تحولت مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة إلى مسرح لواحدة من أوسع موجات العبور غير النظامي عبر الحدود الأوروبية، بعدما وصل إليها عشرات الآلاف بحراً وبراً، في تدفق تجاوز قدرة المدينة على حصر الوافدين واستقبالهم، ودفع إسبانيا إلى إرسال قوات عسكرية وأمنية إضافية.
غير أن الرقم الدقيق بقي جزءاً من الأزمة نفسها. فقد نشرت إدارة الأمن القومي الإسبانية تقديراً يفيد بعبور أكثر من 49 ألف شخص، نقلاً عن وزارة الداخلية، قبل أن تحذف البيان من موقعها من دون توضيح. وبعد ساعات، قال رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس إن نحو 60 ألف شخص دخلوا المدينة، أي ما يعادل قرابة 70% من عدد سكانها البالغ نحو 84 ألف نسمة. أما وزارة الداخلية الإسبانية، فلم تؤكد حصيلة نهائية، وقالت إنها ستصدر تقريرها الدوري الجديد الاثنين.
وتباينت أيضاً حصيلة الضحايا. فقد تحدثت “رويترز” عن العثور على 19 جثماناً في المياه، بينما نقلت وكالة “أسوشيتد برس” في تحديث لاحق مقتل ما لا يقل عن 34 مهاجراً، بعضهم غرقاً وبعضهم خلال التدافع قرب الحاجز الحدودي في منطقة تراخال. ويعني ذلك أن الأرقام المتداولة حتى الآن تظل تقديرات أولية مرتبطة بتوقيت جمع المعلومات، وليست حصيلة نهائية مستقرة.
طوفان بشري يضرب سبتة
لا تملك سبتة البنية اللازمة لاستقبال عشرات الآلاف خلال ساعات. فقد امتلأت مراكز الإيواء، واضطر مهاجرون، بينهم أطفال وقاصرون غير مصحوبين بذويهم، إلى النوم في الحدائق وعلى الأرصفة، بينما انشغلت القوات العسكرية التي أرسلتها مدريد بإسعاف المصابين وتقديم الدعم الإنساني أكثر من قدرتها على وقف عمليات الدخول.
ووصف رئيس حكومة المدينة الوضع بأنه “غير قابل للاستمرار على الإطلاق”، فيما تحدث ممثل لإحدى جمعيات الحرس المدني عن أزمة إنسانية خطيرة وفوضى ميدانية، مع استمرار وصول أشخاص سباحة من الجانب المغربي، وعودة مجموعات أخرى إلى المغرب بعد دخولها سبتة.
وتكمن حساسية المدينة في موقعها القانوني والجغرافي. فسبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان تتمتعان بالحكم الذاتي على الساحل الشمالي لإفريقيا، وتشكلان الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية. ولذلك، لا يبقى أي خلل في مراقبتهما شأناً إسبانياً داخلياً، بل يتحول سريعاً إلى مسألة أوروبية تتعلق بحرية الحركة داخل فضاء شنغن وسياسات اللجوء والهجرة.
حكم قضائي أم انهيار الردع؟
حمّل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شبكات تهريب البشر مسؤولية استغلال المهاجرين، وقال خلال زيارته سبتة إن المهربين نشروا تفسيراً مضللاً لحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية، يقيّد الإعادة الفورية للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة ومليلية بحراً.
ويقضي الحكم بعدم إخضاع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر لقواعد “الرفض على الحدود” المطبقة على بعض حالات التسلق أو العبور البري، وهو ما يعني ضرورة إخضاعهم لإجراءات قانونية قبل إعادتهم. وترى الحكومة الإسبانية أن شبكات التهريب قدمت الحكم باعتباره فرصة للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، ما شجع أعداداً كبيرة على محاولة الوصول سباحة.
لكن هذا التفسير لا يحسم سبب التدفق. فقد شكك ناشطون حقوقيون في المغرب في معرفة غالبية المهاجرين بتفاصيل الحكم القضائي، ورجحوا أن عوامل أخرى، بينها البطالة وضيق الفرص الاقتصادية وانتشار الشائعات عبر شبكات التواصل، أسهمت في دفع الشباب نحو الحدود. وقال أحد المهاجرين المغاربة إنه عبر إلى سبتة بسبب نقص فرص العمل، مشيراً إلى رغبة كثيرين في الوصول إلى أوروبا أو الولايات المتحدة من دون امتلاك طرق قانونية لذلك.
