وطني لسياسات تضارب المصالح. ثانياً، ينقل القرار النقاش من “نظريات المؤامرة” إلى “آليات الحوكمة”، حيث المعضلة ليست إثبات نفوذ سري، بل تقليل مساحة الشك عبر الإفصاح. وثالثاً، مخاوف “التسريب”، إذ تخشى المحافل أن يتحول الإفصاح الداخلي إلى عقوبة اجتماعية في حال سُرّبت البيانات، وهو ما يغذي حججها حول انتهاك الحقوق.

في المحصلة، إذا كانت الماسونية قد أمضت قروناً تحرس طقوسها داخل “فضاء خاص”، فإن معركة لندن تُرغمها على اختبار جديد: هل تتحول العضوية إلى مجرد “معلومة حوكمة” تُدار كأي تعارض مصالح؟ الأرجح أن النتيجة لن تلغي وجود المحافل ولا “سرّها” بالكامل، لكنها ستعيد تعريف حدود السرية المقبولة عندما يتعلق الأمر بمن يحمل سلطة الدولة؛ حيث قد تكون لندن لا تُخرج الماسونية إلى الأضواء بقدر ما تُدخلها إلى “دفاتر الإفصاح”، لتصبح السمعة مرهونة بالشفافية بقدر ما كانت تُصنع بالتاريخ.