اختبار مزدوج

صدمة مزدوجة تضغط اقتصادات شمال إفريقيا.. من إيرادات قناة السويس إلى فاتورة الطاقة والأسمدة في المغرب العربي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تواجه اقتصادات شمال إفريقيا اختباراً مزدوجاً بفعل اضطراب ممرات التجارة والطاقة في البحر الأحمر والخليج العربي، في وقت تدخل فيه المنطقة العربية هذه الصدمة وهي تعاني أصلاً من تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين، وضيق المساحة المالية المتاحة للحكومات.

تتحرك تداعيات الاضطرابات عبر قناتين متزامنتين: الأولى تضرب الإيرادات بالعملة الأجنبية، خصوصاً في مصر التي تراجعت عائداتها من قناة السويس بشدة مع تحويل شركات الشحن مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر؛ والثانية ترفع تكلفة الطاقة والنقل والأسمدة والسلع الغذائية، ما يضع اقتصادات مثل المغرب وتونس أمام ضغوط تضخمية وتمويلية متزايدة.

ولا تبدو الصدمة موزعة بالتساوي بين دول المنطقة. فمصر تواجه خسارة مباشرة في إيرادات النقد الأجنبي، والمغرب يتعرض بصورة أكبر لانتقال التضخم عبر الطاقة ومدخلات الإنتاج والأسمدة. أما تونس، فتصارع مزيجاً من ارتفاع تكاليف الواردات ومحدودية التمويل الخارجي. في المقابل، تستفيد الجزائر وليبيا من ارتفاع أسعار النفط، لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة بدورة أسعار السلع ولا تعالج بالضرورة نقاط الضعف الهيكلية.

نمو المنطقة يدخل منطقة الخطر

تأتي هذه التطورات في وقت خفّض فيه البنك الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، باستثناء إيران، إلى 1.8% في 2026، مقارنة بـ4% في 2025، بسبب تداعيات الصراع واضطرابات ممرات الطاقة والتجارة التي قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتكاليف الشحن والغذاء.

وتزداد حساسية الاقتصادات لهذه الصدمات بسبب ارتفاع مستويات الدين وتراجع القدرة على الاقتراض. ويشير البنك الدولي إلى أن الدين الحكومي في الاقتصادات النامية ارتفع من أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 إلى أكثر من 70%، فيما تصبح تكلفة الاقتراض أكثر حساسية كلما ارتفع عبء الدين.

بالنسبة لشمال إفريقيا، يعني ارتفاع أسعار الطاقة أو انخفاض إيرادات النقد الأجنبي ضغطاً أكبر على الموازنات وأسعار الصرف والإنفاق الاجتماعي.

قناة السويس في قلب الصدمة

تظهر الحالة المصرية بوضوح أكبر من غيرها. فقناة السويس تُعد أحد أهم مصادر القطع الأجنبي للبلاد، وقد ارتفعت إيراداتها خلال العام المالي 2025-2026 بنسبة 23% إلى 4.67 مليار دولار. مع ذلك، يمثل هذا الرقم انخفاضاً حاداً عن الإيرادات القياسية للسنة المالية المنتهية في يونيو 2023، والتي سجلت 9.4 مليار دولار، وبنحو 61% عن أواخر عام 2024.

وتتجاوز أهمية هذه الخسارة قيمة رسوم العبور نفسها. فالنقص في تدفقات الدولار يضغط على قدرة الاقتصاد على تمويل الواردات وخدمة الالتزامات الخارجية ودعم استقرار سوق الصرف. وفي ظل برنامج الإصلاح مع صندوق النقد، تصبح إدارة هذه الفجوة أكثر تعقيداً.

ويشير الصندوق في أحدث مراجعاته إلى أن انخفاض إيرادات هيئة قناة السويس أثّر بالفعل في الإيرادات الضريبية والمالية، بينما تظل احتياجات التمويل الإجمالية مرتفعة، ما يجعل خفض الدين وتحسين إدارة التمويل عناصر أساسية لاستقرار الاقتصاد المصري.

وهكذا تتحول أزمة الملاحة إلى مشكلة مالية ونقدية أوسع: انخفاض تدفقات العملة الصعبة يحدث في الوقت نفسه الذي تحتاج فيه الحكومة إلى تمويل الدين والإنفاق على الاقتصاد.

المغرب.. صدمة الطاقة والأسمدة

في المغرب، لا تظهر التداعيات في صورة خسارة مفاجئة لإيراد واحد بحجم قناة السويس، لكنها تنتقل عبر سلسلة التكاليف. فارتفاع أسعار النفط يرفع تكلفة النقل والكهرباء والإنتاج الزراعي، فيما يمكن أن تؤدي اضطرابات الشحن في الخليج والبحر الأحمر إلى زيادة تكلفة مدخلات صناعية أساسية. وتكتسب هذه الممرات المائية أهمية خاصة بالنسبة لصناعة الأسمدة المغربية، التي ترتبط بسلاسل إمداد عالمية تعتمد على مدخلات مثل الكبريت.

