بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

طبول المواجهة تُقرع في الكاريبي.. واشنطن تُصعّد وكراكاس تستعد لحرب عصابات

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشهد منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية حالة توتر غير مسبوقة منذ عقود، بعد التحركات العسكرية الأمريكية المُكثفة التي تصدّرتها حاملة الطائرات العملاقة “جيرالد فورد” والمجموعة الضاربة التابعة لها، إلى جانب سفن حربية وغواصات نووية وطائرات مقاتلة واستطلاع.

تؤكد الإدارة الأميركية أن الهدف هو مكافحة تهريب المخدرات في المياه المحيطة بفنزويلا، لكن التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن الهدف يتجاوز ذلك إلى ممارسة ضغط سياسي وعسكري على الرئاسة الفنزويلية، مع إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

جحافل أمريكا وتفاصيل القوة

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أغسطس/آب الماضي نشر أساطيل بحرية وجوية في مياه الكاريبي والمحيط الهادئ المجاور لفنزويلا، في إطار تعزيز القدرات التشغيلية للقيادة الجنوبية الأمريكية. ودخلت حاملة الطائرات “جيرالد فورد” رفقة مجموعتها الضاربة نطاق المسؤولية، حاملة أكثر من عشرة آلاف جندي، مع أساطيل من السفن والطائرات، بما في ذلك غواصات نووية وصواريخ بعيدة المدى، وهو ما يوفر القدرة على شنّ حملة جوية وبحرية واسعة ضد أهداف محتملة داخل الأراضي الفنزويلية.

تُصرّ الإدارة الأمريكية على أن الهدف هو مكافحة تهريب المخدرات، بذريعة أن المنطقة أصبحت محوراً لشبكات منظمة تهرب المخدرات عبر القوارب السريعة. لكن المراقبين يرون أن الحجة توفر غطاء قانونياً وأخلاقياً لنشر قدرات هجومية واسعة من دون إعلان حرب، الأمر الذي يجعل فنزويلا في مواجهة مرتقبة، مع احتمال تصعيد سريع، خصوصاً في ظل دعم موسكو الكامل لكاراكاس، واعتبارها التحركات الأمريكية خرقاً للقانون الدولي.

الردّ الفنزويلي وخطط الدفاع

ردّت الرئاسة الفنزويلية بتعبئة واسعة شملت نحو مئتي ألف جندي، وإصدار قانون دفاعي جديد لتعزيز التأهب لأي تدخل محتمل. وتشير الوثائق العسكرية إلى استعداد القوات الفنزويلية لاعتماد أساليب حرب العصابات، وما تسميه فنزويلا بـ”الفوضى المنظمة”، في حال وقوع أي هجوم أمريكي، بما يعكس محدودية القدرات التقليدية أمام التفوق العسكري لواشنطن.

تُركّز الاستراتيجية الفنزويلية على وحدات صغيرة موزعة على أكثر من 280 موقعاً، مهمتها تنفيذ أعمال تخريبية وأساليب حرب عصابات، إلى جانب إشاعة اضطراب داخلي في المدن الكبرى لتعطيل أي تدخل خارجي. وتُعد هذه الاستراتيجية تكتيكاً لتعويض النقص في التدريب والعتاد العسكري التقليدي، وتشمل استخدام ميليشيات محلية وأنصار الحزب الحاكم لخلق حالة من الفوضى، وهو ما قد يجعل أي هجوم محدود يتطور بسرعة إلى مواجهة أوسع.

الأبعاد القانونية والسياسية

تُشكل هذه التحركات الأمريكية تحدياً قانونياً واضحاً، إذ يثير استخدام القوة، من دون إعلان حرب من قبل الكونغرس الأمريكي، تساؤلات حول الشرعية القانونية. وتعتبر كلٌّ من فنزويلا وروسيا نشر السفن والصواريخ الأمريكية في هذه الرقعة الجغرافية تهديداً للسيادة الوطنية، وانتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة. فيما تراقب دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية الوضع بقلق بالغ، مع احتمال أن تُفسّر هذه التحركات على أنها محاولة لتغيير التوازنات الإقليمية أو استهداف الأنظمة السياسية، ما يزيد احتمالات التدخل الدبلوماسي أو رفض التعاون الأمني.

