يواصل الباحث والأكاديمي التونسي الدكتور علي العمري، الأستاذ في كلية الآداب والفنون والإنسانيات في جامعة منوبة، في الجزء الثاني من هذا الحوار تشخيصه للأزمة الثقافية والفكرية في العالم العربي، والبحث في أسباب تعثر مشاريع التحديث وصعود تيارات الإسلام السياسي.
يرى العمري أن فشل المواجهة لا يعود إلى ضعف الأدوات الأمنية وحدها، بل إلى غياب استراتيجية ثقافية قادرة على نقد الفكر الديني وإعادة بناء المدرسة ونشر قيم الاختلاف والتفكير النقدي. كما يعتبر أن الفكر المتطرف ليس ظاهرة منفصلة عن بيئته، بل ترجمة لمأزق حضاري ما تزال المجتمعات العربية عاجزة عن مواجهته.
– في شبابك، كنت قريباً من مشاريع نقد الفكر العربي التي قدمها محمد عابد الجابري ومحمد أركون والطيب تيزيني وأدونيس وصادق جلال العظم. ما الذي جذبك إلى هذه المشاريع؟
– علي العمري: كانت علاقتي بهؤلاء المفكرين، وخصوصاً أركون والجابري، قريبة بالفعل من الافتتان؛ لأن أعمالهم ظهرت في فترة بدأ فيها الفكر السياسي التقليدي والأطروحات التي تحرك ضمنها يفقدان قدرتهما على تفسير الواقع.
أما إعجابي بأدونيس، فيعود بصورة خاصة إلى طرافة قراءته للتراث الأدبي والشعر العربي، وقدرته على الربط بين هذا التراث والبنية الثقافية العربية في عمومها، فضلاً عن تمرده على الخطابات التقليدية السائدة.
لكن ذلك الافتتان كان أيضاً ردّ فعل على الفكر السياسي الأيديولوجي الذي هيمن على المشهد منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته، واستمر تأثيره حتى التسعينيات، بما في ذلك داخل الجامعة. كنت أرفض انغلاق ذلك الفكر ونزعته إلى تبسيط الظواهر وتحليلها بصورة آلية.
مع اكتشافي لأعمال ميشيل فوكو، ترسخت لديّ قناعة بأن الفكر السياسي التقليدي غير قادر على حل معضلات مجتمعاتنا؛ لأنه ينظر إلى أزماتها من منظور سياسي أو اقتصادي، من دون الانتباه إلى العمق الثقافي والحضاري للمشكلة.
– تعتبر حرب الخليج أكثر تأثيراً في جيلك من هزيمة يونيو 1967. لماذا؟
– مثلت حرب الخليج العام 1991 مأساة كبيرة بالنسبة إلى جيلي، وربما فاق أثرها فينا أثر هزيمة 1967. وقد عززت اقتناعي بأننا نواجه معضلة وجودية لا يستطيع الفكر السياسي التقليدي الإجابة عن أسئلتها.
ما زلنا نعيش آثار تلك الحرب حتى اليوم. فكما كان الإسلام السياسي العنيف أحد تداعيات هزيمة 1967، كانت الأصولية الجهادية وتنظيم “داعش”، في تقديري، من ثمار التحولات التي أطلقتها حرب الخليج وما أعقبها من صراعات وانهيارات.
– لماذا أخفقت مشاريع نقد الفكر العربي في إحداث التحديث المنشود، بينما اتسع نفوذ التيارات السلفية والإخوانية؟
– فشل تلك المشاريع جزء من فشل حركة الحداثة العربية في الفكر والأدب والفنون والثقافة. جاء جانب من هذه الأعمال تاريخياً في سياق مشروع الدولة الوطنية الحديثة، وعبّر عن حركة واسعة مسّت القيم والأفكار والنصوص، وامتدت إلى الشعر والرواية والسينما والمسرح.