ويعني ارتفاع تكلفة هذه المدخلات أن الصدمة الجيوسياسية لم تعد محصورة في قطاع الطاقة؛ إذ تنتقل إلى الزراعة وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد الزراعية في المغرب والأسواق الإفريقية التي تعتمد على أسمدتها.

وتتزامن هذه الضغوط مع أهمية المغرب في إنتاج وتصدير المنتجات الزراعية والأسمدة، ما يجعل ارتفاع تكلفة المدخلات قضية مزدوجة: فهو يضغط على هوامش المنتجين من جهة، ويرفع تكلفة الغذاء للمستهلكين من جهة أخرى.

تونس.. ملاءة مالية هزيلة

تدخل تونس هذه المرحلة بهامش مناورة مالي محدود. فقد بلغ الدين العام نحو 82.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فيما تراجع العجز إلى 5.2% من الناتج، لكنه ظل أعلى بكثير من مستواه قبل جائحة كورونا. كما تعتمد البلاد بدرجة أكبر على مصادر التمويل المحلية لتغطية احتياجاتها المالية.

وكان الاقتصاد التونسي قد بدأ استعادة قدر من النشاط، مع توقعات بنمو يتراوح حول 2.4% في 2026-2027، مدفوعاً بالسياحة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية. غير أن البنك الدولي يحذر من أن محدودية التمويل الخارجي وضعف الإنتاجية والاستثمار تظل قيوداً هيكلية على النمو.

لذلك فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة أو الغذاء قد يضع السياسة المالية أمام معادلة صعبة: دعم المستهلكين للحد من التضخم، أو الحفاظ على الانضباط المالي في ظل دين مرتفع.

الجزائر وليبيا.. مكاسب النفط بلا مناعة 

على الجانب الآخر، تبدو الجزائر وليبيا في وضع مختلف مع ارتفاع أسعار النفط. لكن نمو الإيرادات النفطية يوفر حماية مؤقتة أكثر مما يقدم حلاً هيكلياً.

في الجزائر، قال صندوق النقد في يوليو 2026 إن ارتفاع أسعار المحروقات يدعم الإيرادات التصديرية والمالية على المدى القريب، لكنه حذر في الوقت نفسه من تآكل الهوامش المالية واستمرار العجز المرتفع ومخاطر تقلب أسعار الطاقة. ويتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الجزائري 3.8% في 2026، مع بقاء العجز المالي مرتفعاً.

أما ليبيا، فقد استفادت من زيادة إنتاج النفط. وكان البنك الدولي قد توقع في 2025 وصول متوسط الإنتاج إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، بزيادة 17.4% عن 2024، مع نمو قوي للناتج. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التحدي الأساسي يتمثل في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات وتعزيز دور القطاع الخاص.

وتكمن المشكلة هنا في أن الإيرادات النفطية المرتفعة يمكن أن تخفف الضغط على المالية العامة دون أن تغير بنية الاقتصاد. فإذا انخفضت الأسعار مجدداً، تعود نقاط الضعف نفسها إلى الواجهة.

اختبار ما بعد الصدمة

لا تقتصر المخاطر الاقتصادية للاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز على مدة استمرار الصراع. الخطر الأكبر يتمثل في أن تتحول الصدمة المؤقتة إلى عامل يرسخ اختلالات قائمة بالفعل.

فارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة قد يضعف الاستثمار، وتراجع إيرادات العملة الأجنبية قد يزيد أعباء الدين، بينما يؤدي ارتفاع التضخم إلى تقليص القوة الشرائية. وفي المقابل، قد تدفع الإيرادات النفطية المرتفعة بعض الدول إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية.

ويؤكد البنك الدولي أن الصدمات الحالية كشفت مجدداً عن مشكلات أعمق في المنطقة، تشمل ضعف الإنتاجية، محدودية ديناميكية القطاع الخاص، وضعف تنويع الاقتصادات وأسواق العمل. 

وبذلك، فإن اضطراب السويس وهرمز يمثل أزمة متصلة بقدر ما يعمل كمضاعِف للمخاطر الاقتصادية القائمة. وكلما طال أمد اضطرابات التجارة والطاقة، أصبحت قدرة حكومات شمال إفريقيا على امتصاص الصدمة أكثر ارتباطاً بمدى تنويع مصادر الدخل، وإدارة الدين، وبناء هوامش مالية تسمح بالتدخل عندما ترتفع تكلفة الغذاء والطاقة.