أطاحت العملية الأمنية السورية الأخيرة بأحد أبرز الوجوه المرتبطة بتنظيم “داعش”، بعدما أعلنت وزارة الداخلية، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، تفكيك خلايا نوعية للتنظيم في دمشق وريفها والمنطقة الجنوبية، في تطور يعكس انتقال المواجهة مع التنظيم إلى مستوى مختلف يقوم على الاختراق الاستخباري واستهداف البنية القيادية قبل تحوّلها إلى تهديد عملياتي واسع.
وشملت العملية مداهمات متزامنة في مناطق القطيفة والسيدة زينب وضاحية قدسيا وحي عش الورور، وأسفرت عن اعتقال فراس الداغر، الملقب بـ”والي لبنان وفلسطين”، والذي تشير المعطيات الأمنية إلى أنه كان مرافقاً شخصياً سابقاً لخليفة التنظيم، إضافة إلى توقيف مسؤولين عن ملفات الاغتيالات والتمويل، والخلية المرتبطة بالتفجيرات الأخيرة التي استخدمت عبوات ناسفة قرب مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى سوريا.
لا تكمن أهمية هذه العملية في حجم الأسماء التي سقطت فقط، بل في طبيعة الشبكة التي كشفت عنها، إذ تشير المعطيات إلى أن التنظيم لم يعد يعتمد على تشكيلات عسكرية كبيرة أو تحركات مكشوفة، بل أعاد بناء نفسه ضمن نموذج أكثر تعقيداً قوامه الخلايا الصغيرة، والتمويل غير التقليدي، والاغتيالات الانتقائية، واستغلال الثغرات الأمنية والاجتماعية.
ضربة استخباراتية دقيقة
تمثل العملية الأخيرة نموذجاً لطبيعة الحرب الجديدة ضد تنظيم “داعش”، حيث لم تعد المواجهة ترتبط بالمعارك المفتوحة كما كان الحال خلال مرحلة سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من سوريا والعراق، بل أصبحت تعتمد على جمع المعلومات، واختراق الشبكات السرية، وتعقّب حلقات الاتصال بين القيادات والعناصر التنفيذية.
ويكشف وجود مسؤولين مكلفين بملفات محددة، مثل التمويل والاغتيالات، أن التنظيم حافظ على قدر من الانضباط الداخلي على الرغم من الضربات المتلاحقة التي تلقاها خلال السنوات الماضية. فحتى بعد خسارته الأراضي التي أعلن منها “الخلافة”، لم يتخلَّ عن فكرة الهيكل الهرمي، لكنه أعاد صياغتها بطريقة أكثر مرونة تسمح له بالعمل تحت الضغط الأمني.
ويكتسب اعتقال فراس الداغر أهمية خاصة بسبب موقعه التنظيمي المعلن. فصفة “والي لبنان وفلسطين” تحمل دلالة رمزية تتجاوز الشخص نفسه، لأنها تعكس استمرار محاولة “داعش” تقديم نفسه كتنظيم عابر للحدود، قادر على ربط ساحات مختلفة ضمن مشروع واحد، حتى وإن كانت قدرته الفعلية على الحركة أقل بكثير مما كانت عليه في مرحلة التوسع الأولى.
رمزية الوالي الجديد
منذ تأسيسه، اعتمد تنظيم “داعش” على فكرة “الولايات” كجزء أساسي من هويته التنظيمية. ولم تكن هذه التسميات مجرد تقسيمات إدارية، بل أدوات دعائية تهدف إلى إظهار أنه يمتلك امتداداً جغرافياً واسعاً.
لكن مرحلة ما بعد سقوط “الخلافة” غيّرت وظيفة هذه الألقاب. فاليوم أصبحت صفة “الوالي” وسيلة للحفاظ على الروابط التنظيمية وإبقاء فكرة المشروع قائمة في أذهان العناصر والأنصار، أكثر من كونها تعبيراً عن سيطرة فعلية على منطقة محددة.
ومن هنا، فإن تسمية مسؤول في سوريا بـ”والي لبنان وفلسطين” قد تشير إلى محاولة لبناء قنوات نفوذ رمزية أو لوجستية مرتبطة بساحات مجاورة، خصوصاً في ظل حساسية المنطقة الجنوبية وقربها من حدود متعددة. غير أن ذلك لا يعني امتلاك التنظيم قدرة فعلية على إنشاء جبهة جديدة، بل يعكس سعيه إلى استثمار الأهمية السياسية والإعلامية لهذه المناطق.