كان من الطبيعي أن تنكفئ هذه الحركة بعد هزيمة 1967، وانكسار حلم الدولة الوطنية، وتراجع مشاريع التنمية والوحدة وتحرير فلسطين. كما لعب صعود التيارات الإسلامية دوراً في الحدّ من تأثير الفكر الحداثي، خصوصاً مع هيمنة الخطاب القائل إن “الإسلام هو الحل”.
وعلى الرغم من ظهور أعمال في النقد والنقد الذاتي حاولت تفكيك أسباب الهزيمة، فإن المجال أصبح مفتوحاً أمام التيارات المناهضة للحداثة، ولا سيما أنها كانت متجذّرة في مجتمعات بقيت تقليدية في بنيتها العميقة.
– هل اقتصر هذا التراجع على المجال السياسي والفكري العام؟
– لا. الثقافة العربية ذات نزعة نكوصية في كثير من جوانبها. ويمكن ملاحظة ذلك حتى داخل المؤسسات الأكاديمية.
في الجامعة التونسية، على سبيل المثال، تأثرت بعض أقسام الدراسات الإسلامية بصعود الإسلاميين أكثر مما أثرت هي فيهم. وأصبح عدد من الباحثين يجاملون الفكر الديني ويبحثون عن مبررات له، بدلاً من إخضاعه للنقد والتفكيك.
– يتحدث بعض المفكرين عن “علمنة الإصلاح الديني”، وفق تعبير محمد الحداد، أو “إصلاح الإسلام”، وفق تعبير العفيف الأخضر. هل يمكن تكرار مسار تحديث الكنيسة في العالم العربي الإسلامي؟
– الإصلاح الديني من أكثر المطالب إلحاحاً في واقعنا العربي والإسلامي، لكن السؤال الأساسي يتعلق بالقاعدة التي يجب أن يقوم عليها هذا الإصلاح.
تنظر خطابات كثيرة إلى الإصلاح باعتباره حركة ينبغي أن تنطلق من داخل الدين نفسه، أي بوصفه تجديداً أو اجتهاداً. وقد تبنت تيارات إسلامية فكرية وسياسية هذا الاتجاه، وحمله مفكرون مثل مالك بن نبي وحسن حنفي ومحمد عمارة وغيرهم.
ومن المفيد التذكير بأن اختيار حركة الاتجاه الإسلامي في تونس اسم “حركة النهضة” بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987 لم يكن مجرد استجابة لضغوط نظام بن علي. حمل الاسم أيضاً إيحاء بأنها حركة إصلاح ديني ذات روح تدريجية، وليست مشروعاً جذرياً أو راديكالياً. وهذا هو الوجه الذي حاولت الحركة تسويقه باستمرار.
لكن المفارقة أن هذه الحركات تتبنى الإصلاح في خطابها، بينما يظل نموذج الحكم الإسلامي حاضراً في لاوعيها السياسي، سواء بصيغته السياسية المتمثلة في الخلافة أو بصيغته القانونية المرتكزة على الشريعة.
– أين أخفقت مشاريع الإصلاح الديني التي بدأت منذ القرن التاسع عشر؟
– لم تخرج الدعوات الإصلاحية المعاصرة، في رأيي، عن المشروع الذي تشكلت ملامحه منذ القرن التاسع عشر. وقد أثبت هذا المشروع عجزه بسبب تردده في حسم القضايا التي لا يمكن الانتقال إلى التحديث من دون حسمها.
تشمل هذه القضايا هوية الدولة، وطبيعة القوانين والأنظمة، والموقف من الشريعة، ومكانة المرأة، وحرية الضمير والتفكير.
لا أعتقد أن الإصلاح الديني يتحقق بمجرد إعادة فتح باب الاجتهاد. إنه يحتاج إلى مسارين متكاملين.
المسار الأول، كما يؤكد محمد أركون، هو الانتقال من الاجتهاد داخل العقل الديني إلى نقد العقل الإسلامي نفسه وتفكيك بنيته. فالنقد خطوة ضرورية لفهم التراث بما هو تراث متعدد وغامض ومتناقض، ومحكوم بطبيعة العقل الذي أنتجه في سياق الصراعات والانقسامات السياسية والمذهبية.
