القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

ثقافة شعبية

“سهر طوال الليل”.. قصة خمسة قرون من الثورة والتمرد والابتكار في النوادي الليلية حول العالم

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

“غالباً ما يبدو لي أن الليل أكثر حيوية وأكثر ثراءً بالألوان من النهار”. بهذه العبارة المقتطفة من إحدى رسائل الرسام الهولندي الأشهر فينسنت فان جوخ إلى شقيقه، تُصدِّر الكاتبة البريطانية إيموجين ويلتس كتابها الأول “سهر طوال الليل.. تاريخ الحياة الليلية في العالم”، والذي رأت طبعته الأولى النور قبل أسابيع قليلة في لندن، وتحديدًا في الرابع عشر من مايو/أيار الماضي، فيما نُشرت طبعته الدولية الأولى في نيويورك في يوليو/تموز الجاري، مع تغيير بسيط في العنوان الشارح للغلاف إلى “تاريخ الخروج”، وهو الكتاب الذي يقدم تاريخًا دقيقًا ومدروسًا بعناية لكيفية خروج البشر من منازلهم بعد انتهاء ساعات العمل وحلول الظلام.

نجمة الجاز الأمريكية بيللي هوليداي

يرصد الكتاب تفاصيل وتحولات خمسة قرون من الحياة الليلية حول العالم، في مزيج فاتن يجمع ما بين البحث التاريخي، والنظرية النقدية، والإشارات السلسة إلى الثقافات الشعبية، والمواقف الطريفة، ما يجعلها بمثابة وجبة من القراءة الممتعة والجذابة لتاريخ اجتماعي مفعم بالألوان على نطاق دولي حقيقي، تأخذ القارئ في رحلة طويلة من “يوشيوارا” في اليابان في القرن السابع عشر، وصولًا إلى “لوس أنجلوس” الأمريكية في العقد الأول من الألفية الجديدة، مرورًا بفرنسا وكوبا وألمانيا والصين، وبنوادٍ ليلية في “لو شات نوار” مونمارتر، وسحر وجاذبية “ستوديو 54” في نيويورك، وملاهي برلين السرية في “فايمار”، ومن حدائق لندن الجورجية المبهجة إلى ولادة موسيقى التكنو في ديترويت ما بعد الصناعية، ودون أن تنسى الإشارة إلى أنه بينما بُنيت “يوشيوارا” عمدًا، فإن معظم الأماكن المذكورة كانت جيوبًا نشأت بشكل طبيعي.

بيئة تجارية وعلمانية

في البداية، تُعرّف ويلتس الحياة الليلية بأنها كانت نموذجًا مثاليًا معبرًا عن التاريخ الاجتماعي، باعتبارها “بيئة تجارية وعلمانية مصممة لتقديم مجموعة متنوعة من المتع ليلاً”، وتشيد بها باعتبارها “أعظم مُولّد للابتكارات الثقافية”، و”شكلاً من أشكال التمرد المنظم”. تقول ويلتس: “الفعل السطحي ظاهريًا المتمثل في التأنق للشرب والرقص والمرح والتعرف على الناس” هو بالطبع أعمق من ذلك بكثير، فالحياة الليلية قد تحتوي التمرد، أو حتى تُمكّن منه، كما تحتوي على التواصل، والابتكار، والفن، والحب، والجنس، والثورة السياسية، وتمكننا منها جميعًا.

من اليابان إلى فرنسا، ومن شنغهاي إلى ألمانيا، مرورًا بالعديد من الرحلات الجانبية إلى الولايات المتحدة، تُحلل ويلتس الحركات التاريخية كما يمكن رؤيتها من الغروب حتى الفجر، ثم تتحدث عن مراحل تطور صورة الحياة الليلية، منطلقة من فكرة مفادها أن هذا التطور كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والتاريخية، حتى أنها تؤكد مرارًا وتكرارًا أن التهديد الدائم بالقمع والإغلاق، والخلفية المشؤومة للصراع أو الانهيار المجتمعي، لم يفلحا في إخماد جذوة الحياة الليلية، بل على العكس، غالبًا ما زادها توهجًا.