اقتصاد “الخلايا” الإرهابي
أحد أبرز الجوانب التي كشفتها التحقيقات هو اعتماد الخلايا على الجريمة المنظمة كمصدر تمويل، وذلك عبر عمليات سلب واغتيال استهدفت تجاراً وصاغة ذهب في محافظة درعا، ثم توظيف العائدات المالية في دعم النشاط الإرهابي.
يمثل هذا النمط تحولاً جوهرياً في طبيعة اقتصاد “داعش”. ففي مرحلة سيطرته على الأراضي، كان التنظيم يعتمد على موارد ضخمة مصدرها السيطرة على حقول النفط، وفرض الضرائب، ومصادرة الممتلكات. أما اليوم، فقد أصبح يعتمد على نموذج أكثر سرية يقوم على عمليات محدودة لكنها مستمرة.
ويعكس ذلك انتقال التنظيم من اقتصاد “الدولة المعلنة” إلى اقتصاد “الخلايا”، حيث تصبح القدرة على تأمين الأموال والسلاح والمعلومات شرطاً أساساً للاستمرار. كما يوضح التداخل المتزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وهي ظاهرة باتت تشكل أحد أكبر التحديات أمام الأجهزة الأمنية في مناطق النزاعات.
الجنوب السوري في الحسابات
لم يكن اختيار الجنوب السوري، من دمشق وريفها وحتى درعا، لنشاط التنظيم أمراً عشوائياً، فهذه المنطقة تتمتع بأهمية استراتيجية، نظراً لموقعها الجغرافي وتعقيداتها الأمنية والاجتماعية، فهي تقع بالقرب من حدود الأردن وإسرائيل ولبنان، وتشكل نقطة تماس بين ملفات إقليمية متعددة.
ويحاول “داعش” تاريخياً الاستفادة من المناطق التي تشهد ضعفاً مؤسساتياً أو توترات محلية، لأنها توفر بيئة مناسبة لإخفاء العناصر، وبناء شبكات دعم، والتحرك بعيداً عن الرقابة المباشرة.
مع ذلك، لا يعني تحرك التنظيم في الجنوب أنه أصبح قادراً على إعادة السيطرة على مناطق أخرى في سوريا. فالمؤشرات الحالية تدل على اعتماده أسلوباً مختلفاً يقوم على العمليات المحدودة، وجمع المعلومات، واستهداف شخصيات بعينها، بدلاً من السيطرة المكانية. كما أن تركيزه على دمشق ومحيطها يحمل دلالة إضافية، إذ يسعى من خلال الوصول إلى العاصمة إلى إثبات قدرته على اختراق المناطق ذات القيمة السياسية والأمنية العالية، على الرغم من فقدانه الكثير من قدراته السابقة.
من الخلافة للشبكات
تكشف العملية الأمنية الأخيرة أن “داعش” دخل مرحلة جديدة من الصراع، تختلف جذرياً عن مرحلة تمدده بين العامين 2014 و 2019. فالتنظيم لم يعد يمتلك جيشاً تقليدياً أو مدناً يسيطر عليها، لكنه لا يزال يحتفظ بقدرة على إنتاج تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
وتبقى بادية الشام واحدة من أهم مناطق نشاطه بسبب طبيعتها الجغرافية الواسعة، فيما تستمر الخلايا النائمة في شرق الفرات وشمال شرق سوريا في تشكيل تحدٍّ أمني، خصوصاً مع استمرار ملف مخيمات الاحتجاز التي تمثل بيئة قابلة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.
ولهذا، فإن مواجهة “داعش” لم تعد مرتبطة فقط بالعمليات العسكرية، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تشمل العمل الاستخباري، وتجفيف مصادر التمويل، ومراقبة شبكات التجنيد، ومعالجة البيئات التي تسمح بعودة الأيديولوجيا المتطرفة.
تثبت الإطاحة بفراس الداغر وتفكيك الخلايا المرتبطة به أن التنظيم يسعى للحفاظ على وجوده عبر أساليب جديدة، لكنه في الوقت نفسه يواجه واقعاً مختلفاً عن سنوات صعوده. فالمعركة الحالية ليست حول إسقاط “دولة داعش”، بل حول منع التنظيم من إعادة بناء شبكة قادرة على تحويل الفوضى المحلية إلى نفوذ إقليمي.
وبينما تمثل عملية دمشق الأمنية نجاحاً مهماً في اختراق إحدى شبكات التنظيم، فإن استمرار التهديد يؤكد أن الحرب على “داعش” أصبحت حرباً طويلة الأمد، عنوانها الأساس السيطرة على المعلومات قبل السيطرة على الأرض.















