بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

شتاء العولمة في “دافوس 2026”: حين يتحوّل الاقتصاد إلى ساحة ضغط بين الحلفاء قبل الخصوم

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في “دافوس-كلوسترز”، حيث تُعد “الحيادية السويسرية” خلفيةً مناسبة لإعادة ترميم الثقة، جاءت دورة 2026 لتقول شيئاً آخر: العالم لا يفتقد الحوار بقدر ما يفتقد شروطه. صحيحٌ أن المنتدى المنعقد حتى 23 يناير الجاري، شعاره “روح الحوار”، وبحضور سياسي-اقتصادي قياسي، لكنّ العنوان الذي فرض نفسه في النقاشات كان أقرب إلى “اقتصاد مسيّس” تُستخدم فيه التعرفة والدعم وسلاسل التوريد كسلاح نفوذ.

في كلمته التمهيدية، قدّم رئيس المنتدى ومديره التنفيذي بورغه برينده العبارة الأكثر دلالة على الفجوة بين الشعار والواقع: “الحوار ليس رفاهية في أوقات عدم اليقين؛ إنه ضرورة ملحّة”. لكنها ضرورة تُستدعى اليوم على وقع “عصر منافسة” يتّسع فيه نطاق الإكراه “الجيواقتصادي”. 

أما الخلفية المرجعية لكل ذلك فهي تقرير المخاطر العالمية 2026، التقرير الذي لم يكتفِ بتشخيص التوترات، بل رفع “المواجهة الجيواقتصادية” إلى صدارة المخاطر القريبة، محذراً من تسييس أدوات الاقتصاد ومن تصادم التفكك التجاري مع الاستقرار الاجتماعي.

لماذا “دافوس 2026” مختلف؟

الفرق هذا العام أقل في الملفات وأكثر في لغة التعامل. على مدار أعوام، حملت “دافوس” مزيجاً من خطاب الانفتاح والتنافس المنضبط؛ أما في 2026 فبرزت مفردات جديدة: “الردع التجاري”، “مكافحة الإكراه”، “الصفقات مقابل الالتزامات”. هذه ليست زخارف لغوية؛ إنها مؤشرات على تحوّل في القواعد غير المكتوبة. أي حين تصبح الأدوات الاقتصادية وسيلة لإعادة ترتيب التحالفات، لا مجرد أدوات لإدارة الاختلافات.

المنتدى نفسه أقرّ بأن السياق “الأكثر تعقيداً منذ عقود” يجمع بين تفكك متزايد وتسارع تكنولوجي وتنافس على مصادر القوة. ومن هنا، لم تعد القمة “صورة جماعية للنخب” بقدر ما أصبحت جلسة مفاوضات ممتدة حول من يدفع كلفة الأمن، ومن يحدد معايير التجارة، ومن يملك مفاتيح الطاقة والذكاء الاصطناعي.

الشرخ الأطلسي: تحالفٌ تحت “التسعير السياسي”

أكثر لحظات “دافوس 2026” وضوحاً جاءت عبر خطاب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي رفضت بشكل مباشر توظيف التعرفة في سياق الضغط حول ملف “غرينلاند”، قائلة إن الرسوم المقترحة “خطأ” بين الحلفاء، وبأن “الاتفاق هو اتفاق” في السياسة كما في الأعمال، في إشارة إلى تفاهم تجاري سابق بين الطرفين.

الفكرة هنا ليست في تفاصيل “غرينلاند” وحدها، بل في سابقة أخطر، تحويل التعرفة إلى أداة سيادة داخل التحالف نفسه. لم تكتفِ فون دير لاين بالتحذير من “دوامة هبوطية”، بل قالت إن الانزلاق إلى التصعيد لن يفيد إلا الخصوم، مع تعهّد برد ثابت وموحد ومتناسب. 

ومع أن الخطاب الأوروبي يتجنب تصوير الخلاف بوصفه قطيعة، فإن مجرد ظهور التعرفة كأداة تفاوض سيادي بين حلفاء في الناتو يفتح باباً لتآكل الثقة.

القطب الشمالي.. اختبارٌ للهوية الأطلسية

في اليوم نفسه، أعلنت فون دير لاين أن المفوضية تعمل على حزمة لدعم أمن القطب الشمالي، مع حديث عن استثمارات أوروبية كبيرة في غرينلاند وقدرات مثل كاسحات الجليد الأوروبية.
الرسالة غير المباشرة هي أن أوروبا تسعى لخفض اعتمادها الأمني في الشمال، ليس فقط ضد منافسين خارجيين، بل أيضاً كتحوّط من تذبذب الأولويات الأمريكية. وهنا، يتضح معنى “التحالف المشروط”، أي أن التماسك الأطلسي بات ملفاً يُدار بالأدوات نفسها التي تُدار بها المنافسة العالمية، وهذا تغيّر نوعي.