وتقتبس قول افتتاحية أحد أعداد “مجلة بلاي بوي” عام 1963: “إن احتمال الانقراض الوشيك منح الحياة معنى جديدًا، متعةً جديدةً للحياة وكل ما تُقدمه. هناك حرية وبهجة هروبية، لا مجرد استسلام للقدر، ولا استمرار في التسكع بينما تحترق روما”. كما تستشهد بمذكرات مارتن كيمب، عضو فرقة “سبانداو باليه”، في ما يتعلق بحيوية “سوهو” اليابانية الأسطورية، والتي يقول فيها: “كانت طاقة وروح موسيقى البانك لا تزال حاضرة. وكذلك الرغبة الجامحة في مواجهة العالم. لكننا لم نعد مهتمين بتحويل المكان إلى ركام”، وهو ما تنتقل منه إلى التأكيد على أن انتشار الحانات السرية في “هارلم” بنيويورك كان ردًا على القانون الفيدرالي بحظر الكحول؛ وكان للمهاجرين الروس الذين نزحوا بسبب ثورة 1917، دورٌ حيوي في الحياة الليلية في باريس وشنغهاي؛ ودعمت أموال رجال العصابات ازدهار النوادي والكازينوهات في لاس فيغاس وهافانا بعد الحرب؛ ووفرت آثار ما بعد الصناعة وما بعد الشيوعية في ديترويت وبرلين موطنًا مبكرًا لموسيقى التكنو.

كنز من المعلومات الطريفة

الكتاب عبارة عن سلسلة متدفقة من الشخصيات الملونة، من منظمي الحفلات الأثرياء الذين تحركهم الغطرسة والجشع، إلى الرواد المتميزين ذوي الرؤية والطموح، ومن فناني المسرح المتألقين أو غريبي الأطوار، إلى رواد النوادي الأكثر أناقة، وكما هو متوقع، فإن كتاب “سهر طوال الليل” يمكن اعتباره بمثابة كنز دفين من المعلومات الطريفة، مع اكتشافات غير متوقعة في كل صفحة، سواء كانت ويلتس تصف البذخ والانحلال في حفل طلاب الفنون الباريسي عام 1893، أو كيف كان المحتفلون في خمسينيات القرن الماضي يشاهدون تجارب القنابل الذرية من غرفة “سكاي روم” في فندق “ديزرت إن” في لاس فيغاس وهم يحتسون “كوكتيلات أتوميك”، ومنها مثلًا ما تقدمه من معلومات بشأن فنان سريالي كان يقيم في باريس، يدعى كليوفاس بوجايلي، “كان ينام في تابوت مزين بالعظام ليثير الكوابيس التي كان يرسمها على لوحاته في صباح اليوم التالي”، ومنها قصة إيدي دودسون، تاجر الكوكايين في نادي “فيك كلوب” في هوليوود، والذي “كان يسطو على البنوك أثناء مواعيده الغرامية ليدفع ثمن العشاء”.

