بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني
متون التكوين

صحراء الطريق وصحراء الطريقة

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

الدرس الذي لقّنه ناموس المهد «آنهي» للأجيال يقول:«باعدوا بين بيوتكم، وقاربوا بين قلوبكم»، في حكمة كانت أفيون النظام الأخلاقي الصحراوي، كملاذ وحيد لتحقيق ما راهن عليه الإنسان الهجري منذ الأزل وهو: الحرية!

الحرية في منزلتها الأسمى؛ لأن ما معنى أن نتقارب حرفاً، إذا كان هذا الجنس من التقارب بسبب التباغض روحاً، في حين يضمن التباعد بين البيوت إنعاش الحنين للحضور في فردوسٍ آخر؟

فوجود الفرد، في واقع الصحراء، محكومٌ بعرفِ أعرافٍ هو:الهجرة!

الهجرة التي يعتنقها كل مَن رضع حليب البريّة، ليست في مفهوم الإغتراب الإجباري عن وطن، ولكن في الإعتراف بالإغتراب كطريقة، الطريقة المستعارة من فحوى «الطريق»:الطريق كترجمة حرفيّة في إدمان السفر، لا كنزوة، أو صيغة النزهة، ولكن كمنهج في نشاط دنيوي لنموذج اختار الحرية كشريعة حياة، مختلفة جوهريّاً عن طينة حياة قرينه الحضري، عملاً بالعقلية الهجرية التي تنتدب المغامرة الوجودية برمّتها كاعتناق لدينٍ هو: الطريق!

فالوطن هنا يستعير هوية طريق، ليعي مستوطن الطريق معنى أن يحيا في واقع يُملي ناموس الطريق بوصفه سفراً، مشروطاً لا بخريطة طريق جغرافية، بل بخريطة طريق سياسية واجتماعية واقتصادية، بسببٍ وجيه هو أن الطريق في هذه الحملة طريق استثنائي، استثنائي لأنه طريق وجود، وليس طريق عبور، الوصيّ عليه ليس الحاكم، ولكنه الحكيم!

