لم يكن زياد الرحباني مبدعاً عادياً، بل حالة طوارئ فنية قلما تتكرر: موسيقيٌّ وشاعر ومسرحي وصحافي وإذاعي ومناضل وساخر، وابن فيروز وعاصي الرحباني، وابن أخ منصور وإلياس الرحباني وابن أخت هدى حداد… وكل صفة من هذه الصفات لوحدها كفيلة بأن تفتح لصاحبها كل الأبواب، لكن زياد فضل الدخول من النافذة. تمرد على الاسم العائلي، وصنع مساراً متفرداً، جعل منه أهم فنان عربي في العصر الحديث، دون مبالغة. مبدع عبقري، ساحر وساخر، ورجل مبادئ من النوع النادر، يدافع عن المقهورين بشراسة، في الفن والحياة، مضحياً بكل الامتيازات.
بالنظر إلى موهبته الموسيقية، كان بإمكان ابن فيروز أن يفعّل “شهادة الميلاد”، ويصبح نجم النجوم، يغني على كل المسارح والمهرجانات، ويراكم النجاحات السهلة والعملة الصعبة، لكنه اختار الأصعب، تمرّد على كل القيود وفي مقدمتها “قيد النفوس”. قلَبَ زياد الرحباني الطاولة على شرطه العائلي وثار على كلّ شيء، بما في ذلك ترتيب الكلمات: اختار الثورة بدل الثروة. فضل الانحياز إلى الحقّ، والدفاع عن المقهورين، وخوض معركة الكرامة جنب الضعفاء، بالموسيقى والكلمات. الربح سهل في حالة زياد الرحباني، لكنه عنيد ونبيل، لذلك اختار الوقوف مع الخاسرين.
حتى في رحيله المبكّر بقى متمسكاً بحس التمرّد. لم يكن أحد يتوقع أن يذهب الابن قبل الأم، أطال الله في عمرها، لكن مؤلّف “هدوء نسبي” متعود على تكسير القوالب والمواضعات، كأنه يسخر من الحياة وترتيباتها.
زياد الرحباني معجزة إبداعية، استطاع أن يجدد الموسيقى ويكتب أجمل الأغاني والمسرحيات، وأن يحافظ على نقائه وعفويته وانحيازه الراديكالي للمظلومين. صاحب “فيلم أمريكي طويل” أكثر من مبدع وأقلّ من نبي. تنبأ بالحرب الأهلية اللبنانية وتمزيق الشرق الأوسط، وتصدى لكثيرٍ من الأورام التي تنخر المنطقة، في بلد يمزقه الانقسام الطائفي، مما جعل كثيراً من الصغار يتجرأون عليه أحيانا!
كان عمره 13 سنة حين كتب ديواناً كاملاً سماه “صديقي الله”. أشعار مدهشة، اكتشفها والده عاصي الرحباني صدفة، وسطا على الدفتر كي يفتخر بابنه أمام أصدقائه الشعراء والملحنين. وحين أصيب عاصي بجلطة دماغية في السبعينيات، دخل على أثرها إلى المستشفى، غنت له فيروز “سألوني الناس عنك يا حبيبي”، كانت الكلمات من تأليف أخيه منصور واللحن من توقيع زياد وسنه لا يتجاوز 17 سنة…
كان يمكن أن يكون زياد موسيقياً كبيرا، على نهج والده، وأن يجدد ويمدد التجربة الرحبانية، على غرار عمّيه وأبنائهما، لكنه اختار التمرد في الموسيقى والحياة. كان يفترض أن يكون والداه حاجزاً أمام انعتاقه الفني، لكنه هضم التجربة الرحبانية بكاملها في عمر مبكر، وتخطاها بسلاسة مدهشة، ليشقّ طريقه بعبقرية نادرة.
كل العبارات مستهلكة في حضرة صاحب “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، الشيوعي الأخير، الذي قال في اجتماع مع الرفاق: “الشيوعي لا يغادر الحزب إلا إلى السجن أو إلى بيته”، وكتب أجمل قصيدة حول توزيع الثروة، “شو ها الأيام”، غناها بصوته الفريد، بلحن ستظل تردده الأجيال، بخاتمتها العظيمة:
كل المصاري المضبوبة
اللي ما بتنعد ولا بتنقاس
أصلها من جيوب الناس مسحوبة
ولازم ترجع لجيوب الناس
هي دي هي الأصلية
هناك ما يشبه “طائفة زيادية” في لبنان والعالم العربي، لكن بالمعنى الإيجابي للكلمة، وليس بالمعنى الذي ناهضه مؤلف “يا زمان الطائفية” طوال حياته. كثيرون يحفظون مسرحياته وأغانيه ومقولاته العفوية والساخرة عن ظهر قلب، أشخاص متعلقون بالرجل وفنه وعبقريته وسخريته. في لبنان توجد 18 طائفة، لذلك يعيش البلد مهدداً بالتمزق والحرب الأهلية في كل وقت… “الزيادية” هي الطائفة التاسعة عشرة، وفي مبادئها يوجد خلاص بلاد الأرز!