ينبغي كذلك التوقف عن العملية الهروبية التي تمجّد الماضي، وتفصل دائماً بين الإسلام كما ظهر في الممارسات والخطابات التاريخية وبين ما يسمى “إسلام النص” أو “الإسلام الأصلي”، بهدف الإيحاء بأن المشكلة موجودة في الممارسة والتأويل وحدهما، وليست في بعض مكونات المنظومة الفكرية ذاتها.
– وما المسار الثاني؟
– يتمثل في مراجعة مفهوم الإصلاح الديني نفسه. يجب ألا يبقى مشروعاً منفصلاً، بل يصبح جزءاً من عملية تحديث أكثر شمولاً وعمقاً، تمس الأفكار والقيم، وتعيد تأسيس مرجعيات السلوك الفردي والجماعي، وتنظم العلاقة بين الأفراد والمؤسسات.
المدخل الأساس إلى ذلك هو إصلاح التربية والتعليم، وتغيير نظرتنا إلى الثقافة والإبداع. وبعبارة أخرى، ينبغي تحويل الإصلاح الديني إلى جزء من حركة تحديث هادئة وتدريجية تنبع من المجتمع ولا تُفرض عليه من أعلى؛ لأن التجربة أثبتت فشل محاولات التحديث المسقطة.
لكن هذا المشروع صعب ومعقد بسبب غياب الأرضية الثقافية المناسبة، وتغلغل الفكر الديني في المجتمع، وانكفاء خطاب الإصلاح، وهيمنة القوى التقليدية.
كما أسهمت النماذج الشكلية للحداثة في ربطها، داخل الوجدان الجماعي، بالسطحية والاغتراب والتغريب. ورسّخت هذه النماذج صورة سلبية عن الحداثة لدى الجمهور العام وبعض النخب التقليدية.
– هل تعوق الأوضاع السياسية والاجتماعية مشروع الإصلاح الديني؟
– بالتأكيد. يبدو الإصلاح الديني مهمة لا تحظى بالأولوية في مجتمعات ترزح تحت الاحتلال والتخلف والتبعية وغياب الديمقراطية والحريات.
تجعلني هذه العوامل أقرب إلى التشاؤم بشأن مستقبل الإصلاح الديني والفكري، خصوصاً مع انكفاء الحداثة في الغرب نفسه وازدهار الخطابات الهوياتية حتى داخل معاقلها التاريخية.
– اهتممت منذ ثمانينيات القرن الماضي بظاهرة الإسلام السياسي، بدءاً مما وصفته بـ”الإسلام الاحتجاجي” ووصولاً إلى حكم حركة النهضة. كيف ترى مستقبل هذه التيارات؟
– مصطلح “الإسلام السياسي” فضفاض، وقد يكون مضللاً أحياناً. يجب أولاً أن نحدد المقصود به. هل نتحدث عن النشاط الإسلامي الذي يستهدف الوصول إلى السلطة؟ أم عن التيارات العنيفة التي تتغير أهدافها بين تطبيق الشريعة وتحرير فلسطين واستعادة الخلافة ومواجهة الهيمنة الاستعمارية ونصرة الإسلام؟ أم ندرج ضمنه تيارات المقاومة مثل “حزب الله” و”حماس”؟
هذا الغموض، إلى جانب عوامل سياسية وثقافية واستراتيجية، يجعل توقع مستقبل الإسلام السياسي أمراً صعباً.
على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، ستظل التيارات الإسلامية تتأرجح بين الصعود والتراجع، والانتشار والانكفاء. ويعود ذلك جزئياً إلى قصور طرق التعامل معها، التي تعتمد غالباً على الحلول الأمنية والسياسية، وأحياناً العسكرية، من دون معالجة البنية الفكرية والاجتماعية التي تنتجها.