فنحن لا نسلك الطريق لكي نحلّ في الصحراء، لكي نسكن الصحراء، ولكن لكي نهجر الصحراء. نهجرها، ولكن ليس قبل أن نستوعب درسها، لكي تسكننا. تسكننا لنحملها معنا قيمةً، عندما نواصل سفرنا. قيمة تستوي في ترسية هجرةٍ، تتحوّل حجر حكمةٍ، يستنزل طينة تأنيث في حرف الطريق، ليغدو طريقةً، عملاً بالوصيّة القائلة: ما لا يؤنّث لا يعوّل عليه. باعتناق دين الطريقة، تتمخّض اليابسة لتجود بجنين الخلاص، المترجم في حرف الحقيقة: هذه الحقيقة التي تبنّتها فلسفات الصين القديمة، في الـ«ثاو»، أو الـ«طاو»، أو الـ«داو»، اشتقاقاً من مفهوم «الطريق»، في بُعده الإستعاري، أو الغيبيّ، المستعار من رحم «الطريقة»، التي كانت فردوس الحركات الإستسراريّة في الهند القديمة، لتستقيم في فنون التصوّف التالي، بشقّيه الإسلامي والمسيحي؛ في حين لم يتردّد حكيم الـ«طاو» لاوتسي في أن يعلن: «مَن عرف الحقيقة في الصباح، في المساء يستطيع أن يموت»، احتفاءً بلُقية الخلاص، المستنزلة بعبقريّة الطريقة، في حملتها الملحميّة في معراج السموّ إلى أفقٍ أبعد منالاً، لإنتاج رهان هو الحرية، في واقع إنسان هجري، يحيا في البُعد المفقود، كما يحيا الإنسان الحضري في البعد المحدود. وها هو المتاع كلّه يخضع لشرع التأنيث، بدايةً بالهجرة، مروراً بالطريقة، وختاماً بالحرية، التي كان لها الفضل في حبك نسيج المنظومة، المتوّجة بروح النبوّة، بوصفها ترجمان الحقيقة، انتصاراً للشهيد هابيل، الذي استزرع بذرة الهجرة باحتراف رعي الأنعام، ليقينه بأن ترويض الأنام، رهين القدرة على ترويض الأنعام، والقوت الحيّ هو القوت الذي تجود به أمّنا الأرض طوعاً، لا غصباً، على طريقة الفلّاح قابيل، الذي ينتزع قوته بطعن الأرض، ليستخرج من جوفها القوت الملوّث بنزيف الدم، ليلعب دور الجلّاد، ليشقّ القبيل البشري نصفين، أحدهما حضري، وثانيهما هجري، أحدهما قابيلي، وثانيهما هابيلي. ولكن النبوّة هبة وقفٍ على هذا القربان، على الضحية، على سلالة الهابيلي، المكبّل بأن يحمل بيته على ظهره، كما حمل دولته على ظهره، بل وحمل وطنه على ظهره، فلا ينصب أوتاد خبائه إلّا في فضاء حرية، تيمّناً بحكمة التباعد، الموروثة في تجربته خلفاً عن سلف، امتثالاً لناموس الطريق، مُبقياً الجار من ذوي القربى على مسافة مرمى بصر، أمّا أبناء العشائر أو القبائل فما وراء حجابٍ هو الأفق، دون المساس بواجب القِرَى، أو التزاور لتجديد العهود، وبث الأنفاس في الأحلاف، بمراسم الفرح، الذي تلعب فيه الأشعار، وفنون اللحون دور البطولة، لأن شغف إنسان الصحراء بكل ما متّ بصلة لعالم المعزوفة الموسيقية، لا يمكن أن يقارن إلّا بهوسه بالجمال: جمال الروح، الموسوم بجمال طبيعةٍ، لم تكن لتتعرّى، لتكشف عن مفاتنها المخفيّة، في محوٍ غيبيّ، بل ديني، لتستوي في صحراء، لولا التوق المحموم للكشف، برهاناً على حرية، لأن الحرية لتبقى هي المثال، حتى في سورة منيعة كالجمال! فإنسان الهجرة طيفٌ يصلّي في حرم معبدٍ هو الجمال، والصحراء هي مغامرة التجلّي، للتعبير عن هذا الجمال. لهذا السبب صارت الصحراء معبوداً، صارت الصحراء إفيوناً، فلا يطيق لها المريد فراقاً، حتّى لو في تلك الأحيان التي تتقنّع فيها بمسوح المنيّة، مسربلةً بمراسم حداد. لأن الجمال الصحراوي هو الملاذ الذي يروي من ظمأ. من الظمأ البديل للماء، فيسطع في حرف الحسّ، كما يتجلّى في إيماء الحدَس، ممّا يُحيل حياة هذا الدرويش شطحة وَجْدٍ، في انتفاضة مسّ، تلبيةً لنداء وحي، أو استجداءً لهبة نبوّة!

فالفضاء الصحراوي تجسيدٌ ملحميّ لروح اليابسة، كواقع، المكان فيه يطرح تحدّياً سافراً، يستدرج بفتنة كشفٍ وجيع، ولكن الجمال فيه هو الشفيع، المبشّر بفحوى وصيّة هيراقليط عن اليبوسة، كترجمان وحيد لحضور الروح الإلهيّة في واقع طبيعة هي حرف، حرفٌ، العريّ فيه، وَسمُ شعر، يحيل البيئة وَعْدٌ بلا حدود، مجبولٌ بوعيدٍ بلا حدود!