التحركات الاستخباراتية والردّ الدولي

في أحدث التطورات، أعلنت المملكة المتحدة وكولومبيا تعليق التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، احتجاجاً على الضربات الأمريكية التي أسفرت عن مقتل 76 شخصاً على الأقل خلال غارات على قوارب يشتبه في أنها تنقل المخدرات. وأكد البلدان على أن العمليات الأمريكية غير قانونية، وتشكل تهديداً للأمن الإقليمي. كما أعربت فرنسا عن قلقها، معتبرة أن الضربات تتجاهل القانون الدولي، ودعت إلى تجنّب أي تصعيد محتمل.

في الوقت نفسه، ناقش وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة المخدرات والحروب في أوكرانيا والسودان، في محاولة لتنسيق موقف دولي موحّد تجاه التحديات العالمية، في حين تتواصل المراقبة الدقيقة لكل تحرّك عسكري أو استخباراتي في الكاريبي.

السيناريوهات المستقبلية

تتراوح السيناريوهات المحتملة للأزمة بين:

  1. التهدئة الدبلوماسية: أي العودة إلى مسار الحوار عبر وساطات إقليمية أو ضغوط دولية متزايدة، مع موافقة واشنطن على ضبط التواجد العسكري، وإعلان أطرٍ قانونية محددة.
  2. التدخل المحدود: أي تنفيذ عمليات خاصة أو ضربات جوية محدودة داخل فنزويلا، ما قد يؤدي إلى ردّ مباشر من كاراكاس، يتضمن اشتباكات بحرية أو جوية.
  3. التصعيد الشامل: ويعني مواجهة مفتوحة إذا اعتبرت واشنطن رئاسة فنزويلا هدفاً سياسياً أو عسكرياً، ما قد يدفع إلى تدخلات دولية أوسع من حلفاء فنزويلا، مع ارتفاع مخاطر صراع شامل يهدد استقرار منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية.

الأبعاد الإنسانية والاقتصادية

إن أي تصعيد عسكري سيكون له تأثير مباشر على الملاحة البحرية، والسياحة، وسلاسل توريد النفط في الكاريبي وأمريكا الجنوبية، مع احتمال تفاقم الأزمات الإنسانية نتيجة توقف النشاط التجاري أو نزوح السكان. من المؤكد أن الضربات الأمريكية على القوارب المشتبه بها، خلقت حالة من عدم اليقين والقلق بين السكان المحليين، وهو ما قد يؤدي إلى توترات داخلية إضافية، ويضعف القدرة على إدارة الأمن المحلي. كما يهدد التصعيد بتأثيرات اقتصادية سلبية تشمل زيادة أسعار الوقود، وانخفاض حجم التجارة البحرية، أي أننا سنكون أمام أزمة اقتصادية متجددة في فنزويلا، والدول المجاورة.

هناك تفوق عسكري واضح لأمريكا في الكاريبي مقارنة ببقية دول المنطقة، إذ تشمل قواتها هناك حاملة طائرات عملاقة، وغواصات نووية، وسفن حربية وصواريخ بعيدة المدى، فضلاً عن طائرات “إف-35” المقاتلة. في المقابل، تعتمد القوات الفنزويلية على عتاد تقليدي قديم، روسي الصنع، وميليشيات محلية، مع نقص في التدريب والإمدادات.

منطقة على صفيح ساخن

تشير التحركات الأمريكية إلى أن مهمة مكافحة المخدرات مجرّد غطاء لنشر القوة والضغط السياسي على فنزويلا. الاستعدادات الفنزويلية، بما فيها حرب العصابات و”الفوضى المنظمة”، توضح أن المنطقة على صفيح ساخن، وأن أي خطأ أو تصعيد غير محسوب، قد يؤدي إلى مواجهة واسعة تمتد إلى مستويات دولية. 

تبقى خيارات واشنطن بين استمرار التصعيد المحدود، والعودة إلى المسار الدبلوماسي، أو الانخراط في مواجهة أوسع، فيما يراقب المجتمع الدولي التداعيات بعناية خشية تصعيد الأزمة إلى صراع شامل يستنزف أمن واستقرار منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية.