بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

عصر الفائدة المرتفعة يلوح في الأفق.. من سيدفع ثمن موجة بيع السندات العالمية؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تدخل أسواق السندات العالمية مرحلة إعادة تسعير واسعة، بعدما قفزت عوائد الديون الحكومية في الاقتصادات الكبرى إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، في تحول قد يتجاوز كونه موجة مؤقتة من تقلبات الأسواق إلى ترسيخ واقع جديد تكون فيه كلفة الاقتراض المرتفعة سمة دائمة للاقتصاد العالمي.

خلال موجة البيع في مطلع سبتمبر/أيلول، بلغ عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في ألمانيا نحو 3.35%، وهو أعلى مستوى منذ 2011، فيما لامس العائد الياباني 3% للمرة الأولى منذ 1996. كما اقترب العائد الأميركي من 4.8%، وصعد العائد البريطاني إلى نحو 5.25%، قبل أن تتراجع بعض هذه العوائد لاحقاً عن ذروتها. 

وتجتمع مع هذه التحركات ثلاثة ضغوط رئيسية: المعروض الضخم من الديون الحكومية، وعودة مخاوف التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، وتزايد التوقعات بأن البنوك المركزية ستبقي السياسة النقدية مشددة لفترة أطول. ومع استمرار الصراعات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، أصبح المستثمرون يطالبون بعائد أعلى لتعويض مخاطر التضخم والمالية العامة.

يقول روبن بروكس، من مؤسسة “بروكينغز”، إن ما يحدث يمثل استمراراً لاتجاه متوسط الأجل قد يمتد لسنوات، وليس مجرد نوبة جديدة من اضطراب سوق السندات.

الحكومات أمام فاتورة فائدة متصاعدة

ربما تكون الحكومات الطرف الأكثر مباشرة في مواجهة هذا التحول. فقد راكمت دول كثيرة مستويات مرتفعة من الدين خلال سنوات أسعار الفائدة المنخفضة والإنفاق الاستثنائي المرتبط بجائحة “كورونا” والأزمات الاقتصادية. ومع حلول آجال استحقاق السندات القديمة، ستضطر الخزائن إلى إعادة تمويلها بتكاليف أعلى، ما يعني أن ارتفاع العوائد سينتقل تدريجياً من شاشة التداول إلى بنود الموازنات العامة.

ويبرز الخطر بصورة خاصة لدى الدول التي تجمع بين عجز مالي كبير، وعبء دين مرتفع، واعتماد على التمويل الخارجي. ويشير ماساهيكو لو، كبير استراتيجي الدخل الثابت لدى “ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت” إلى فرنسا باعتبارها إحدى أكثر الحالات تعرضاً بين الاقتصادات المتقدمة، في ظل تدهور أوضاع المالية العامة ومحدودية الاستعداد السياسي لإجراء ضبط مالي، إلى جانب حالة عدم اليقين الانتخابي.

في الأسواق الناشئة، تزداد حساسية الدول التي تعاني عجزاً مزدوجاً في المالية العامة والحساب الجاري؛ إذ يؤدي ارتفاع العوائد العالمية إلى زيادة كلفة الاقتراض، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر الحصول على التمويل الخارجي.

وتستطيع الحكومات محاولة تخفيف الضغوط عبر إعادة شراء بعض السندات أو تعديل أحجام الإصدارات وآجال استحقاقها، لكن هذه الإجراءات لا تعالج المشكلة الأساسية، وهي أن حجم الاقتراض يتزايد في وقت لا يواكبه بالضرورة طلب استثماري كافٍ على هذا الدين.

كما تقدم اليابان المثال الأكثر وضوحاً. فالدين الحكومي يتجاوز 200% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي ارتفاع في تكاليف الاقتراض. كما يُتوقع أن تتجاوز خدمة الدين 25% من نفقات الحكومة في السنة المالية 2026. وفي الوقت نفسه، تجاوز عائد السند الياباني لأجل 10 سنوات 3%، بعد أن كانت سوق السندات اليابانية لعقود أحد أبرز رموز عصر الفائدة شديدة الانخفاض.

الشركات.. نهاية عصر “السيولة المجانية”

لن تتوقف تداعيات موجة بيع السندات عند الحكومات. فالشركات ستواجه هي الأخرى تكلفة أعلى لإعادة تمويل الديون القائمة أو جمع الأموال اللازمة للتوسع.

الشركات الأكثر مديونية ستكون المتضرر الأكبر، خصوصاً تلك التي تحمل ديوناً ذات أسعار فائدة متغيرة أو تتمتع بميزانيات ضعيفة. كما ستميل الشركات الصغيرة إلى امتلاك حصة أكبر من الديون ذات الفائدة المتغيرة مقارنة بالشركات الكبرى، ما يجعل نفقات الفائدة لديها أكثر سرعة في الارتفاع.

