انتقلت أزمة “غرينلاند” إلى مستوى متقدم من النزاع على المستوى الدولي بين الولايات المتحدة الامريكية ودول أوروبية، وباتت تمثل أكثر من مجرد خلاف تجاري أو تضارب المصالح حول جزيرة استراتيجية؛ فهي مواجهة مفتوحة تعيد طرح مستقبل العلاقات عبر الأطلسي ودور حلف الشمال “الناتو” في عالم يشهد تصاعد المنافسة.
بينما تتجه واشنطن نحو سياسة ضغط قصوى، تجد أوروبا نفسها أمام خيار صعب: إما الرضوخ لمنطق القوة، أو تسريع بناء استقلالها الاستراتيجي، بما قد يعيد رسم خريطة التحالفات الغربية في السنوات المقبلة.
توتر عالمي غير مسبوق
دخلت العلاقات الأمريكية الأوروبية مرحلة غير مسبوقة من التوتر، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعرفة جمركية بنسبة 10% على واردات قادمة من ثماني دول أوروبية هي الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، وفنلندا، مع التلويح برفعها إلى 25% اعتباراً من يونيو 2026، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بالاستحواذ الكامل على إقليم “غرينلاند” المتمتع بالحكم الذاتي. في خطوة أعادت خلط الأوراق داخل المعسكر الغربي، وفتحت باب مواجهة تجارية ذات أبعاد استراتيجية واضحة.
قوبلت التهديدات الأمريكية برفض أوروبي واسع، حيث اعتبر قادة في دول الاتحاد أن استخدام الرسوم الجمركية لفرض تنازلات سيادية يمثل سابقة خطيرة، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي لدراسة خيارات رد تشمل فرض رسوم على صادرات أمريكية تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو (108 مليارات دولار)، إضافة إلى قيود محتملة على قطاعات تتمتع فيها الولايات المتحدة بفائض تجاري، ولا سيما الخدمات الرقمية والمالية.
“غرينلاند” في الحسابات الأمريكية
ربط ترامب التصعيد بأهمية “غرينلاند” للأمن القومي الأمريكي، مؤكداً أن الجزيرة تشكل حلقة مركزية في منظومات الدفاع المتقدمة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ”القبة الذهبية”، التي تشمل قدرات هجومية ودفاعية بعيدة المدى.
وأوضح أن فعالية هذه المنظومات، التي تُنفق عليها واشنطن مئات المليارات من الدولارات وتشمل حماية المجال الأمريكي والكندي، لا يمكن أن تكتمل دون السيطرة على موقع “غرينلاند” الاستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا.
أوروبا: رفض الابتزاز وإجراءات مضادة
قوبلت التهديدات الأمريكية برفض أوروبي واسع، حيث اعتبر قادة في الاتحاد الأوروبي أن استخدام الرسوم الجمركية لفرض تنازلات سيادية يمثل سابقة خطيرة. في هذا السياق، يدرس الاتحاد الأوروبي خيارات رد تشمل فرض رسوم على صادرات أمريكية تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو (108 مليارات دولار)، إضافة إلى قيود محتملة على قطاعات تتمتع فيها الولايات المتحدة بفائض تجاري، ولا سيما الخدمات الرقمية والمالية.
وأعلنت فرنسا نشر “مجموعة أولى من العسكريين” في “غرينلاند” في إطار بعثة أوروبية، وسترسل “وسائل برية وجوية وبحرية” إضافية الى الجزيرة. في الوقت ذاته، أشارت باريس إلى أنها ستضيف 36 مليار يورو إلى ميزانية الدفاع حتى العام 2030، فضلا عن الـ413 مليارا التي سبق أن تمّ تخصيصها للفترة بين 2024 و2030.
زاد التوتر بعد إرسال عدة دول أوروبية قوات عسكرية محدودة إلى “غرينلاند” ضمن مناورات تقودها الدنمارك لتعزيز أمن القطب الشمالي. ورأت هذه الدول أن التحركات دفاعية وتهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي، بينما اعتبرتها واشنطن خطوة “غير مقبولة”، ما دفع ترامب إلى التصعيد والربط العلني بين الوجود العسكري الأوروبي والضغط التجاري.
بالتوازي، أطلقت كوبنهاغن تحركاً دبلوماسياً شمل عدداً من العواصم الأوروبية لبحث دور حلف شمال الأطلسي في أمن المنطقة القطبية.
على المستوى الشعبي، خرجت تظاهرات في الدنمارك وغرينلاند تنديداً بأي محاولة لبيع الجزيرة أو تغيير وضعها السيادي.وتعكس هذه التحركات موقفاً عاماً راسخاً، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى رفض واسع لفكرة الانضمام إلى الولايات المتحدة مقابل تأييد محدود للغاية.
روسيا: انتقاد ازدواجية المعايير
من جانبها دخلت موسكو على خط الأزمة، معتبرة أن الجدل حول “غرينلاند” يكشف تناقض الخطاب الغربي بشأن “النظام القائم على القواعد”، ورافضة تحميل روسيا أو الصين مسؤولية التصعيد في القطب الشمالي، في إشارة إلى أن الأزمة نابعة أساساً من صراع داخل المعسكر الغربي نفسه.
في الوقت ذاته، أكدت روسيا تضامنها مع موقف الصين بشأن عدم قبول الإشارة إلى بعض أنشطة موسكو وبكين حول “غرينلاند” على أنها سبب للتصعيد الحالي.
مستقبل الشمال الأطلسي
تطرح الأزمة الأمريكية الأوروبية العديد من الأسئلة حول مستقبل حلف شمال الأطلسي “الناتو” وفرص استمرار هذا التحالف الدولي، حيث تكشف عن شرخ عميق داخل هذا الكيان، إذ تستخدم الولايات المتحدة أدوات اقتصادية لمعاقبة دول حليفة في الحلف نفسه. هذا السلوك يقوض أحد أعمدة الناتو الأساسية: مبدأ التضامن والثقة المتبادلة.
لطالما قامت قيادة واشنطن للناتو على توفير المظلة الأمنية مقابل الالتزام السياسي. ربط الحماية الأمنية بمطالب إقليمية وتجارية يضعف صورة الولايات المتحدة كضامن محايد للأمن الجماعي، ويدفع الحلفاء إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية. من شأن هذه الأزمة أن تعزز الدعوات داخل أوروبا لتقوية القدرات الدفاعية المستقلة وتقليل الاعتماد على واشنطن. وهو مسار، إن تسارع، قد يحول “الناتو” تدريجياً من تحالف متماسك إلى إطار تنسيقي هش.
كما يثير هذا التصدع داخل الحلف المخاوف من فتح المجال أمام قوى دولية منافسة لاستغلال الخلافات، سواء عبر توسيع نفوذها في القطب الشمالي أو عبر تقديم نفسها كشريك بديل لبعض الدول المتضررة من الضغوط الأمريكية. فالأزمة الحالية لا تختبر فقط آليات اتخاذ القرار داخل “الناتو”، بل تطرح سؤالاً أعمق حول طبيعته: هل هو تحالف أمني قائم على القيم والمصالح المشتركة، أم أداة يمكن توظيفها لخدمة أولويات وطنية ضيقة؟