بيانكا جاجر في “ستديو 54” في لاس فيجاس

وفي أحد أكثر فصول الكتاب إثارة للاهتمام، تقدم المؤلفة تصحيحًا لرواية برلين في عهد جمهورية فايمار، والتي، كما تُجادل، رسخت في الذاكرة الحديثة من خلال عروض “الكباريه” الموسيقية. وترى أن هذه الرواية تحريفية وغير دقيقة، لأنها تستند إلى تجارب السياح، لا إلى تجارب السكان المحليين، وتقول إنه على سبيل المثال، كان هناك إقبال ضئيل بشكلٍ مُثير للدهشة على السخرية السياسية، على الرغم من أن عروض “الكباريه” كانت لا تزال تُعتبر جريئة ومُخالفة للعرف، وتُعد الراقصة أنيتا بربر من أكثر الشخصيات إثارةً للدهشة هنا، حيث تصف ويلتس طقوسها اليومية المتمثلة في “إكسير الإفطار”، وهو مزيجٌ مأساوي ساحر من “الكلوروفورم والإيثير وبتلات الورد الأبيض”، وكانت تؤدي على خشبة المسرح رقصات تعرف باسم “المورفين” و”الكوكايين”، وتغمس نفسها في جرةٍ من الدم قبل أن تدور في الهواء، ما يؤدي إلى صدمة لجماهير عام 1922، مؤكدة أن نفس الصدمة أو رد فعل الجماهير لن يتغير، وسيظل هو نفسه رد الفعل ولو بعد مرور مئة عام.

هنا جميع اللحظات المحورية

تركز ويلتس في كتابها على بعض الجوانب الإيجابية للسهر، وخصوصًا فيما يتعلق بالصراع الثقافي، باعتبارها منشطًا للحوار والتواصل الاجتماعي، وتضرب مثالًا على ذلك بشهرة حدائق “فوكسهول بليجر” اللندنية في القرن الثامن عشر، وهي الحدائق التي كانت تجمع ما بين أفراد من طبقات اجتماعية مختلفة على أساس المساواة كنوع من التمرد على الطبقة الحاكمة، وتقول: “إن الاختلاط بين الأعراق والطاقة المغناطيسية في هارلم جعلت قضاء ليلة هناك يبدو وكأنك جزء من المقاومة، وبدا أن سياسة الدخول في ماكس كانساس سيتي، وهي مؤسسة في مدينة نيويورك، غامضة، ولكنها تهدف إلى تحقيق نوع من الكيمياء الاجتماعية”. وتضيف: “في بعض هذه الأماكن، لم يُبخل بأي جهد في سبيل الديكورات الفخمة، والعروض المبهرة والترفيه، لكن معظمها لم يكن حكرًا على الأثرياء المترفين؛ بل على العكس، كانت أماكن شاملة، ترحب بالنساء والأقليات العرقية والمثليين، سواء أرادوا كسب الرزق أو مجرد الاستمتاع”.

هنا، جميع اللحظات المحورية حاضرة وبالتفصيل، من ظهور موسيقى الديسكو، وشهرة ستوديو 54، أو ما يُعرف بأسلوب حياة “رات باك” في لاس فيغاس، إلى ميلاد موسيقى التكنو في ديترويت، حيث يتبع كل مشهد جديد نمطًا مألوفًا وعوالم جديدة يبتكرها فنانون وغريبو أطوار وأصحاب رؤى، غالبًا ما يكونون من المهاجرين والغرباء، هناك أصوات جديدة، ورقصات جديدة، وطرق جديدة للبحث عن الجنس والحب. هنا تظهر شخصيات شهيرة ومحبوبة، من جوزفين بيكر إلى بيلي هوليداي إلى إيدي سيدجويك، كما يظهر الحنين إلى عوالم وشخصيات طواها النسيان، كرائد موسيقى الجاز في نيو أورلينز، بادي بولدن، الذي كان يعتقد لويس أرمسترونغ أنه عزف على الكورنيت بكثرة لدرجة أن دماغه حُرم من الأكسجين، ما أدى إلى جنونه.

هكذا، يحفر الكتاب عميقًا للبحث عن نقطة انطلاق تبدو محتملة لتاريخ السهر في عصرنا الحديث، ويصل إلى نقطة بداية مُفاجئة، إلى اليابان في القرن السابع عشر، إلى وجهة حفلات نائية بُنيت خارج عاصمة نظام الشوغون الإقطاعي الذي حكم اليابان لمدة 600 سنة انتهت بسقوطه عام 1868، في حي “يوشيوارا”، أشهر حي مرخص للمتعة في العاصمة إيدو “طوكيو حاليًا”، والذي تأسس عام 1617، في أرض مستنقعية نائية خارج العاصمة، كمنطقة معزولة ومراقبة من الحكومة، فكان وكرًا للمتعة والفساد، لكنه مع الوقت أصبح أرضًا خصبة للأفكار الجديدة، ومركزًا للفنون والآداب والثقافة، وبينما تغيرت الأماكن، ظلت الحياة الليلية في طليعة الابتكار الثقافي والفني.

