بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

سينما

شيخ سينما المؤلّف يصور فيلماً جديداً.. كوبولا يطارد “ومضات القمر” في جنوب إيطاليا

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

في السابعة والثمانين، وبالرغم من المغامرة المكلفة والجدلية لفيلمه الأخير “ميغالوبوليس”، يرفض فرنسيس فورد كوبولا وضع الكاميرا جانباً. فالمخرج الذي أمضى حياته وهو يعاند هيمنة الاستوديوهات الكبرى وقواعد اللعبة الهوليوودية، يستعد لحط الرحال في جنوب إيطاليا، للشروع في نهاية أغسطس/آب الحالي في أجل تصوير فيلم جديد بعنوان Glimpses of the Moon، وهو اقتباس سينمائي حر من رواية إديث وارتون، في قالب يجمع بين الكوميديا الموسيقية والنَّفَس الرومانسي. وقد ظل هذا المشروع سنوات يتأرجح، على مدى سنين، بين الرغبة والتأجيل ونقص التمويل.

ثمة شيء يكاد يكون عنيداً، بل طفولياً بالمعنى الجميل للكلمة، في علاقة فرنسيس فورد كوبولا بالسينما. ففي سنّ السابعة والثمانين، وبعد أكثر من نصف قرن من الأفلام الجسورة والمغامرات الجنونية والانتصارات المبهرة والإخفاقات المدوية، يعود صاحب “العرّاب” مجدّداً إلى السؤال الأول الذي يبدو أنه لم يغادره قط: ماذا لو استطعنا أن نصنع فيلماً كما نحلم به، لا كما تسمح به إملاءات وحسابات هوليوود؟

هذا السؤال ذاته كاد أن يكلّفه ثروة باهضة مع “ميغالوبوليس”، المشروع الذي ظل يطارده لعقود قبل أن يموله إلى حد بعيد من ماله الخاص. وقد أقرّ كوبولا لاحقاً بأن المغامرة استنزفت نحو مئة مليون دولار من أمواله الشخصية. لكنه كان راضياً عن الفيلم وتقبل فشله الجماهيري عن طيب خاطر. 

مغامرة كوبولا الجديدة: غرابة بحجم أصغر

لكن فيلمه الجديد Glimpses of the Moon، الذي يمكن ترجمة عنوانه بـ “ومضات القمر” أو “لمحات من ضوء القمر”، يندرج في سياق مختلف تماماً: مشروع أقل ضخامة، يُموَّل هذه المرة عبر قنوات أكثر تقليدية وبمساعدة إعانات إنتاج عمومية، بعدما قال المخرج، بروحه الساخرة، إنه لم يعد قادراً على الاستدانة أكثر.

مع ذلك، سيكون من الخطأ النظر إلى الفيلم باعتباره انكفاءً اضطرارياً بعد جنون العظمة الذي اتّسم به “ميغالوبوليس”. فكل ما يتسرّب من أخبار عن هذا الفيلم الجديد يوحي بأن كوبولا يتهيأ لمغامرة أخرى، أصغر حجماً ربما، لكنها ليست أقل جسارة ولا غرابة.

فالمشروع، كما وصفه بنفسه، سيكون “فيلماً موسيقياً غريباً على طريقة سينما الثلاثينيات”. السيناريو اقتباس حر من رواية الكاتبة الأميركية إديث وارتون The Glimpses of the Moon، الصادرة سنة 1922، مع إحالات واضحة إلى الكوميديا الرومانسية الكلاسيكية الأشهر The Awful Truth  (إخراج ليو مكاري – 1937). ولم يُكشف، حتى الآن، عن طاقم التمثيل النهائي. لكنه سيحمل بالتأكيد مفاجآت مبهرة، على غرار كل أعمال كوبولا.

إيطاليا شخصية محورية في الفيلم

بعد سلسلة طويلة من التأجيلات، تشير أحدث المعلومات بأن كوبولا سيصل إلى منطقة بازيليكاتا في نهاية أغسطس/آب، حيث يُرتقب أن يشرع في التصوير بعدد من المواقع في ماتيرا وبرنالدا ومونتيسكليوزو، قبل أن ينتقل فريق الإنتاج لاحقاً إلى كالابريا. ومن بين المواقع المرشحة للتصوير قصر مالفيني مالفزي، وكاتدرائية ماتيرا، ودير سان ميشيل أركانجيلو.

ليست هذه المواقع مجرد ديكور سياحي يستعيره الفيلم. فالحكاية التي كان مخططاً لها، في مرحلة سابقة، أن تدور في لندن، انتقلت في رؤية كوبولا الجديدة إلى إيطاليا ثلاثينيات القرن الماضي، بحيث تصبح المناظر والعمارة والذاكرة التاريخية جزءاً أساسياً من السرد. وكأن المخرج يريد أن يجعل الرواية الأميركية تعبر الأطلسي ليعيد كتابتها داخل الجغرافيا التي تقوده، بصورة أو بأخرى، إلى جذوره الإيطالية.