المشكلة إذن لا تقتصر على معلومة قانونية أسيء تفسيرها. الشائعة لا تستقطب عشرات الآلاف ما لم تجد أساساً اجتماعياً واقتصادياً جاهزاً للاستجابة. وقد يكون الحكم قد وفر الشرارة، لكنه لا يفسر وحده حجم الأشخاص المستعدين للمخاطرة بالغرق أو التدافع عند أول إشارة إلى احتمال تخفيف الإعادة.
المغرب داخل معادلة حماية الحدود
استعادت الأزمة ذاكرة مايو/أيار 2021، عندما دخل نحو ثمانية آلاف مهاجر إلى سبتة خلال يومين، بعد تراجع الرقابة المغربية وسط أزمة دبلوماسية أثارها استقبال إسبانيا إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج. وأظهرت تلك الواقعة أن مستوى السيطرة على الحدود يرتبط بدرجة التعاون السياسي والأمني بين مدريد والرباط.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن السلطات المغربية سمحت بالتدفق الحالي عمداً أو استخدمته للضغط على إسبانيا. فقد دفعت الرباط بتعزيزات أمنية، واستخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع محاولات إضافية، كما نُقل بعض الموقوفين إلى مناطق بعيدة عن الحدود. وقالت السفيرة المغربية لدى إسبانيا كريمة بنيعيش إن ما حدث جرى خلافاً لرغبة المغرب، مؤكدة تمسك بلادها بالهجرة القانونية والمنظمة والآمنة.
مع ذلك، تكشف الأزمة مقدار اعتماد إسبانيا والاتحاد الأوروبي على المغرب لمنع المهاجرين من الوصول إلى الحدود أصلاً. فالسياج والقوات الإسبانية يمثلان خط الدفاع الأخير، بينما يبدأ الضبط الفعلي داخل الأراضي المغربية، عبر منع التجمعات والوصول إلى الشواطئ والمناطق المحاذية لسبتة. ويمنح هذا الاعتماد الرباط وزناً تفاوضياً في علاقتها بمدريد وبروكسل، حتى عندما لا تستخدم الهجرة أداة ضغط بصورة مباشرة.
أزمة سبتة إلى الداخل الأوروبي
لم تتوقف تداعيات التدفق عند حدود المدينة. فقد أعلنت فرنسا تعزيز عمليات التفتيش على حدودها مع إسبانيا، بينما لوّحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني باتخاذ إجراءات استثنائية، بينها تعليق ترتيبات شنغن مع إسبانيا. وردت مدريد باستدعاء السفير الإيطالي، واتهمت روما باستخدام الأزمة في سجال سياسي داخلي.
وتكشف هذه الردود أن الخلاف الأوروبي لا يدور حول حماية الحدود فقط، بل حول الجهة التي ستتحمل كلفة وصول المهاجرين. فالدول الواقعة على الحدود الجنوبية تطالب بالتضامن وتقاسم المسؤولية، بينما تسعى دول أخرى إلى منع انتقال الوافدين إليها، حتى لو استدعى ذلك إعادة فرض الرقابة داخل منطقة شنغن.
اختبار حقيقي
أما إسبانيا، فأعلنت أنها ستعمل على إعادة من دخلوا بصورة غير نظامية إلى المغرب بأسرع وقت ممكن، مع الالتزام بالأحكام القضائية وحقوق المهاجرين. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي: قدرة مدريد على تنفيذ الإعادات من دون تجاوز ضمانات الإجراءات القانونية، وقدرة المغرب على استقبال العائدين، ومدى استمرار التنسيق الأمني بعد انحسار اللحظة الطارئة.
لا تثبت أزمة سبتة أن سياسة الردع الأوروبية انهارت بالكامل، لكنها أظهرت حدودها. فعندما اجتمعت الضغوط الاقتصادية مع شائعة قانونية ووجود عشرات الآلاف بالقرب من الحدود، لم يمنع السياج ولا الانتشار الأمني التدفق خلال ساعاته الأولى.
يتوقف تقييم الأزمة على أربعة مؤشرات: الرقم الرسمي الذي ستصدره وزارة الداخلية، والحصيلة النهائية للضحايا، وعدد الأشخاص الذين ستتم إعادتهم، وما إذا كان التنسيق المغربي-الإسباني سيمنع موجة ثانية وربما ثالثة ورابعة. أما الاستنتاج الأكثر وضوحاً حتى الآن، فهو أن الحدود الأوروبية في شمال إفريقيا لا تحرسها أوروبا وحدها، وأن أي ضعف في الحلقة المغربية ينتقل أثره خلال ساعات إلى سبتة ثم إلى بقية القارة.















