«الآلام توليفة ملفّقة من شقَّين: أهلُ تقوى يحسبون أنفسهم أهل إثمٍ، وأهلُ إثمٍ يحسبون أنفسهم أهل تقوى». (بليز باسكال)
العقلية البدئية، التي لفّقت الحكمة، لتكون لها قياساً في نحت المفاهيم، المفتونة بالنزعة الفلسفية، تتمتّع بروح وجدانية أيضاً، فلا تجود بالأجوبة، بقدر ما يستهويها طرح الأسئلة، سيّما عندما تستجوب منطوقة مثيرة، استعارتها من مستودع لغة أخرى، تنتمي إلى أزمنة أبعد منالاً.
وذلك كما هو الحال مع ملفوظة شيّقة هي: sintes) Συνθεση) اليونانية، أو sintez اللاتينية، التي استقدمت منها اللغات الأوروبية مفهوماً جدليّاً هو: التوليف، بين قطبين متباينَين، استعارةً من لسان مغترب من فرط القِدمة، مازال يجري في لغة سلالة التكوين بالصحراء الكبرى، في ذات الملفوظة، حيث تلعب «السين»، الأزلية دوراً تنويرياً، هو الشحنة، أو الفحوى، أو كل ما هو مسكونٌ بذخيرة، حتى إذا هرعت لنجدتها «النون»، اغتنمت معنى الرقم الثاني في العدد، مترجماً في «سين»، الدالّة في الأصل اللغوي البدئي حرفياً على معنى: «المسكون بالواحد»، لأن منطوق الأحدية هنا هو: «إيَّن»، فإذا أضفنا «tez» حصلنا على الدلالة التي اعتمدتها اللغات الأوروبية في ظاهرة توليف الأضداد، أي الإزدواج، لغاية التصالح، بل التماهي، في صفقة بين قطبين إثنين، يستطيعان، في هوية قران الرجل والمرأة، أن ينتجا، باتّحادهما، طرفاً ثالثاً، يوحّدهما، لكي ينفيهما كليهما، هو الذريّة، برغم أنّهما يعوّلان عليه في ديمومتهما، لأنها رهان، خلودهما!
فـ«التوليف» في العربية توقٌ لتحقيق «إئتلاف»، والائتلاف ضدّ الإختلاف، أي أنه بالمفهوم، مشروع لعلاقة، بل لأنماط علاقة: العلاقة مع الآخر، الذي يسكننا، مع الآخر، الذي يعايشنا، مع الآخر، الأعظم شأناً في تجربتنا، وهو معبودنا. وعندما يكون الإنسان محور الصفقة، فإن التجربة تستعير ثراء، لأن النموذج هنا مسكونٌ بكنوز «السين»، كترجمان امتلاء!
ممّا سيعني أن بطل المهزلة منذورٌ لامتحانٍ يلعب فيه الحرف الثاني في الكلمة دور الأحدية (إيّن)، تحريضاً على وجوب الإستنفار الكافي لفهم الدلالة التي ستنتج عن وجود هذا الواحد الأحد كعصب أوّل في أبجديّة الصفقة المنتظرة، ممّا سيترتّب عنه مسئولية وجودية، إلى جانب المسئولية الأخلاقية، لأن ما هو هذا الطيف، المنذور كي يثقل كاهل هذه الأرض، إن لم يكن توليفة ملفّقة من حسٍّ وحدس، من نفس وجسد، من حرف وروح، مهدّد بأن يفقد هويّته نفسها، بموجب هذه الصفقة، في حال أخفق في قراءة الشفرة في أبجديّتها.
فالإنسان ضحيّة حفنة من الأوهام، ولا يتردّد في عقد الصفقات مع هذه الأوهام ظنّاً منه أنها تستطيع أن تحقّق له الخلاص بالمجّان، وصفقة المجّان هذه هي أرذل sintez يمكن أن يخطر ببال هذا الضالّ الأبديّ، كأن ينتظر إحساناً من صاحب السلطة، وينسى أن رسالة هذا البعبع ليست في أن يجود بحقيقة تحقق له، في وجوده، المعنى الضائع، ولكن رسالته أن يقمع فيه كل حلم، ليدفعه إلى اليأس المبدع، الذي يرجع له الفضل في تغيير ما بأنفُسِ أُناسٍ، اهتدوا إلى حقيقتهم، لا لأنهم نالوا فرصة المجّان المميتة، ولكن لأنهم حُرموا تلك الفرصة، فارتدّوا إلى القرين الذي يسكنهم، ليناشدوه الوصيّة، فألهمهم الوحي، فاهتدوا إلى العرّاب، الذي يسكنهم، الذي حرّضهم على تغيير ما بأنفسهم، ليحققوا، في واقعهم، ما أعجز فرسان الحظوة في تجربة التوليف، كتركيبٍ مؤلّف من أقطابٍ، حجر الحكمة فيه، صلاةٌ في محراب الكشف، لا في قراءة الأوراد في حضرة أصنام المعبد.
فلا خلاص لمن أعجزه أن يعتزل، لأننا لا نكتشف القرين الذي يسكننا، فلا يخذلنا في صفقة العهد، ما لم نيأس من غنيمة خارج الإئتلاف، لأن كفاح المعاهدة إنّما يسكن القيمة، بتربية الصوت المضاد فينا، كي ينطق في حقّنا بحكم الخصم، الذي لن يخذلنا ما اعتمدنا سيوف المخالفة سلاحاً في مقاومة سلطان الإغواء: الهوى!
فالفرصة المأمولة، في حياة أي فرد، هي فرصة كتم أنفاس أي فرصة، لأنها الضمان الوحيد للإرتداد إلى واقع الصفقة المسكونة بالواحد الأحد، المخوّل وحده لبعث الخلاص في صلب اليأس، والخروج من بنود العهد بأقل المكوس، ما دام الـ sintiz صيغة تثنية، والتثنية، في عرف الناموس، تجديفٌ في حقّ الأحديّة، ولا تتنزّه من هذا الإثم، ما لم تنصّب الواحد، المجسّد في الـ«إيَّن»، أي الشقّ الثاني في معادلة القران، قطباً للتكفير عن سطوة المارد، الذي استزرع مسخاً في كل ازدواج. لماذا؟
لأن الإزدواج، في المفهوم، لعنةٌ، لأن كل جرم ملفّقٍ من طينتين باطلٌ، والإنسان هوية بائدة بالحرف، ولكنها بالروح خالدة، والعقد بينهما جدلٌ من صنع ما لا يعوَّل عليه، وهو التقنية. يكفي برهاناً أن نلاحظ أن الجذر في المفردة هو Sin، الدالّة على النفيّ في الاسبانية. أمّا في الانجليزية فتفاجئنا باعتراف صريح بهوية الإثم حرفيّاً في «سين» Sin التثنية!