هذا الخيار الإيطالي يحمل دلالة شخصية إضافية. فبرنالدا ليست بالنسبة إلى كوبولا مجرد نقطة على خريطة التصوير فحسب، بل إنه مكان مرتبط بتاريخ وأصول عائلته الإيطالية. ومن ثمة، يبدو المشروع وكأنه عودة سينمائية إلى إرث الجنوب الإيطالي، وإلى تلك المدن التي تبدو شوارعها وقصورها وكنائسها كأنها تختزل الزمن داخل حجارتها.

وكان كوبولا قد حضر بالفعل إلى ماتيرا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 للمشاركة شخصياً في عمليات اختيار الكومبارس للفيلم، فيما كانت خطط سابقة تشير إلى انطلاق التصوير في كالابريا خلال نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. لكنها لم تتحقق وفق الجدول المعلن، وظل المشروع مؤجلاً إلى أن عادت أخبار انطلاقه إلى الواجهة هذا الصيف. 

زواج فقراء في عالم الأغنياء

أما الحكاية الأصلية، فهي من ذلك النوع الذي كانت إديث وارتون تجيد استخدامه لتشريح الطبقات الثرية من الداخل. نشرت وارتون الرواية سنة 1922، وفي قلب أحداثها زوجان شابان، سوزي ونيك، يملكان الأناقة والطموح والعلاقات الاجتماعية، لكنهما لا يملكان المال. يتزوجان وفق اتفاق يكاد يكون عقداً اقتصادياً ساخراً: سيعيشان متنقلين بين بيوت أصدقائهما الأثرياء وقصورهم، ويستفيدان من عالم الرفاهية المحيط بهما، على أن يصبح كل واحد منهما حراً في الانفصال متى وجد فرصة زواج أكثر نفعاً.

لكن القلب، كالعادة، له حسابات أخرى. فما بدأ أشبه بصفقة اجتماعية يتحول تدريجياً إلى قصة رومانسية رقيقة عن الحب والغيرة والكرامة، وعن تلك اللحظات الفارقة التي يكتشف فيها الإنسان أن المشاعر لا تخضع دائماً للاتفاقات التي يبرمها العقل.

تبدو الرواية، بعد أكثر من قرن على صدورها، حديثة على نحو مدهش. فهي تتحدث عن الزواج باعتباره حباً وتمثيلاً اجتماعياً في الوقت نفسه، وعن المال بوصفه قوة خفية تعيد ترتيب العلاقات، وعن أشخاص يعيشون فوق إمكاناتهم لأن المجتمع الذي ينتمون إليه يفرض عليهم أن يبدوا أكثر ثراء مما هم عليه بالفعل. وقد أثبتت الرواية قابليتها لإعادة القراءة حديثاً، إذ جرى تحويلها سنة 2024 إلى مسلسل إذاعي استعاد أحداث الحكاية ولكن في زمن المؤثرين وشبكات التواصل الاجتماعي.

وليست هذه المرة الأولى التي تقتبس فيها هذه الرواية سينمائياً: أول اقتباس لها يعود إلى زمن السينما الصامتة، فقد حُولت إلى فيلم سنة 1923، وهو عمل يُعد اليوم من الأفلام المفقودة. أي أن كوبولا، المولع بالمغامرات الفنية المشوبة بالمخاطر، يتعمد العودة إلى نص رافق السينما منذ طفولتها الأولى.

من جنون “ميغالوبوليس” إلى رومانسية الرقص تحت ضوء القمر

بعد مدينة “ميغالوبوليس” العملاقة، حيث الأبراج والإمبراطوريات والاستعارات السياسية والفلسفية التي حشدها كوبولا في فيلمه السابق، ترتكز كاميراه هذه المرة على قصة رجل وامرأة، وزواج مرتبك، وسط ديكور رومانسي من الموسيقى والرقص والقصور الإيطالية القديمة.

إنه انتقال من الاستعراض الضخم إلى السينما الحميمة، وهي لعبة أتقنها كوبولا طوال مسيرته السينمائية المبهرة. هنا تفسح المدينة المتخيلة المجال للتاريخ والجغرافيا المحسوسين. لكن السؤال الوجودي الذي طرحه كوبولا في “ميغالوبوليس” حول مستقبل الحضارة، يجد امتداداً غير متوقع في هذا الفيلم الجديد، عبر إعادة طرح ذلك السؤال القديم الذي لم تتوقف السينما عن إثارته منذ بداياتها: لماذا يحب شخصان بعضهما، ولماذا يفترقان، ولماذا يعجزان بعد ذلك – ورغم ذلك – عن نسيان بعضهما؟