بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

اقتصاد اجتماعي

“صناعة الفقر”.. وثيقة أممية تفتح النقاش حول دور السياسات الاقتصادية في إعادة إنتاج الهشاشة

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

قد لا تكون مكافحة الفقر دائماً محاولة لإنهائه. ففي كثير من الاقتصادات، تعمل الحكومات على تخفيف مظاهره بما يكفي لاحتواء أثره الاجتماعي، من دون المساس بالسياسات التي تعيد إنتاجه: أجور منخفضة تجذب الاستثمار، وعقود مرنة تخفض تكلفة الشركات، وضرائب غير مباشرة تضمن الإيرادات، وخدمات عامة متراجعة تفتح أسواقاً جديدة أمام القطاع الخاص.

تنجح هذه المعادلة في تحسين المؤشرات الكلية. يرتفع الناتج، وتنخفض البطالة الرسمية، وتتوسع الاستثمارات، بينما تعمل الأسرة ساعات أطول لتحتفظ بمستوى المعيشة نفسه. الفجوة هنا ليست بين النمو والفقر فقط، بل بين ما تقيسه الدولة وما يعيشه الناس فعلياً.

مفارقة النمو الاقتصادي

الدولة تقيس عدد الوظائف، لكنها لا تقيس دائماً ما إذا كانت أجورها تكفي. وتسجل ارتفاع الدخل، من دون احتساب ما ابتلعته الإيجارات والعلاج والتعليم. وتعلن انخفاض العجز المالي، بينما تكون قد نقلت جزءاً من تكلفة الخدمات إلى ميزانية الأسرة. هكذا يظهر النجاح في الحسابات العامة، فيما تتراكم الهشاشة في الحسابات الخاصة.

هذه ليست نتيجة عرضية لنظام اقتصادي يعمل بصورة سيئة. إنها نتيجة محتملة لنظام يعمل وفق أولوياته الفعلية: حماية الاستثمار، وضبط المالية العامة، وزيادة القدرة التنافسية، ولو جاء ذلك على حساب استقرار العمل وعدالة الضرائب وشمول الخدمات.

من هذه الزاوية تكتسب وثيقة “صناعة الفقر”، المقدمة إلى الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، أهميتها. فهي لا تقدم اكتشافاً بأن الفقر مؤلم أو أن التفاوت آخذ في الاتساع، بل تمنح اسماً واضحاً لعملية سياسية واقتصادية غالباً ما تختبئ خلف لغة النمو والكفاءة والإصلاح.

لكن القضية تتجاوز الوثيقة الأممية. السؤال الأهم ليس كيف تساعد الحكومات الفقراء، بل لماذا تستمر سياساتها الاقتصادية في إنتاج الحاجة إلى المساعدة؟ ولماذا تُعامل الحماية الاجتماعية باعتبارها أداة لإصلاح الأضرار بعد وقوعها، بينما تبقى القرارات التي تضغط الأجور وترفع تكلفة الخدمات وتخفف العبء عن الثروة خارج النقاش؟

النمو لا يوزع نفسه

لا توجد علاقة تلقائية بين اتساع الاقتصاد وتحسن حياة غالبية السكان. قد يرتفع الناتج لأن قطاعات العقارات والمال والتكنولوجيا والطاقة حققت عوائد كبيرة، من دون أن تنتقل هذه العوائد إلى الأجور أو الخدمات أو فرص العمل المستقرة.

المشكلة ليست أن الثروة لا “تتساقط” بالسرعة الكافية، بل أن القواعد التي تحدد توزيعها تعمل قبل ظهور أرقام النمو. قوة النقابات، والحد الأدنى للأجور، وطبيعة العقود، والسياسة الضريبية، وتكلفة السكن، وحجم الخدمات العامة؛ كلها تحدد مسبقاً من سيحصل على القيمة الجديدة ومن سيكتفي بتحمل تكلفة إنتاجها.

