بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

شراكة أم تبعية؟ الأمن الأوروبي بين إنفاق دفاعي متصاعد واستقلالية استراتيجية مؤجَّلة في ظل التحولات الأمريكية

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تعيش أوروبا لحظة مفصلية في تاريخها الأمني. فالحرب التي أطلقتها روسيا ضد أوكرانيا لم تعِد فقط رسم خطوط التهديد في شرق القارة، بل كشفت بوضوح حدود القدرة الأوروبية على الاستجابة السريعة والمنسّقة لأزمات كبرى. وفي الوقت نفسه، تتقاطع هذه الحرب مع تحولات أوسع في البيئة الدولية، أبرزها إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة، وتكثيف التنافس الجيوسياسي، وتسارع عسكرة التكنولوجيا.

أمام هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: هل يمتلك الاتحاد الأوروبي الأدوات الفعلية للدفاع عن نفسه في عالم أقل استقراراً وأكثر قابلية للصدمات؟
الواقع أن الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، على أهميتها، لم تُترجم بعد إلى قدرة عسكرية متماسكة. الإشكالية لا تكمن في حجم الإنفاق وحده، بل في كيفية إدارته وتوزيعه. إذ لا تزال الدول الأعضاء تعتمد نظم تسليح متعددة، وعقائد عسكرية مختلفة، وآليات شراء وطنية منفصلة، ما ينتج ازدواجية مكلفة، ويقوّض الكفاءة التشغيلية، ويُضعف قابلية العمل المشترك.

بدلاً من بلورة قوة دفاعية أوروبية موحّدة، أدّى هذا النهج المجزّأ إلى تفريغ جزء كبير من الأثر الحقيقي للإنفاق العسكري، وتحويله إلى قدرات وطنية تعمل كجزر منفصلة، بلا رؤية استراتيجية جامعة.

الاعتماد على واشنطن: شراكة أم هشاشة؟

لطالما شكّلت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، سواء عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو من خلال الدعم العسكري المباشر. غير أن التحولات المتكررة في السياسة الأمريكية، وتصاعد النزعات الانعزالية، أعادا إلى الواجهة سؤال الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

الاعتماد المفرط على شريك خارجي، مهما بلغت قوته، لا يوفر ضمانة دائمة، بل يترك أوروبا عرضة لتقلبات القرار السياسي الأمريكي. ومع ازدياد تعقيد النظام الدولي، لم يعد من الواقعي افتراض تطابق المصالح عبر ضفتي الأطلسي في كل الأزمات المقبلة.

مشتريات مجزّأة وميزانيات غير متكافئة

تُعدّ تجزئة المشتريات الدفاعية أحد أبرز مواطن الخلل البنيوية في المنظومة الأمنية الأوروبية. فالدول الأعضاء تميل إلى حماية صناعاتها الوطنية، حتى عندما يتم ذلك على حساب الفاعلية الجماعية. والنتيجة هي تعددية واسعة في أنظمة الدبابات والطائرات والسفن، مقابل عدد محدود جداً من المنصات المشتركة.

يفاقم هذا الواقع التفاوت الكبير في الميزانيات الدفاعية بين دول الاتحاد، حيث تمتلك بعض الدول هامشاً مالياً واسعاً، فيما تكافح أخرى لتلبية الحد الأدنى من متطلبات الدفاع. هذا التباين يحدّ من قدرة الاتحاد على التخطيط طويل الأمد، ويُبقي الاعتماد على الولايات المتحدة قائماً، لا سيما في مجالات الاستخبارات، والدفاع الجوي، والردع النووي.

التمويل المشترك: من خيار سياسي إلى ضرورة أمنية

في هذا السياق، يبرز التمويل الدفاعي المشترك كأحد أكثر الأدوات إلحاحاً. فبدل تحميل الميزانيات الوطنية وحدها كلفة التحديث العسكري، يمكن للاتحاد الأوروبي تعبئة موارد جماعية عبر أدوات دين مشتركة أو صناديق دفاعية موحّدة، لتمويل مشاريع استراتيجية كبرى.

من شأن هذا النهج أن يخفف الضغط عن الدول محدودة الموارد، ويتيح توجيه الاستثمارات نحو أولويات جماعية واضحة، مثل الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي العسكري.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث وصل في 2024 إلى نحو 343 مليار يورو، أي ما يقارب 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء، مع توقعات ببلوغه 381 مليار يورو (2.1%) في 2025، بزيادة تقارب 63% مقارنة بعام 2020. ويعني ذلك إنفاقاً يومياً يتجاوز مليار يورو على الأمن والدفاع، مع تصاعد ملحوظ في الاستثمار في المعدات ونظم التسليح المتقدمة.

أدوات لردم الفجوة

لا تعكس هذه الأرقام الضخمة وحدها القوة الفعلية؛ فبدون آليات تمويل مشتركة ستظل أوروبا تعتمد على ميزانيات وطنية متباينة، وتفتقد للتنسيق الفاعل فيما بينها. وفي هذا الإطار، تبنّى الاتحاد الأوروبي أدوات متعددة لردم فجوة التمويل، أبرزها:

1- برنامج قروض “إجراءات الأمن الأوروبي”: وهو آلية تمويل بقيمة تصل إلى 150 مليار يورو تقدمها بروكسل كقروض بفوائد منخفضة للدول الأعضاء بهدف تمويل مشاريع دفاعية مشتركة، مثل نظم الدفاع الجوي، الطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي العسكري.

2- التمويل المباشر للمشتريات المشتركة عبر ميزانية الاتحاد: خصصت المفوضية الأوروبية 300 مليون يورو لمشاريع مشتريات دفاعية مشتركة، وهو أول استخدام مباشر للميزانية الأوروبية في هذا المجال.

3- برنامج الصناعات الدفاعية الأوروبي: يخصص 1.5 مليار يورو على المنح لتعزيز الصناعات الدفاعية إجمالاً في الفترة ما بين 2025 و2027.

كما أطلقت بروكسل برامج أخرى ضمن ميزانيتها، مثل مشروعات التنقل العسكري بميزانية 1.7 مليار يورو، لتعزيز جاهزية البنى التحتية العابرة للحدود، ما يدعم الحركة السريعة للقوات عند الضرورة.

نحو قاعدة صناعية دفاعية أوروبية

إلى جانب التمويل، يشكّل توحيد المشتريات الدفاعية ركيزة أساسية لتعزيز الكفاءة والجاهزية. فبرامج التسليح المشتركة قادرة على خفض التكاليف، وتسريع الإنتاج، وتحسين قابلية التشغيل البيني بين الجيوش الأوروبية. كما أن بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية قوية يحدّ من الاعتماد على الموردين الخارجيين، ويمنح القارة قدرة أكبر على التحكم بسلاسل الإمداد في أوقات الأزمات، وهو درس برز بوضوح خلال الحرب في أوكرانيا.

لم يعد الجدل حول الدفاع الأوروبي نقاشاً نظرياً أو طموحاً سياسياً مؤجَّلاً، بل استحقاقاً تفرضه التحولات الجيوسياسية. فالخيار لم يعد بين الاستقلال أو التحالف، بل بين شراكة متوازنة قائمة على قوة ذاتية، أو تبعية أمنية مكلفة وغير مضمونة في عالم يتّسم بتراجع اليقين وتزايد المخاطر.

في هذا السياق، يصبح الإنفاق الدفاعي حلقة الوصل بين السياسة والقدرة العسكرية الفعلية، وعنصراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً فعلاً على ترسيخ نفسه لاعباً دولياً مستقلاً، أو سيبقى رهينة معادلات أمنية يصوغها الآخرون.