كما أبدت غالبية هذه التيارات مرونة تكتيكية في علاقتها بدوائر صنع القرار الدولية، وأظهرت استعداداً للتوظيف السياسي والاستراتيجي. وهذا ما يبقيها ضمن دائرة الفاعلية السياسية، حتى عندما تتراجع تنظيمياً أو جماهيرياً.
– لماذا لا تستطيع الحلول الأمنية والعسكرية إنهاء الإسلام السياسي؟
– تكمن المعضلة في الصيغة الثقافية والفكرية للإسلام السياسي. هذه الصيغة لا يمكن أن تختفي بفعل الحلول الأمنية أو العسكرية؛ لأنها ستظل حاضرة في الثقافة والفكر ما دامت البيئة الاجتماعية توفر لها شروط الاستمرار، وأحياناً الازدهار.
تتكون هذه البيئة من رسوخ التقاليد والفكر المحافظ داخل المجتمع، إلى جانب سياق سياسي يمنح خطاب الإسلاميين قدراً من الشرعية، وفي مقدمته الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي بمختلف أشكاله.
قد تنجح المواجهة الأمنية في تفكيك تنظيم أو الحد من نشاطه، لكنها لن تنهي الأفكار والحاضنة التي تسمح بظهور تنظيمات جديدة. لذلك لا يمكن مواجهة الإسلام السياسي من دون استراتيجية ثقافية طويلة المدى.
– أكدت في عدد من مقالاتك ضرورة تغيير المنظومتين التعليمية والثقافية لتجاوز ما تصفه بهيمنة المقاربة “الداعشية”. هل لا يزال ذلك ممكناً؟
– للمدرسة دور جذري في كل عملية تهدف إلى تجديد المجتمعات والثقافة. لكن المدرسة التونسية بلغت درجة من الترهل والانهيار تجعلها عاجزة، في وضعها الحالي، عن أداء هذا الدور.
نحتاج أولاً إلى جهد وطني حقيقي لإنقاذ المدرسة العمومية بمراحلها المختلفة. وبعد ذلك، يمكن صياغة برنامج يؤسس تصوراً جديداً للمدرسة، يحافظ على مكتسباتها وإنجازاتها، ويسدّ ثغراتها ويراجع أخطاءها.
يجب وضع رؤية تؤهل المدرسة للإسهام في إصلاح الواقع الثقافي والفكري. فالمدرسة التي لا تستند إلى رؤية واستراتيجية لا تستطيع تغيير المجتمع.
– ما العناصر التي يجب أن يقوم عليها هذا التصور الجديد؟
– ينبغي مراجعة مكانة الفلسفة واللغات والفنون والآداب داخل المناهج، وإيلاء الأنشطة الثقافية والإبداعية والرياضية العناية اللازمة.
يجب أن تتحول المدرسة إلى فضاء للإبداع، وإطار لاكتساب قيم العصر والتفكير النقدي والإيمان بالاختلاف. وإذا نجحنا في بناء مدرسة تتوافر فيها هذه الشروط، يمكن أن نبدأ بالخروج من المأزق الثقافي الذي نتخبط فيه.
إن “داعش” والظواهر المشابهة لها ليست سوى منتجات لهذا المأزق. ولذلك فإن مواجهتها تبدأ من إصلاح البيئة التي تسمح بإنتاج الفكر المتطرف، لا من التعامل مع نتائجه الأمنية فقط.
– هل تملك تونس اليوم القدرة على تنفيذ هذا المشروع؟
– بصراحة، يحتاج ذلك إلى تغيير جذري في إدارة الشأن العام، وإلى تصور جديد للحوكمة. ولا يبدو هذا ممكناً في تونس حالياً، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية ونقص الموارد اللازمة لتحقيق الحد الأدنى من إصلاح المدرسة، ناهيك عن إقامة مشروع ثقافي وتعليمي متكامل.
المشكلة، إذن، ليست في غياب التصورات فقط، بل في غياب الدولة القادرة على تحويلها إلى سياسات ومؤسسات وموارد مستدامة.