لهذا يبدو انتظار معالجة الفقر بعد تحقيق النمو معكوساً. فالتوزيع لا يبدأ عندما تتدخل الدولة بالضرائب والمساعدات، بل يبدأ داخل مكان العمل، وعند تحديد الأجر، وفي شروط التوظيف، وعند تقرير ما إذا كانت الصحة والتعليم حقوقاً عامة أم خدمات يشتريها القادرون.

الوظيفة لم تعد ضمانة

احتفظ الخطاب الاقتصادي بفكرة قديمة تقول إن أفضل سياسة اجتماعية هي توفير الوظائف. لكن هذه الفكرة تفقد معناها عندما لا يكفي دخل الوظيفة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

العمل المؤقت واقتصاد المنصات والتعاقد الخارجي لا تؤدي فقط إلى تنويع سوق العمل، إنها تنقل مخاطر تقلب الطلب من الشركات إلى العامل. تستطيع مؤسسة ما خفض عدد الساعات أو إنهاء العلاقة التعاقدية، بينما يبقى الفرد مسؤولاً عن الإيجار والعلاج والديون بصرف النظر عن دخله الفعلي.

وهنا يتحول خلق الوظائف إلى مؤشر ناقص. قد تنخفض البطالة، لكن تتسع في المقابل فئة العاملين الفقراء: أشخاص دخلوا سوق العمل ولم يدخلوا الأمان الاقتصادي.

هذه الفئة مفيدة للنظام الإنتاجي لأنها توفر عملاً مرناً ومنخفض التكلفة. لكنها تظل بحاجة إلى دعم حكومي يكمل الأجور التي لا تدفعها الشركات. وبذلك لا تدعم الدولة العامل وحده؛ بل تدعم بصورة غير مباشرة نموذج أعمال يعتمد على أجر أقل من تكلفة المعيشة.

الضرائب تكشف الواقع

تتحدث الحكومات عن الضرائب بوصفها أداة لتمويل الخدمات، لكن تركيبة النظام الضريبي تكشف أيضاً توزيع القوة السياسية. فالضريبة على الاستهلاك سهلة التحصيل، لكنها تقتطع من الفقير نسبة أكبر من دخله، لأنه ينفق معظم ما يحصل عليه على الغذاء والسكن والنقل.

في المقابل، تتحرك الثروة بصورة أكثر مرونة. يمكن تحويل الأرباح، وإعادة تصنيف الدخل، واستثمار الأصول في قنوات تحظى بمعاملة أفضل، أو الاستفادة من إعفاءات صُممت باسم تشجيع الاستثمار.

لا يعني ذلك أن رأس المال لا يُفرض عليه أي عبء، بل إن قدرته على التفاوض والحركة أعلى من قدرة الموظف أو المستهلك. وحين تخشى الحكومات هروب الاستثمار أكثر مما تخشى تآكل الطبقة الوسطى، يصبح النظام الضريبي انعكاساً لهذا الخوف.

تكون النتيجة دولة تمول جزءاً أكبر من إنفاقها عبر الاستهلاك والعمل، ثم تستخدم جزءاً من الإيرادات لتقديم مساعدات إلى الفئات التي أضعفت الضرائب قدرتها الشرائية أصلاً.

خصخصة التكلفة لا تلغي الحاجة

عندما تقلص الدولة خدمة عامة، تسجل ميزانيتها وفراً. لكن التكلفة لا تختفي؛ تنتقل إلى الأسرة. وما يبدو إصلاحاً في المالية العامة قد يكون مجرد إعادة توزيع للفاتورة.

المدرسة الحكومية الضعيفة تدفع الأسرة إلى التعليم الخاص. وقوائم الانتظار الطويلة تدفعها إلى العلاج المدفوع. والنقل العام غير الكافي يجبرها على امتلاك سيارة أو استخدام بدائل أعلى تكلفة. وغياب سياسة سكن فعالة يجعل الإيجار يبتلع حصة متزايدة من الدخل.

