تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصعيد عسكري وسياسي متسارع يهدد بجرّ الإقليم بأكمله إلى أتون مواجهة شاملة ومفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. فبعد مرور أقل من شهرين على “تفاهمات إسلام آباد” التي منحت المنطقة نافذة هدوء مؤقتة مدتها ستون يوماً، تبخرت الآمال الدبلوماسية فجأة على وقع استهداف الممرات المائية وناقلات النفط في مضيق هرمز، وصولاً إلى توسيع جغرافيا الصراع لتشمل العمق الخليجي، وسط وعيد أمريكي حاسم بنسف قواعد اللعبة السابقة بالكامل.
وتضع هذه التطورات المنطقة أمام لحظة مفصلية، بعدما انتقل التصعيد من حرب الرسائل والتهديدات إلى مرحلة الضربات المباشرة، ما يطرح سؤالاً مركزياً: هل تُقرع طبول الحرب مجدداً في الخليج؟
انفجار الممرات المائية
بدأت شرارة الانفجار الأخير في الممرات المائية الحيوية بمضيق هرمز، حيث انتقل التصعيد من مرحلة التهديدات إلى استهداف مباشر لحركة الملاحة الدولية. فقد تعرضت سفن تجارية وناقلات نفط وغاز لهجمات بطائرات مسيرة ومقذوفات صاروخية، كان أبرزها استهداف الناقلة القطرية العملاقة للغاز الطبيعي المسال “الركيات” في غرفة محركاتها، إضافة إلى استهداف ناقلة نفط سعودية، في تطور رفع مستوى المخاوف من تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران والقوى الدولية.
وجاءت هذه الهجمات عقب تصاعد الخلاف حول ترتيبات الملاحة الجديدة في مضيق هرمز، بعدما سعت إيران إلى فرض آلية مرور تتضمن تحديد مسارات معينة وإجراءات موافقة مسبقة على السفن العابرة، وسط اتهامات دولية لطهران بمحاولة فرض رسوم أو إتاوات مرتبطة بحركة الملاحة، وهو ما اعتبرته واشنطن وحلفاؤها انتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة الدولية وتهديداً مباشراً لأحد أهم الممرات التجارية في العالم.
واعتبرت الدوحة والرياض وواشنطن أن استهداف السفن التجارية يشكل خرقاً خطيراً لبنود الهدنة المؤقتة التي كفلت حرية الملاحة الدولية، ويهدد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وفي رد فعل فوري، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراراً اقتصادياً عاصفاً بإلغاء رخصة الاستثناء الممنوحة لإيران لبيع نفطها علناً بالدولار في السوق العالمية، وهي الميزة الأكبر التي حصلت عليها طهران بموجب تفاهمات الهدنة في 22 يونيو/حزيران الماضي، ليعود الخناق الاقتصادي وضغوط “الحد الأقصى” إلى ذروتها خلال ساعات معدودة بقرار رئاسي مباشر.
قصف عسكري متبادل وعنيف
لم يتوقف الرد الأمريكي عند العقوبات الاقتصادية السريعة، بل تُرجم ميدانياً وعسكرياً على نطاق واسع، إذ شنت مقاتلات وبوارج القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) غارات استباقية دمرت أكثر من 80 هدفاً عسكرياً، شملت البنية التحتية لسلاح البحرية التابع للحرس الثوري، والمنظومات الدفاعية الجوية، والرادارات الساحلية. كما استهدفت الضربات أكثر من ستين زورقاً سريعاً كان يستخدمها الحرس الثوري للتحرش بالسفن واعتراضها في موانئ سيريك وبندر عباس وبوشهر وقشم.
في المقابل، ردّ الحرس الثوري الإيراني ببيان عسكري شديد اللهجة، أعلن فيه تنفيذ عملية واسعة شملت إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، مستهدفاً مواقع ومنشآت عسكرية تابعة للجيش الأمريكي في منطقة الخليج.
ولم تقتصر الضربات الإيرانية على الأهداف البحرية، بل امتدت خلال الساعات الماضية إلى العمق الخليجي، بعدما استهدفت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية مواقع مرتبطة في الكويت والبحرين، ما أدى إلى تفعيل أنظمة الدفاع الجوي ورفع حالة التأهب في البلدين.
وشملت الهجمات الإيرانية مواقع عسكرية أمريكية، بينها قاعدة علي السالم الجوية في الكويت ومواقع مرتبطة بالوجود البحري الأمريكي في البحرين، بما فيها محيط مقر قيادة الأسطول الخامس، في خطوة اعتُبرت انتقالاً جديداً في مسار المواجهة، بعدما أصبحت القواعد الأمريكية في الخليج جزءاً مباشراً من معادلة الردع بين واشنطن وطهران.
تهديدات ترامب تقلب الطاولة
من العاصمة التركية أنقرة، وخلال مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فجّر ترامب مفاجأة سياسية بإعلانه أن اتفاق الهدنة المؤقتة مع إيران قد “انتهى تماماً”، ولم يعد قائماً بعد الآن.
وخلال مؤتمر صحفي حاد ومشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عبّر ترامب عن استيائه الشديد، قائلاً إن بلاده طلبت من الإيرانيين إتمام مراسم جنازة مرشدهم الأعلى علي خامنئي بهدوء، لكنهم اختاروا، بحسب قوله، إطلاق الصواريخ واستهداف الملاحة الدولية.
ووجّه ترامب وعيداً مباشراً ضد القيادة الإيرانية الحالية، مؤكداً أن القوات الأمريكية وجهت ضربات قوية خلال الليلة الماضية، وأنها ستشن ضربات أكبر وأكثر عنفاً خلال المرحلة المقبلة.
ولم يكتف ترامب بالتلويح بالخيار العسكري التقليدي، بل هدد بفرض حصار بحري شامل، واستهداف البنية التحتية الإيرانية، بما يشمل محطات توليد الطاقة الكهربائية ومنشآت تحلية المياه، وصولاً إلى السيطرة على جزيرة خارك النفطية الاستراتيجية التي تشكل شريان الصادرات النفطية الإيرانية الأساسي إلى الأسواق العالمية.
مستقبل غامض ينتظر المنطقة
تضع هذه التطورات المتلاحقة منطقة الشرق الأوسط أمام قراءة جيوسياسية قاتمة ومفتوحة على مختلف الاحتمالات. فـانهيار نافذة الستين يوماً التفاوضية يعني عملياً انتهاء المسار الدبلوماسي وعودة منطق الردع العسكري الخشن إلى الواجهة.
كما أن انتقال إيران إلى استهداف مصالح أمريكية في الكويت والبحرين، بالتزامن مع تهديد الملاحة واستهداف ناقلات الطاقة، يمثل رسالة ضغط إقليمية بالغة الخطورة، تهدف طهران من خلالها إلى إفهام دول الخليج أن القواعد الأمريكية المنتشرة على أراضيها قد تصبح أهدافاً مباشرة في حال اتساع المواجهة.
في المقابل، تبدو واشنطن مصممة على إعادة رسم قواعد الاشتباك، مستفيدة من دعم حلفائها وتزايد المخاوف الدولية من تهديد أمن الطاقة والممرات البحرية.
ومع ارتفاع أسعار النفط العالمية وسط مخاوف من اضطراب حركة الشحن في الخليج، تترقب عواصم العالم بقلق بالغ ما ستؤول إليه الساعات المقبلة، وسط سؤال مصيري يفرض نفسه في هذا التوقيت الحرج: هل تُقرع طبول الحرب مجدداً في الخليج، أم أن كوابح خفية ستتدخل في اللحظة الأخيرة لمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة؟