وعلّ أوّل بند في معجم الزهد هو التخلّي: التخلّي عن الملكيّة أوّلاً، ثمّ التخلّي عن كل ما متّ بصلة للتّرف، المعتمد في عالم النموذج الحضري؛ لأن الوعي بالحضور في واقعٍ هو طريق، سوف يوقظ الإحساس الزهدي بغياب الحاجة للتزوّد بزاد، بسبب طبيعته كوزر، مستثقل في عُرف أي مهاجر، سيّما بالنسبة لإنسانٍ لا يعجزه أن يقتات على حبّة تمر واحدة لثلاثة أيام، كما يروي أحد الرحّالة الأجانب في زيارة للصحراء الكبرى: يقتات التّمرة في اليوم الأول، ويتناول غلاف النواة في اليوم الثاني، ويمتصّ رحيق النواة في اليوم الثالث!

ولكن الصيام عن تناول الطعوم سيبقى تضحية أهون بما لا يُقاس فيما إذا قورن بالصيام عن تعاطي السلطة، لأن صاحب الملكيّة إذا كان مملوكاً بما امتلك، فإن مريد الحُكم، محكومٌ بمَن حكَمَ، فلا يفقد الحكم فقط في حال ابتلى بسخط الرعيّة، ولكنه يدفع حياته ثمناً لتجديفٍ في حقّ حُكمٍ لم يوجد لكي يتولّاه المخلوق الفاني، لأن لا حُكم سوى حُكم خالق المخلوق، فلا ينجو هذا الشقيّ بجلده من انتقام أنامٍ سوف يرون فيه بُعبعاً متطفّلاً على عرش الربّ، مثله في ذلك مثل كلاب بنات آوى المفترسة، التي لا تسعى في طوابير كبقيّة حيوانات الأدغال، ولكنها تسير متجاورةً، لأن اللواحق في القطيع تفترس السوابق دوماً، قصاصاً لها على الاستحواذ على موقع المقدّمة!

فالإحساس التراجيدي بضآلة المهلة، الممنوحة لسليل آدم، هو ما أوجد الموقف العدميّ من الزمن، لتستوي في عبارة قاسية، عصيّة على الترجمة، تقول: «ميدّيياغز»، تعبيراً عن مدى عمق الاستهانة بالعمر الفاني، الذي لا يستحقّ أن نعوّل عليه، سيّما في مسألة ذات علاقة باغتنام الحكم، مما دعا حكماء القبائل الصحراوية للإحتكام إلى حيلة تقتضي بانتداب أخيار من قبائل أخرى، مجهولة، لتولّي السلطة، كضمان وحيد، يجير المجتمع القبلي من الإحتراب للفوز بالغنيمة، أو كما يسوّقه الهواة كغنيمة، لأنهم أكثر حكمة في تسيير الشأن القبلي، يكفي برهاناً على نزاهتهم، في هذا الشأن، موقعهم كملّة تعتمد الحياد في الموقف من أية مساءلة، استوجبت حسماً في جدل مجالس العقلاء، حرصاً على هيمنة العدالة في الأحكام.

والواقع أن الاشمئزاز من أي تحكيم، أو تبوّء منزلة أية سلطة، هو النزعة السائدة في عالم بريء وعفوي كالعالم الهجري، لأن الشغف بالهيمنة، في العرف، هو دوماً تجديفٌ في حقّ البكارة البريّة، التي لا تنتظر من الباطل الدنيوي أية قيمة، ولذا فالحكم ليس حكمة، كما يفترض المفهوم، ولكنه ممارسة لإثم يستدعي قصاصاً، بل وشرك رذيل لا يليق بإنسان حكيم، مسكون بثروة ميثولوجيا، يتعاطى الشعر، بقدر ما يتعاطى قرينه الحضري، الشعار بدل الشعر: تحديداً الشعار الأيديولوجي، العدوّ المبين للشعر الميثولوجي، لأن دين النموذج الحضري هو الحرف الذي يُميت، ودين النموذج الهجري الروح، التي تُحيي!

النموذج الحضري عرّاب صحراء الطريق، والنموذج الهجري عرّاب صحراء الطريقة!