بعض الأمل

على أن الكتاب يتناول الوضع الراهن بكثير من التشاؤم وبعض الأمل، فبعد أن تقر ويلتس بسعادة بأن الحياة الليلية دورية، تعود لتوضح حقيقة أنها تمر بفترة ركود ربما تطول، وتكتب بصراحة ووضوح شديدين كيف أفسدت الهواتف الذكية سهراتنا، وكيف أن احتمال المراقبة الدائم، وخوف جيل الألفية من أن يُنظر إليهم على أنهم مثيرون للشفقة، إلى جانب حالة اللامبالاة التي تُسببها وسائل الترفيه، كلها أسباب ساهمت في القضاء على حقبة “العشرينيات الصاخبة”، وتخبرنا بأنه في المملكة المتحدة، تُغلق ثلاثة نوادٍ ليلية أبوابها أسبوعيًا، بينما أفاد مكتب عمدة مدينة نيويورك في عام 2019 أن ما بين 30% و40% من أصحاب أماكن السهر لا يتوقعون الاستمرار في العمل لثلاث سنوات قادمة، لكنها تعود مرة أخرى للقول إننا “لن نتمكن أبدًا من الشعور بنشوة البهجة الجماعية من خلال الشاشة”، خصوصًا وأن هذا الأمر أدى إلى تراجع الإبداع في الموسيقى والأزياء والفنون، وهو الإبداع الذي قد تُشعله أحيانًا حفلات الرقص الصاخبة مع الغرباء على حلبات الرقص المزدحمة.

من فترة حظر الكحول في الولايات المتحدة

“سهر طوال الليل”، هو كتاب عن قصة الأوقات الجميلة والرائعة، عن اختراع موسيقى الجاز، وماذا كان يفعل سكان لندن في القرن الثامن عشر للتسلية؟ أو لماذا كانت ديترويت مهد موسيقى التكنو؟ من بنى لاس فيغاس؟ وما الذي نفوته في حياتنا الرقمية المتزايدة عندما نفوّت فرصة قضاء ليلة صاخبة؟ كتب عنه روس بيرلين: “من عصر إيدو في اليابان إلى وسط مانهاتن في السبعينيات، يُعدّ كتاب “سهر طوال الليل” رحلةً ممتعةً مليئةً بالشخصيات والأحداث، أشبه بليلة رائعة في الخارج. ولكنه يتناول أيضًا موضوعًا جادًا وهامًا، ألا وهو معنى الحياة الليلية اليوم، في ظلّ تراجعها في كل مكان تقريبًا، وما كانت تعنيه دائمًا: التحرر للمهمشين وإيقاعًا أساسيًا لنا جميعًا”.

فيما قال عنه مايكل موستو، الناقد الثقافي والمؤرخ الأمريكي: “معظم رواد الحفلات لا يتذكرون كيف بدأت ليلتهم، إيموجين ويلتس تغوص في أعماق التاريخ وصولًا إلى القرن السابع عشر. تقدم لنا تاريخها الموثق بدقة عن الحياة الليلية، تسلسلًا زمنيًا مفعمًا بالحيوية لأروع الحفلات، مع التركيز على التعبير والتمرد والهروب الذي لطالما وفرته النوادي والحانات.. أرفع نخبًا حارًا لهذا الكتاب، الذي يقدم دليلًا تاريخيًا على أن مزيجًا صاخبًا من الموسيقى والكوكتيلات والناس لن يختفي أبدًا”.