انقسام غربي حول فلسفة القوة

في دافوس 2026، بدا أن الغرب يختلف على سؤال أعمق من “كم نسبة الرسوم؟” أو “ما حجم الدعم؟”. السؤال هو: هل يُدار النظام الغربي بمنطق القواعد والمؤسسات أم بمنطق الصفقات والضغط؟

أنصار مدرسة “الإكراه الاقتصادي كأداة ردع” يرون أن تسييس الاقتصاد بات واقعاً لا مفرّ منه. التعرفة، الدعم الصناعي، قيود التصدير، والتحكم في أشباه الموصلات… كلها أدوات تُستخدم لمنع المخاطر وتأمين سلاسل القيمة. هذه المدرسة تعتبر أن المؤسسة متعددة الأطراف بطيئة، وأن المنافسة لا تنتظر.

في المقابل، تُحذّر أصوات أوروبية وكندية تنتمي إلى مدرسة “القواعد كحد أدنى للثقة”، من أن تطبيع الإكراه داخل التحالف يُقوّض شرعيته من الداخل. لأن التحالف، في جوهره، ليس فقط تبادل مصالح، بل وعدٌ متبادل بضبط أدوات القوة حتى عندما تختلف المصالح.

هذا الانقسام ظهر في ردّ أوروبا على التهديدات: الحديث عن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه والتلويح بإجراءات مضادة يشي بأن بروكسل لم تعد تتعامل مع النزاع كخلاف عابر، بل كمشكلة “هيكلية” تستوجب أدوات ردع مقابلة. 

التعرفة مقابل السيادة

إذا كانت غرينلاند هي الحدث، فإن الدرس الحقيقي هو “النمط”: عندما تُستخدم التعرفة لتعديل قرارات سيادية أو لإعادة تشكيل التزامات الحلفاء، تصبح الأسواق امتداداً للصراع السياسي.

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دعا أوروبا في دافوس إلى عدم الرد بالمثل، محذراً من دوامة حرب تجارية وتذبذب الأسواق. غير أنّ هذه الدعوة، بحد ذاتها، تعكس المعضلة. فمن يطلب التهدئة بعد إطلاق التهديدات يطالب الطرف الآخر عملياً بتقبّل قاعدة جديدة، الضغط أولاً، ثم طلب ضبط النفس.

في المنطق السياسي، هذا يولّد حافزاً أوروبياً لتوسيع “صندوق أدوات الردع” كي لا يصبح ضبط النفس مكافأة للمُكرِه. وفي المنطق الاقتصادي، يسرّع انتقال الشركات إلى استراتيجيات “التكرار الإقليمي” لسلاسل التوريد، وهي بالضبط إحدى آليات “الأقلمة القسرية” التي حذّر منها تقرير المخاطر.

“سلام الأثرياء” والشرعية الدولية

لم تقف العقلية التعاملية عند التجارة. فقد أشارت تقارير إلى تهديد أمريكي بفرض رسوم 200% على نبيذ وشمبانيا فرنسا للضغط على الرئيس إيمانويل ماكرون للانضمام إلى مبادرة “مجلس السلام” المتعلقة بملفات نزاع تبدأ بغزة.

وبعيداً عن تفاصيل المبادرة، فإن المشهد بحد ذاته مكثّف الدلالة: ربط الملفات السياسية-الإنسانية بأدوات عقابية تجارية يخلق تصوراً بأن الشرعية يمكن تجاوزها لصالح ترتيبات تمويلية/عضوية، وهو ما يثير حساسية أوروبية واضحة حول دور الأمم المتحدة ومبدأ الشرعية الدولية.

من هنا، لا نحتاج إلى المبالغة كي نرى الخطر، فعندما تُختزل السياسة في “صفقة”، تصبح القضايا التي تتطلب إجماعاً وشرعية وحماية مدنية أكثر عرضة للتسييس والتشظي. هذا ليس تطرفاً بمعناه الأمني، لكنه تطرف بنيوي في منطق الحكم، تسليع القرار العام وربطه بمن يدفع ومن يمتثل.

الجنوب العالمي واللعب على التناقضات

على هامش الصراع الأطلسي، كان هناك خيط آخر لا يقل أهمية: الجنوب العالمي لم يعد فقط “المتأثر” بتنافس الكبار، بل بات يمتلك أوراق ضغط مرتبطة بالموارد والمعادن الحرجة والديون والتمويل المناخي.

تقرير المخاطر نفسه يربط بين تراكم الديون، التوتر الاجتماعي، وتآكل الثقة في المؤسسات. ولهذا، فإن أي صفقة خضراء لا تتضمن تمويلاً عادلاً، أو أي معايير بيئية تُطبَّق بانتقائية حمائية، ستُقابل بعودة السياسة إلى نقطة الصفر، وهي الصفقات مقابل الموارد.