وتشمل نقاط الضعف أيضاً العقارات التجارية، والشركات المدعومة من صناديق الملكية الخاصة، ومحافظ الإقراض المباشر، وشركات البرمجيات الأقل جودة. كثير من هذه الأنشطة بُنيت خلال حقبة افترض فيها المستثمرون أن رأس المال سيظل وفيراً ورخيصاً.

هنا تظهر مفارقة جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فطفرة الاستثمار في هذه التقنية تتطلب إنفاقاً رأسمالياً هائلاً لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها، ما يدفع شركات التكنولوجيا إلى إصدار كميات ضخمة من السندات في الوقت الذي تتنافس فيه الحكومات أيضاً على أموال المستثمرين.

المستهلكون.. ضغط غير متساوٍ على الأسر

ستصل موجة ارتفاع العوائد إلى الأسر عبر قنوات أكثر مباشرة، وتتمثل بالرهون العقارية، وقروض السيارات، وقروض التعليم وغيرها من أشكال الائتمان.

لكن العبء لن يتوزع بالتساوي. فالأسر منخفضة الدخل تنفق عادة نسبة أكبر من دخلها على الاحتياجات الأساسية وخدمة الديون، وبالتالي ستكون أكثر حساسية لارتفاع الأقساط الشهرية. في المقابل، يمكن للأسر الأكثر ثراءً الاستفادة من ارتفاع العوائد على المدخرات والاستثمارات، كما أنها أكثر قدرة على تحمل زيادة تكلفة الاقتراض.

يصف لاري هولتزنتالر، كبير مديري المحافظ لدى “كاتاليست فندز”، هذه الظاهرة بأنها ديناميكية على شكل حرف (K)؛ فالأسر الأعلى دخلاً قد تجد في ارتفاع الفائدة مصدراً لدخل إضافي، بينما تواجه تلك الأقل دخلاً ارتفاعاً في تكلفة السكن والسيارات والقروض في الوقت نفسه.

وقد لا يظهر الأثر بالكامل فوراً، لأن القروض ذات الفائدة الثابتة تؤجل انتقال ارتفاع أسعار الفائدة إلى المقترضين حتى يحين موعد إعادة التمويل. لكن مع استحقاق هذه القروض تدريجياً، يمكن أن تصبح الضغوط أكثر وضوحاً.

الأسهم ضمن دائرة الخطر

حتى أسواق الأسهم، التي أظهرت قدرة لافتة على الصمود في مواجهة ارتفاع عوائد السندات، قد تجد صعوبة متزايدة في تجاهل هذا التحول.

السندات الحكومية ذات العائد المرتفع تصبح بديلاً أكثر جاذبية للأسهم، في حين يؤدي ارتفاع معدلات الخصم إلى خفض القيمة الحالية للأرباح التي يُتوقع أن تحققها الشركات في المستقبل. وهذا التأثير يكون أكبر عادة على شركات النمو، التي تعتمد تقييماتها المرتفعة على أرباح بعيدة زمنياً.

وقد ساعدت الأرباح القوية والتفاؤل بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأسهم حتى الآن، لكن محللين يرون أن ارتفاع العوائد تجربة مؤلمة لسوق الأسهم التي أظهرت قدرةً لافتة على تجاهل هذه البيئة المرتفعة. لكن في نهاية المطاف، ستبدأ السوق في اللحاق بالركب، وهذا ما يحدث الآن.

من يخرج رابحاً؟

المفارقة أن موجة البيع الحالية تخلق فائزاً واضحاً، وهم المشترون الجدد للسندات. فارتفاع العوائد يعني كوبونات أكبر، وهو ما يوفر للمستثمر الذي يشتري السندات عند المستويات الحالية وسادة دخل تساعده على تحمل أي انخفاض إضافي في الأسعار.

ويقدر “دويتشه بنك” أن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قد يرتفع إلى نحو 5.5% خلال العام المقبل قبل أن تصبح خسائر انخفاض الأسعار أكبر من دخل الكوبونات. وعلى مدى عامين، قد يحتاج العائد إلى بلوغ نحو 6.4% حتى تصبح العوائد الاسمية الإجمالية للمستثمر سلبية.

رأس المال العالمي لم يعد رخيصاً كما كان. فسنوات الفائدة المنخفضة شجعت الحكومات والشركات والأسر على زيادة الاقتراض، بينما ساعدت البنوك المركزية وأسواق السندات الرخيصة على إخفاء تكلفة هذا الدين.

وتزداد أهمية هذا التحول مع استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة والتوترات الجيوسياسية. فقد قفزت أسعار النفط أخيراً إلى مستويات تقارب 97 دولاراً للبرميل، ما يُعقد مهمة البنوك المركزية التي تواجه معادلة صعبة بين كبح التضخم وعدم الإضرار بالنمو.

بذلك، فإن موجة بيع السندات الحالية قد تكون أقل أهمية بسبب حجم خسائرها اليومية، وأكثر أهمية بسبب الرسالة التي تبعث بها، ومفادها: رأس المال العالمي لم يعد رخيصاً كما كان، وقد يتعين على الاقتصاد العالمي بأكمله أن يتكيف مع هذا الواقع الجديد.