بهذه الطريقة تستطيع الحكومة خفض الإنفاق من دون أن تخفض احتياجات السكان. يتحسن حساب الدولة، ويتدهور حساب المواطن.

والأشد خطورة أن انتقال الخدمات إلى السوق يوسع الفوارق بين الأسر. فالميسور مادياً لا يفقد التعليم أو العلاج، بل يشتري نسخة أفضل منهما. أما محدود الدخل فيحصل على خدمة أضعف، أو يؤجل استخدامها، أو يمولها بالدين. وبذلك لا يعيد السوق توزيع الخدمات وفق الحاجة، بل وفق القدرة على الدفع.

المساعدات تعالج النتيجة  

لا تخلو الاقتصادات الحديثة من برامج الحماية. لكن كثيراً منها صُمم لإبقاء الفقر ضمن مستوى قابل للإدارة، لا لمنع إنتاجه.

المساعدة المشروطة، والدعم المؤقت، واختبارات الاستحقاق المعقدة، كلها تتدخل بعد تراجع دخل الفرد أو فقدانه العمل. ويُطلب من المتضرر إثبات عجزه، بينما لا تخضع السياسات التي دفعته إلى الهشاشة للاختبار نفسه.

يخلق هذا النموذج مفارقة سياسية: تعلن الحكومة زيادة الإنفاق على مكافحة الفقر، فيما تستمر في تطبيق سياسات توسع أعداد المحتاجين إليه. وكلما ازدادت الهشاشة، توسعت برامج المعالجة من دون أن يتغير سوق العمل أو النظام الضريبي أو تكلفة الخدمات.

لا يعني ذلك أن المساعدات غير ضرورية. إلغاؤها يضاعف الضرر فوراً. لكن استخدامها بديلاً عن إصلاح قواعد التوزيع يحولها إلى أداة استقرار للنظام القائم، لا طريقاً للخروج منه.

الحصانة من المساءلة

لا تستطيع الدول الفقيرة الاستغناء عن النمو. فهي تحتاج إلى إنتاج أكبر، وبنية تحتية، وطاقة، ومدارس، ومستشفيات وفرص عمل. كما لا يمكن تمويل حماية اجتماعية مستدامة من اقتصاد راكد أو ضعيف الإنتاجية.

لكن هذا لا يمنح النمو حصانة من المساءلة. المطلوب ليس الاختيار بين اقتصاد يتوسع وعدالة تعيد التوزيع، بل رفض النمو الذي يعتمد على توسيع العمل الفقير وخصخصة الاحتياجات وتحويل التكلفة إلى الأسر.

السؤال الصحيح ليس مقدار ما أضافه الاقتصاد إلى الناتج وحده، بل مقدار ما أضافه إلى قدرة الفرد على العيش دون خوف دائم من فقدان العمل أو المرض أو ارتفاع الإيجار.

الفقر بوصفه قراراً موزعاً

لا توجد حكومة تقرر زيادة الفقر. لكنه يتشكل عبر قرارات منفصلة تبدو كل واحدة منها قابلة للتبرير: تجميد الأجور لحماية التنافسية، وتسهيل الفصل لزيادة مرونة السوق، ورفع الرسوم لضبط الميزانية، وتقليص الخدمات لتحسين الكفاءة، وخفض الضرائب على رأس المال لجذب الاستثمار.

حين تجتمع هذه القرارات، تنتج اتجاهاً واضحاً: الدولة تحمي المؤشرات والمؤسسات من المخاطر، بينما تطلب من الفرد تحمل قدر متزايد منها.

من هنا لا تكون “صناعة الفقر” اتهاماً أخلاقياً بقدر ما هي توصيف لطريقة توزيع التكلفة. فالفقر الحديث لا ينتج دائماً من غياب العمل أو توقف الاقتصاد؛ قد ينتج من اقتصاد مزدهر يحتاج إلى عمال لا يحصلون على نصيب يكفي من ازدهاره.