من جهة أخرى، جاء خطاب نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ بمثابة “عرض سياسي للجنوب”: تحذير من “الأحادية والحمائية” وتأكيد أن “حروب التعرفة والتجارة لا رابح فيها”، مع دفاع صريح عن النظام التجاري متعدد الأطراف.
قد يختلف كثيرون مع بكين في التفاصيل، لكن الرسالة التي تلتقطها العواصم النامية واضحة: عندما يتنازع الغرب داخلياً، تظهر نافذة للتفاوض من موقع أقوى، ولو خطابياً.

الذكاء الاصطناعي والطاقة

لم يتعاطى “دافوس 2026” مع الذكاء الاصطناعي كتقنية مستقبلية، بل كبنية قوة تعتمد على ثلاثة مفاتيح: الطاقة، الشرائح، والبيانات. وما يجعل الملف خطيراً أنه يربط الاقتصاد بالأمن مباشرة، فمن يملك طاقة وفيرة ورخيصة وبيئة تنظيمية قابلة للتوسع يقتنص الاستثمارات، ومن يعجز عن ذلك يخسر “الكتلة الحرجة” للابتكار.

تقرير المخاطر أشار إلى صعود القلق المرتبط بالتكنولوجيا، وإلى تلاقي “تسليح الأدوات الاقتصادية” مع تسارع التقنية. بهذا المعنى، يصبح خطر أوروبا مضاعفاً، ليس فقط فجوة الدعم الصناعي، بل أيضاً فجوة الطاقة التي تغذي سباق الذكاء الاصطناعي.

إذا كانت العولمة القديمة قامت على “الكفاءة” وتقسيم العمل، فإن العولمة الجديدة، المتحولة إلى تكتلات، ستقوم على الأمن بمعناه الواسع، أمن الطاقة، أمن سلاسل الإمداد، وأمن المعايير.

هل أصبح القانون مع الأقوى؟

لم يكن المنتدى الاقتصادي إعلاناً لوفاة العولمة، بل لحظة كاشفة لتحولها إلى “عولمة التكتلات الأمنية”. العالم يتحرك نحو توازنات تُدار بالإكراه الاقتصادي، والأسوأ أن هذا يحدث بين الحلفاء. التحالفات لن تنهار غداً، لكنها ستتآكل عبر “إعادة تسعير” مستمرة للالتزامات.

في هذا السياق، جاء خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس ليُحذّر صراحة من الانزلاق نحو عالم بلا قواعد، حيث “يُدهس القانون ‌الدولي بالأقدام، وكأن القانون الوحيد المهم هو قانون الأقوى”.

شنّ ماكرون هجوماً على محاولات إضعاف أوروبا أو إخضاعها، منتقداً التهديدات بفرض تعريفات جمركية تهدف علناً إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند بأنها “أمرٌ غير مقبول”. مؤكداً بأن تمسك فرنسا وأوروبا بمبادئ السيادة الوطنية والاستقلال، المستوحاة من دروس الحرب العالمية الثانية، هي التي دفعت بلاده للمشاركة في المناورات العسكرية في غرينلاند لدعم حليف، هو الدنمارك، دون تهديد أحد.

في هذا المناخ، يبقى السؤال المفتوح الذي عجزت دافوس عن إجابته: هل يمكن بناء قواعد مشتركة لعصر المنافسة؟ أم أننا نتجه إلى عالمٍ تصبح فيه “الصفقة القسرية” هي الدستور الوحيد للعلاقات الدولية؟

البروتوكول الدبلوماسي.. خرق غير مسبوق للقواعد

في خرق غير مسبوق لقواعد البروتوكول الدبلوماسي السري للمحادثات بين قادة الدول، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضجة كبيرة بنشره، عبر حسابه على منصة “تروث سوشال”، صوراً لبعض الرسائل الخاصة التي وصلته من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

التسريبات كانت عبارة عن لقطات شاشة من رسائل منسوبة لماكرون، يظهر فيها اقتراحه بعقد اجتماع لمجموعة السبع في باريس بعد ظهر الخميس، مع وجود ممثلين عن أوكرانيا، الدنمارك، سوريا، وروسيا. داعياً ترامب إلى تناول العشاء معه في نفس اليوم.

ماكرون وصف ترامب بـ”صديقي”، وبأنهم متوافقون تماماً بخصوص الملف السوري، ويمكنهم أن يفعلوا أشياء عظيمة بشأن إيران. لكنه أضاف، مخاطباً ترامب: “لا أفهم ما تفعله بشأن غرينلاند”.